5 - بَاب قَوْلُهُ : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ 4905 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ عَمْرٌو : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً : فِي جَيْشٍ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ! فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ . فَقَالَ : دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ . فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقَالَ : فَعَلُوهَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُ ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ . وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ أَكْثَرَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ، ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ . قَالَ سُفْيَانُ : فَحَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو ، قَالَ عَمْرٌو : سَمِعْتُ جَابِرًا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ . . . الْآيَةَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَ الَّتِي فِي التَّوْبَةِ : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَمْرٌو ) وَقَعَ فِي آخِرِ الْبَابِ : قَالَ سُفْيَانُ : فَحَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو ، قَالَ : فَذَكَرَهُ ، وَوَقَعَ رِوَايَةُ الْحُمَيْدِيِّ الْآتِيَةُ بَعْدَ بَابِ : حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو . قَوْلُهُ : ( كُنَّا فِي غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً : فِي جَيْشٍ ) وَسَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ غَزْوَةَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْغَزَاةَ غَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَكَذَا فِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ . قَوْلُهُ : ( فَكَسَعَ رَجُلٌ ) الْكَسْعُ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ بَعْدَ بَابٍ ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ أَنَّهُ ضَرْبُ الدُّبُرِ بِالْيَدِ أَوْ بِالرِّجْلِ . وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بِرِجْلِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْيَمَنِ شَدِيدٌ ، وَالرَّجُلُ الْمُهَاجِرِيُّ هُوَ جَهْجَاهُ بْنُ قَيْسٍ - وَيُقَالُ : ابْنُ سَعِيدٍ - الْغِفَارِيُّ ، وَكَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُودُ لَهُ فَرَسَهُ ، وَالرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ هُوَ سِنَانُ بْنُ وَبَرَةَ الْجُهَنِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ ، وَأَنَّ الْمُهَاجِرِيَّ كَانَ مِنْ غِفَارٍ ، وَسَمَّاهُمَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ شُيُوخِهِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ الَّتِي هَدَمَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَاةَ الطَّاغِيَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ قَفَا الْمُشَلَّلِ وَبَيْنَ الْبَحْرِ فَاقْتَتَلَ رَجُلَانِ فَاسْتَعْلَى الْمُهَاجِرِيُّ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ ، فَقَالَ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، فَتَدَاعَوْا إِلَى أَنْ حُجِزَ بَيْنَهُمْ ، فَانْكَفَأَ كُلُّ مُنَافِقٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالُوا : كُنْتَ تُرْجَى وَتَدْفَعُ ، فَصِرْتَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ! فَقَالَ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا ، وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ . وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الطُّرُقُ عَلَى أَنَّ الْمُهَاجِرِيَّ وَاحِدٌ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : اقْتَتَلَ غُلَامَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَنَادَى الْمُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ! وَنَادَى الْأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ ! فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ أَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ! قَالُوا : لَا ، إِنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ . فَقَالَ : لَا بَأْسَ ، وَلْيَنْصُرَنَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا الْحَدِيثَ . وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ قَوْلَهُ : مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بَيَانٌ لِأَحَدِ الْغُلَامَيْنِ ، وَالتَّقْدِيرُ : اقْتَتَلَ غُلَامَانِ ؛ غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَحَذَفَ لَفْظَ غُلَامٍ مِنَ الْأَوَّلِ . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْخَبَرِ : فَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ فَأَفْرَدَهُ ، فَتَتَوَافَقُ الرِّوَايَاتُ . وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ : لَا بَأْسَ جَوَازُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ بِالْقَصْدِ الْمَذْكُورِ وَالتَّفْصِيلِ الْمُبَيَّنِ ، لَا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ نُصْرَةِ مَنْ يَكُونُ مِنَ الْقَبِيلَةِ مُطْلَقًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ : انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا مُسْتَوْفًى فِي بَابِ أَعِنْ أَخَاكَ مِنْ كِتَابِ الْمَظَالِمِ . قَوْلُهُ : ( يَا لَلْأَنْصَارِ ! ) بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَهِيَ لِلِاسْتِغَاثَةِ ؛ أَيْ : أَغِيثُونِي . وَكَذَا قَوْلُ الْآخَرِ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ! قَوْلُهُ : ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) ؛ أَيْ : دَعْوَةُ الْجَاهِلِيَّةِ . وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ الْكَسْعَةُ . وَمُنْتِنَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ مِنَ النَّتْنِ ؛ أَيْ أَنَّهَا كَلِمَةٌ قَبِيحَةٌ خَبِيثَةٌ ، وَكَذَا ثَبَتَتْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ . قَوْلُهُ : ( فَعَلُوهَا ؟ ) هُوَ اسْتِفْهَامٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ ؛ أَيْ : أَفَعَلُوهَا؟ أَيِ الْأَثَرَةَ ؛ أَيْ شَرِكْنَاهُمْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَأَرَادُوا الِاسْتِبْدَادَ بِهِ عَلَيْنَا . وَفِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ : فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَظِيمُ النِّفَاقِ : مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ : سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ . وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ : أَقَدْ فَعَلُوهَا ؟ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا ، وَاللَّهِ مَا مَثَلُنَا وَجَلَابِيبُ قُرَيْشٍ هَذِهِ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ : سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ ) فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ : فَقَالَ عُمَرُ : مُرْ مُعَاذًا أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مُعَاذًا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَوْمِهِ . قَوْلُهُ : ( دَعْهُ ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) ؛ أَيْ أَتْبَاعَهُ ، وَيَجُوزُ فِي يَتَحَدَّثَ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَالْكَسْرِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ . وَفِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ : فَقَالَ : لَا ، وَاللَّهِ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَقَالَ : مُرْ بِهِ مُعَاذَ بْنَ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ فَلْيَقْتُلْهُ ، فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أَذِّنْ بِالرَّحِيلِ . فَرَاحَ فِي سَاعَةٍ مَا كَانَ يَرْحَلُ فِيهَا ، فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْأَعَزُّ وَهُوَ الْأَذَلُّ . قَالَ : وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ أَبِي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ فَأَنَا أَحْمِلْ إِلَيْكَ رَأْسَهُ . فَقَالَ : بَلْ تُرْفِقُ بِهِ وَتُحْسِنُ صُحْبَتَهُ . قَالَ : فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ : كَيْفَ تَرَى ؟ وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ وَالِدِي يُؤْذِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَذَرْنِي حَتَّى أَقْتُلَهُ . قَالَ : لَا تَقْتُلْ أَبَاكَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ ) هَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ تَقَدُّمَ الْقِصَّةِ ، وَيُوَضِّحُ وَهْمَ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا كَانَتْ بِتَبُوكَ ؛ لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ حِينَئِذٍ كَانُوا كَثِيرًا جِدًّا ، وَقَدِ انْضَافَتْ إِلَيْهِمْ مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَكَانُوا حِينَئِذٍ أَكْثَرَ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلُهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ · ص 516 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم · ص 240 باب قوله : سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين أي هذا باب في قوله عز وجل : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إلى آخر الآية كذا للأكثرين ، وفي رواية أبي ذر سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ الآية ، أي سواء عليهم الاستغفار وعدمه ؛ لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به ؛ لأن الله لا يغفر لهم . 399 - حدثنا علي ، حدثنا سفيان قال عمرو سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كنا في غزاة قال سفيان مرة في جيش ، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ما بال دعوى جاهلية . قالوا : يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال : دعوها فإنها منتنة ، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال : فعلوها ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عمر فقال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعه ، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ، ثم إن المهاجرين كثروا بعد ، قال سفيان : فحفظته من عمرو قال عمرو : سمعت جابرا : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله : فسمع بذلك عبد الله بن أبي إلى قوله : الأذل ، فوجهه أن الآية المذكورة نزلت فيه ، فمن هذا الوجه تأتي المطابقة ، وقد أخرج عبد بن حميد من طريق قتادة ، ومن طريق مجاهد ، ومن طريق عكرمة : أنها نزلت في عبد الله بن أبي ، وعلي هو ابن عبد الله بن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار أبو محمد المكي ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن الحميدي ، وأخرجه مسلم في الأدب عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره ، وأخرجه الترمذي في التفسير ، عن ابن أبي عمرو ، وأخرجه النسائي في السير ، وفي اليوم والليلة عن عبد الجبار ، وفي التفسير عن محمد بن منصور . قوله : في غزاة ، وهي غزوة بني المصطلق ، قاله ابن إسحاق ، قوله : فكسع من الكسع ، وهو ضرب الدبر باليد أو بالرجل ، ويقال : هو ضرب دبر الإنسان بصدر قدمه ونحوه ، والرجل المهاجري هو جهجاه بن قيس ، ويقال : ابن سعيد الغفاري ، وكان مع عمر رضي الله تعالى عنه يقود فرسه ، والرجل الأنصاري هو سنان بن وبرة الجهني حليف الأنصار . قوله : يا للأنصار اللام فيه لام الاستغاثة ، وهي مفتوحة ، ومعناها أغيثوني . قوله : ما بال دعوى جاهلية ، أي ما شأنها ، وهو في الحقيقة إنكار ومنع عن قول يا لفلان ونحوه . قوله : دعوها ، أي اتركوا هذه المقالة ، وهي دعوى الجاهلية ، وهي قبل الإسلام . قوله : فإنها منتنة بضم الميم وسكون النون وكسر التاء المثناة من فوق من النتن ، أي إنها كلمة قبيحة خبيثة ، وكذا ثبت في بعض الروايات . قوله : فقال فعلوها ، أي أفعلوها بهمزة الاستفهام فحذفت ، أي فعلوا الأثرة ، أي تركناهم فيما نحن فيه ، فأرادوا الاستبداد به علينا ، وفي مرسل قتادة : فقال رجل منهم عظيم النفاق ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك . قوله : دعه ، أي اتركه . قوله : لا يتحدث الناس برفع يتحدث على الاستئناف ، ويجوز الكسر على أنه جواب قوله : دعه . قوله : فحفظته من عمرو كلام سفيان ، أي حفظت الحديث من عمرو بن دينار ، وعمرو قال : سمعت جابرا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، أي قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزاة .