4983 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ : اشْتَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّدُ مَا أُرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى الْحَدِيثُ الْسَّادِسُ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ قَرِيبًا فِي سُورَةِ وَالضُّحَى ، وَوَجْهُ إِيرَادِهِ فِي هَذَا الْبَابِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ النُّزُولِ أَحْيَانًا إِنَّمَا كَانَ يَقَعُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ لَا لِقَصْدِ تَرْكِهِ أَصْلًا ، فَكَانَ نُزُولُهُ عَلَى أَنْحَاءٍ شَتَّى : تَارَةً يَتَتَابَعُ ، وَتَارَةً يَتَرَاخَى . وَفِي إِنْزَالِهِ مُفَرَّقًا وُجُوهٌ مِنَ الْحِكْمَةِ : مِنْهَا تَسْهِيلُ حِفْظِهِ لِأَنَّهُ لَوْ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ لَا يَقْرَأُ غَالِبُهُمْ وَلَا يَكْتُبُ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ حِفْظُهُ . وَأَشَارَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ رَدًّا عَلَى الْكُفَّارِ : وَقَالُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ - أَيْ أَنْزَلْنَاهُ مُفَرَّقًا - لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَمِنْهَا مَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الشَّرَفِ لَهُ وَالْعِنَايَةِ بِهِ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ رَسُولِ رَبِّهِ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ بِأَحْكَامِ مَا يَقَعُ لَهُ وَأَجْوِبَةِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْحَوَادِثِ . وَمِنْهَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْزِلَ مُفَرَّقًا ، إِذْ لَوْ نَزَلَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَشَقَّ بَيَانُهَا عَادَةً . وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ أَنْ يَنْسَخَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا شَاءَ ، فَكَانَ إِنْزَالُهُ مُفَرَّقًا لِيَنْفَصِلَ النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ أَوْلَى مِنْ إِنْزَالِهِمَا مَعًا . وَقَدْ ضَبَطَ النَّقَلَةُ تَرْتِيبَ نُزُولِ السُّوَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي باب تأليف القرآن ولم يضبطوا من ترتيب نزول الآيات إلا قليلا ، وقد تقدم في تفسير اقرأ باسم ربك أنها أول سورة نزلت ، ومع ذلك فنزل من أولها أولا خمس آيات ، ثم نزل باقيها بعد ذلك ، وكذلك سورة المدثر التي نزلت بعدها نزل أولها أولا ثم نزل سائرها بعد . وأوضح من ذلك ما أخرجه أصحاب السنن الثلاثة ، وصححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس عن عثمان قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الآيات فيقول : ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كَيْفَ نَزَلَ الْوَحْيُ وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ · ص 624 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كيف نزول الوحي وأول ما نزل · ص 14 5 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن الأسود بن قيس قال : سمعت جندبا يقول : اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتته امرأة فقالت : يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فأنزل الله عز وجل : وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وجه إيراده هذا الحديث هنا الإشارة إلى أن تأخير النزول لا لقصد الترك أصلا وإنما هو لوجوه من الحكمة : تسهيل حفظه ؛ لأنه لو نزل دفعة واحدة لشق عليهم ؛ لأنهم أمة أمية وغالبهم لا يقرأ ولا يكتب ، وتردد رسول الله عز وجل إليه ولا ينقطع إلى أن يلقى الله تعالى ، ونزوله بحسب الوقائع والمصالح ، وكون القرآن على سبعة أحرف فناسب أن ينزل مفرقا إذ في نزوله دفعة واحدة كانت مشقة عليهم . والحديث مر عن قريب في سورة والضحى ، فإنه أخرجه هناك عن أحمد بن يونس ، عن زهير ، عن الأسود ، وهنا أخرجه عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن سفيان الثوري ، عن الأسود ، ومر الكلام فيه هناك .