63 - سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 1 - بَاب قَوْلُهُ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ إِلَى لَكَاذِبُونَ 4900 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : كُنْتُ فِي غَزَاةٍ ، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَقُولُ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ ، وَلَئِنْ رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَرَ ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا ، فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقَهُ ، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ ، فَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ ، فَقَالَ لِي عَمِّي : مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَتَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ فَبَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ . قَوْلُهُ ( سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . بَابُ قَوْلِهِ : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ الْآيَةَ . وَسَاقَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ لَكَاذِبُونَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ) هُوَ السَّبِيعِيُّ ، وَلِإِسْرَائِيلَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ) سَيَأْتِي بَعْدُ بَابَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ تَصْرِيحُهُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ زَيْدٍ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ فِي غَزَاةٍ ) زَادَ بَعْدَ بَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْرَائِيلَ مَعَ عَمِّي ، وَهَذِهِ الْغَزَاةُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ ابْنِ كَعْبٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَنَّهَا غَزْوَةُ تَبُوكَ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ الْمَذْكُورَةِ : فِي سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ ، فَلَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ . . . فَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّهَا غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَا يُؤَيِّدُهُ ، وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِهِ ثُمَّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ الْقَوْلَ الْآتِي ذِكْرُهُ صَدَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بَعْدَ أَنْ قَفَلُوا . قَوْلُهُ : ( فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ) هُوَ ابْنُ سَلُولٍ رَأْسُ النِّفَاقِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ . قَوْلُهُ : ( يَقُولُ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ ) هُوَ كَلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَلَمْ يَقْصِدِ الرَّاوِي بِسِيَاقِهِ التِّلَاوَةَ ، وَغَلِطَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ : هَذَا وَقَعَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ فِي الْمَصَاحِفِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ . قُلْتُ : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ قَالَهَا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ بِحِكَايَةِ جَمِيعِ كَلَامِهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَئِنْ رَجَعْنَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : وَلَوْ رَجَعْنَا ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَبَعْدَ الْوَاوِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ، وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ : وَقَالَ : لَئِنْ رَجَعْنَا وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ . وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ زَيْدٍ بَعْدَ بَابِ : وَقَالَ أَيْضًا : لَئِنْ رَجَعْنَا ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ سَبَبُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَرَ ) كَذَا بِالشَّكِّ ، وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ الْآتِيَةِ لِعَمِّي بِلَا شَكٍّ ، وَكَذَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ زَيْدٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَمِّهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَلَيْسَ عَمَّهُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ سَيِّدُ قَوْمِهِ الْخَزْرَجِ ، وَعَمُّ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الْحَقِيقِيُّ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَعَمُّهُ زَوْجُ أُمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ خَزْرَجِيٌّ أَيْضًا . وَوَقَعَ فِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَعَ لِأَوْسِ بْنِ أَرْقَمَ فَذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سَبَبُ الشَّكِّ فِي ذِكْرِ عُمَرَ ، وَجَزَمَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهْمٌ ، وَالصَّوَابُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ . قُلْتُ : وَلَا يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ الْمُخْبِرِ بِذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، إِلَّا أَنَّ الْقِصَّةَ مَشْهُورَةٌ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَرِيبًا مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ؛ أَيْ ذَكَرَهُ عَمِّي ، وَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ زَيْدٍ : فَأَخْبَرْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَا فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ ، فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْإِخْبَارَ مَجَازًا ، لَكِنْ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّكَ أَخْطَأَ سَمْعُكَ ، لَعَلَّكَ شُبِّهَ عَلَيْكَ ، فَعَلَى هَذَا لَعَلَّهُ رَاسَلَ بِذَلِكَ أَوَّلًا عَلَى لِسَانِ عَمِّهِ ثُمَّ حَضَرَ هُوَ فَأَخْبَرَ . قَوْلُهُ : ( فَحَلَفُوا مَا قَالُوا ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ : فَأَجْهَدَ يَمِينَهُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ، وَجُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَنْ مَعَهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ : فَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا . قَوْلُهُ : ( فَكَذَّبَنِي ) بِالتَّشْدِيدِ ، فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ : فَقَالُوا : كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا بِالتَّخْفِيفِ ، وَرَسُولَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ زَيْدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ : أَتَى زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَذِبِ . قَوْلُهُ : ( وَصَدَّقَهُ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : فَصَدَّقَهُمْ ، وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُهَا . قَوْلُهُ : ( فَأَصَابَنِي هَمٌّ ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ : فَوَقَعَ فِي نَفْسِي شِدَّةٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ زَيْدٍ : فَوَقَعَ عَلَيَّ من الهم ما لم يقع على أحد ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ : فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ فَنِمْتُ زَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ : فَنِمْتُ كَئِيبًا حَزِينًا ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى : حَتَّى جَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ مَخَافَةَ إِذَا رَآنِي النَّاسُ أَنْ يَقُولُوا كَذَبْتَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لِي عَمِّي : مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ : فَقَالَ لِي عُمَرُ . قَالَ الْجَيَّانِيُّ : وَالصَّوَابُ عَمِّي كَمَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ ، انْتَهَى . وَقَدْ ذَكَرْتُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي احْتِمَالَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَمَقَتَكَ ) فِي رِوَايَةٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ : فَلَامَنِي الْأَنْصَارُ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ : وَلَامَنِي قَوْمِي . قَوْلُهُ : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ : فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَيْ بِالْوَحْيِ ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ : حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ : فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ أَبْصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوحَى إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعْدٍ قَالَ : فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ خَفَقْتُ بِرَأْسِي مِنَ الْهَمِّ أَتَانِي فَعَرَكَ بِأُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي ، فَلَحِقَنِي أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلَنِي فَقُلْتُ لَهُ ، فَقَالَ : أَبْشِرْ . ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ . قَوْلُهُ : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ زَادَ آدَمُ إِلَى قَوْلِهِ : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - إِلَى قَوْلِهِ - لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ مُخْتَصَرَةٌ حَيْثُ اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِ : وَنَزَلَ : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا الْآيَةَ لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ : فَنَزَلَتْ : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا حَتَّى بَلَغَ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ ) وَفِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ : فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُذُنِ الْغُلَامِ فَقَالَ : وَفَتْ أُذُنُكَ يَا غُلَامُ مَرَّتَيْنِ . زَادَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ : فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ تَرْكُ مُؤَاخَذَةِ كُبَرَاءِ الْقَوْمِ بِالْهَفَوَاتِ لِئَلَّا يَنْفِرَ أَتْبَاعُهُمْ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مُعَاتَبَاتِهِمْ وَقَبُولِ أَعْذَارِهِمْ وَتَصْدِيقِ أَيْمَانِهِمْ وَإِنْ كَانَتِ الْقَرَائِنُ تُرْشِدُ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْنِيسِ وَالتَّأْلِيفِ . وَفِيهِ جَوَازُ تَبْلِيغِ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمَقُولِ فِيهِ ، وَلَا يُعَدُّ نَمِيمَةً مَذْمُومَةً إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْإِفْسَادَ الْمُطْلَقَ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تُرَجَّحُ عَلَى الْمَفْسَدَةِ فَلَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلُهُ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ إِلَى لَكَاذِبُونَ · ص 512 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله · ص 236 سورة المنافقين أي هذا في تفسير بعض سورة المنافقين ، وهي مدنية ، وهي سبعمائة وستة وسبعون حرفا ، ومائة وثمانون كلمة ، وإحدى عشرة آية . بسم الله الرحمن الرحيم ليس في ثبوت البسملة هنا خلاف . باب قوله : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ إلى لَكَاذِبُونَ أي هذا باب في قوله عز وجل : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ الآية هذا المقدار في رواية أبي ذر ، وساق غيره إلى قوله : لَكَاذِبُونَ 394 - حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن أرقم قال : كنت في غزاة ، فسمعت عبد الله بن أبي يقول : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل ، فذكرت ذلك لعمي أو لعمر ، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم ، فدعاني فحدثته ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه ، فحلفوا ما قالوا ، فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدقه ، فأصابني هم لم يصبني مثله قط ، فجلست في البيت ، فقال لي عمي : ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك ، فأنزل الله تعالى : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ فبعث إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ فقال : إن الله قد صدقك يا زيد . مطابقته للترجمة ظاهرة ، لأنه يبين سبب نزولها ، وإسرائيل هو ابن يونس ، يروي عن جده أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي . والحديث أخرجه البخاري أيضا عن آدم ، وعبيد الله بن موسى ، فهم ثلاثتهم عن إسرائيل ، وعن عمرو بن خالد ، وأخرجه مسلم في التوبة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه الترمذي في التفسير ، عن عبد بن حميد ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي داود الحراني . قوله : في غزاة هي غزوة تبوك على ما وقع في رواية النسائي ، والذي عليه أهل المغازي أنها غزوة بني المصطلق ، وذكر أبو الفرج أنها المريسيع سنة خمس . وقيل : ست ، وقال موسى : سنة أربع . قوله : عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين ، والابن الثاني صفة لعبد الله فهو بالنصب ، وسلول غير منصرف ؛ لأنه اسم أم عبد الله فهو منسوب إلى الأبوين . قوله يقول : لا تُنْفِقُوا إلى قوله : الأَذَلَّ هو كلام عبد الله بن أبي ، ولم يقصد الراوي به التلاوة ، وقال بعضهم : وغلط بعض الشراح فقال : هذا واقع في قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه . قلت : أراد به صاحب التلويح ، ولكنه لم يقل هكذا ، وإنما قال : قوله حَتَّى يَنْفَضُّوا من حوله بكسر الميم وجر اللام ، كذا هو في السبعة قال النووي : وقرئ في الشاذ : من حوله بالفتح ، هذا الذي ذكره صاحب التلويح ، نعم . قوله : كذا هو في السبعة فيه نظر . قوله : لَئِنْ رَجَعْنَا كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : ولو رجعنا . قوله : لعمي أو لعمر كذا بالشك ، وفي سائر الروايات التي تأتي لعمي بلا شك ، وكذا عند الترمذي من طريق أبي سعيد الأزدي ، عن زيد ، ووقع عند الطبراني وابن مردويه : أن المراد بعمه سعد بن عبادة ، وليس عمه حقيقة ، وإنما هو سيد قومه الخزرج ، وعم زيد بن أرقم الحقيقي ثابت بن قيس ، له صحبة ، وعمه زوج أمه عبد الله بن رواحة خزرجي أيضا ، وفي كلام الكرماني أنه عبد الله بن رواحة ، وهو عمه المجازي ؛ لأنه كان في حجره ، وإنهما من أولاد كعب الخزرجي ، وقال الغساني : الصواب عمي لا عمر على ما رواه الجماعة . قوله : فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي فذكره عمي ، ووقع في رواية ابن أبي ليلى عن زيد : فأخبرت به النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا وقع في مرسل قتادة ، والتوفيق بينهما أنه يحمل على أنه أرسل أولا ، ثم أخبر به بنفسه . قوله : فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتشديد ، قوله : وصدقه ، أي وصدق عبد الله بن أبي . قوله : فأصابني هم لم يصبني مثله قط يعني في الزمن الماضي ، ووقع في رواية زهير : فوقع في نفسه شدة ووقع في رواية أبي سعد الأزدي عن زيد : فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد ، وفي رواية محمد بن كعب : فرجعت إلى المنزل فنمت زاد الترمذي في رواية فنمت كئيبا حزينا ، وفي رواية ابن أبي ليلى : حتى جلست في البيت مخافة إذا رآني الناس أن يقولوا : كذبت . قوله : ما أردت إلى أن كذبك بالتشديد ، أي ما قصدت منتهيا إليه ، أي ما حملك عليه ؟ قوله : ومقتك من مقته مقتا إذا أبغضه بغضا ، وفي رواية محمد بن كعب : فلامني الأنصار ، وعند النسائي من طريقه : ولامني قومي . قوله : فأنزل الله ، وفي رواية محمد بن كعب : فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي الوحي ، وفي رواية زهير : حتى أنزل الله تعالى ، وفي رواية أبي الأسود عن عروة : فبينما هم يسيرون أبصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه فنزلت ، وفي رواية أبي سعد عن زيد قال : فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خفقت برأسي من الهم أتاني فعرك أذني فضحك في وجهي ، فلحقني أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، فسألني فقلت له : فقال أبشر ، ثم لحقني عمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك ، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين . قوله : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ زاد آدم بن أبي إياس إلى قوله : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى قوله : لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ