52 - بَاب الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ ، وَقَالَ عُمَرُ : مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ : سَمِعْتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي ، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي . 5151 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا اللَيْثٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ ) ؛ أَيِ الَّتِي تَحِلُّ وَتُعْتَبَرُ ، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ الشُّرُوطُ فِي الْمَهْرِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ ، وَأَوْرَدَ الْأَثَرَ الْمُعَلَّقَ ، وَالْحَدِيثَ الْمَوْصُولَ الْمَذْكُورَ هُنَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُمَرُ : مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي الْمُهَاجِرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ عُمَرَ حَيْثُ تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ . فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، تَزَوَّجْتُ هَذِهِ وَشَرَطَتْ لَهَا دَارَهَا ، وَإِنِّي أَجْمَعُ لِأَمْرِي - أَوْ لِشَأْنِي - أَنْ أَنْتَقِلَ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ : لَهَا شَرْطُهَا . فَقَالَ الرَّجُلُ : هَلَكَ الرِّجَالُ إِذْ لَا تَشَاءُ امْرَأَةٌ أَنْ تُطَلِّقَ زَوْجَهَا إِلَّا طَلَّقَتْ . فَقَالَ عُمَرُ : الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ ، عِنْدَ مُقَاطِعِ حُقُوقِهِمْ ، وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرُوطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ نَحْوُهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ مُقَاطِعَ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ ، وَلَهَا مَا اشْتَرَطَتْ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ ) ، تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْمَنَاقِبِ فِي ذِكْرِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَهُوَ الصِّهْرُ الْمَذْكُورُ ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ نَسَبَهُ وَالْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ الْغِيرَةِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا ثَنَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ وَفَائِهِ بِمَا شَرَطَ لَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ) تَقَدَّمَ فِي الشُّرُوطِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنِ اللَّيْثِ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ) هُوَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ ، وَعُقْبَةُ هُوَ ابْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ . قَوْلُهُ : ( أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنَ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّهُ : أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِهِ . قَوْلُهُ : ( مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ ) ؛ أَيْ أَحَقُّ الشُّرُوطِ بِالْوَفَاءِ شُرُوطُ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ أَحْوَطُ ، وَبَابَهُ أَضْيَقُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ مُخْتَلِفَةٌ ، فَمِنْهَا مَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ اتِّفَاقًا ، وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ إِمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ . وَمِنْهَا مَا لَا يُوفَى بِهِ اتِّفَاقًا كَسُؤَالِ طَلَاقِ أُخْتِهَا ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ . وَمِنْهَا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ كَاشْتِرَاطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ، أَوْ لَا يَتَسَرَّى أَوْ لَا يَنْقُلَهَا مِنْ مَنْزِلِهَا إِلَى مَنْزِلِهِ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ : مِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الصَّدَاقِ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَمَا يَكُونُ خَارِجًا عَنْهُ فَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِ ، فَمِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الزَّوْجِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ ، وَمِنْهُ مَا يَشْتَرِطُهُ الْعَاقِدُ لِنَفْسِهِ خَارِجًا عَنِ الصَّدَاقِ وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ الْحُلْوَانُ ، فَقِيلَ : هُوَ لِلْمَرْأَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَقِيلَ : هُوَ لِمَنْ شَرَطَهُ قَالَهُ مَسْرُوقٌ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، وَقِيلَ : يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَبِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ وَقَعَ نَفْسُ الْعَقْدِ وَجَبَ لِلْمَرْأَةِ مَهْرُ مِثْلِهَا ، وَإِنْ وَقَعَ خَارِجًا عَنْهُ لَمْ يَجِبْ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ وَقَعَ فِي حَالِ الْعَقْدِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَهْرِ ، أَوْ خَارِجًا عَنْهُ فَهُوَ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ ، وَجَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حَيَاءٍ أَوْ عِدَّةٍ قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهَا ، فَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ ، وَأَحَقُّ مَا أَكْرَمَ بِهِ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُمَرُ قَالَ : إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ ، وَشَرَطَ أَنْ لَا يُخْرِجَهَا لَزِمَ ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، كَذَا قَالَ ، وَالنَّقْلُ فِي هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ غَرِيبٌ ، بَلِ الْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تُنَافِي مُقْتَضَى النِّكَاحِ بَلْ تَكُونُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ وَمَقَاصِدِهِ كَاشْتِرَاطِهِ الْعِشْرَةَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالْإِنْفَاقَ ، وَالْكِسْوَةَ ، وَالسُّكْنَى وَأَنْ لَا يُقَصِّرَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَقِّهَا مِنْ قِسْمَةٍ وَنَحْوِهَا ، وَكَشَرْطِهِ عَلَيْهَا أَلَّا تَخْرُجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَا تَمْنَعُهُ نَفْسَهَا ، وَلَا تَتَصَرَّفُ فِي مَتَاعِهِ إِلَّا بِرِضَاهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَأَمَّا شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى النِّكَاحِ ، كَأَنْ لَا يَقْسِمَ لَهَا ، أَوْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا ، أَوْ لَا يُنْفِقَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ بَلْ إِنْ وَقَعَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَفَى ، وَصَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَفِي وَجْهٍ يَجِبُ الْمُسَمَّى وَلَا أَثَرَ لِلشَّرْطِ ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ يَبْطُلُ النِّكَاحُ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ : يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ مُطْلَقًا . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ حَمْلَ الْحَدِيثَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي هِيَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ النِّكَاحِ قَالَ : تِلْكَ الْأُمُورُ لَا تُؤَثِّرُ الشُّرُوطُ فِي إِيجَابِهَا ، فَلَا تَشْتَدُّ الْحَاجَةُ إِلَى تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِاشْتِرَاطِهَا ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ : أَحَقُّ الشُّرُوطِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الشُّرُوطِ يَقْتَضِي الْوَفَاءَ بِهَا وَبَعْضُهَا أَشَدُّ اقْتِضَاءً ، وَالشُّرُوطُ هِيَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُسْتَوِيَةٌ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَا . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَقَالَ عَلِيٌّ : سَبَقَ شَرْطُ اللَّهِ شَرْطَهَا ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ الشُّرُوطُ الْجَائِزَةُ لَا الْمَنْهِيُّ عَنْهَا اهــ . وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ عُمَرَ ، فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ : أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَشَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا ، فَارْتَفَعُوا إِلَى عُمَرَ فَوَضَعَ الشَّرْطَ ، وَقَالَ : الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : تَضَادَّتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا ، وَقَدْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ طَاوُسٌ ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْجُمْهُورُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ حَتَّى لَوْ كَانَ صَدَاقُ مِثْلِهَا مِائَةً مَثَلًا فَرَضِيَتْ بِخَمْسِينَ عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا فَلَهُ إِخْرَاجُهَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا الْمُسَمَّى ، وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ : لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا نَقَصَتْهُ لَهُ مِنَ الصَّدَاقِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَعَنْهُ يَصِحُّ وَتَسْتَحِقُّ الْكُلَّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَالَّذِي نَأْخُذُ بِهِ أَنَّا نَأْمُرُهُ بِالْوَفَاءِ بِشَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ . قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَوِ اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا لَمْ يَجِبِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَمِمَّا يُقَوِّي حَمْلَ حَدِيثِ عُقْبَةَ عَلَى النَّدْبِ مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةِ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ : كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَالْوَطْءُ وَالْإِسْكَانُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ إِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ إِسْقَاطَ شَيْءٍ مِنْهَا كَانَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَبْطُلُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَدِيثِ : الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا ، وَحَدِيثُ : الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شَرْطِهِمْ مَا وَافَقَ الْحَقَّ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ أُمَّ مُبَشِّرٍ بِنْتَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَقَالَتْ : إِنِّي شَرَطْتُ لِزَوْجِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ بَعْدَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَقَدُّمَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَفِي انْتِزَاعِهِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ غُمُوضٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ · ص 124 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الشروط في النكاح · ص 140 ( باب الشروط في النكاح ) أي هذا باب في بيان الشروط التي تشترط في عقد النكاح ، وهي على أنواع منها ما يجب الوفاء به كحسن الشعرة ، ومنها ما لا يلزم كسؤال طلاق أختها ، ومنها هو مختلف فيه مثل أن لا يتزوج عليها . وقال عمر : مقاطع الحقوق عند الشروط . هذا التعليق قد مر في كتاب الشروط في باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح ، وفيه زيادة وهي قوله : ولك ما شرطت ، وأخرج هذا التعليق أبو عبيد عن ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبد الله عن عبد الرحمن بن غنم قال : شهدت عمر رضي الله تعالى عنه قضى في رجل شرط لامرأته دارها فقال : لها شرطها ، فقال رجل : إذا يطلقها ، فقال : إن مقاطع الحقوق عند الشروط . والمقاطع جمع مقطع أراد أن المواضع التي تقطع الحقوق فيها عند وجود الشروط وأراد به الشروط الواجبة ، فإنها يجب الوفاء بها . واختلف العلماء في الرجل يتزوج المرأة ويشترط لها أن لا يخرجها من دارها أو لا يتزوج عليها أو لا يتسرى أو نحو ذلك من الشروط المباحة على قولين : أحدهما : أنه يلزمه الوفاء بذلك ذكر عبد الرزاق وابن عبد المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن رجلا شرط لزوجته أن لا يخرجها فقال عمر لها شرطها ثم ذكرا عنه ما ذكره البخاري ، وقال عمرو بن العاص : أرى أن يفي لها شرطها ، وروي مثلها عن طاوس وجابر بن زيد وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق وحكاه ابن التين عن ابن مسعود والزهري واستحسنه بعض المتأخرين ، والثاني : : أن يؤمر الزوج بتقوى الله والوفاء بالشروط ولا يحكم عليه بذلك حكما فإن أبى إلا الخروج لها كان أحق الناس بأهله ، إليه ذهب عطاء والشعبي وسعيد بن المسيب والنخعي والحسن وابن سيرين وربيعة وأبو الزناد وقتادة ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والليث والثوري والشافعي ، وقال عطاء : إذا شرطت أنك لا تنكح ولا تتسرى ولا تذهب ولا تخرج بها بطل الشرط إذا نكحها ، فإن قلت : روى ابن وهب عن الليث عن عمرو بن الحارث عن كثير بن فرقد عن ابن السباق أن رجلا تزوج امرأة على عهد عمر رضي الله تعالى عنه فشرط لها أن لا يخرجها من دارها فوضع عنه عمر بن الخطاب الشرط وقال : المرأة مع زوجها . زاد أبو عبيد : ولم يلزمها الشرط ، وعن علي مثله وقال : شرط الله قبل شروطهم ، قلت : قال أبو عبيد : تضادت الرواية عن عمر رضي الله تعالى عنه واختلف فيه التابعون فمن بعدهم فقال الأوزاعي : نأخذ بالقول الأول ونرى أن لها شرطها ، وقال الليث : بالقول الآخر ، ووافقه مالك وسفيان بن سعيد .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الشروط في النكاح · ص 140 وقال المسور بن مخرمة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صهرا له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن ، قال : حدثني فصدقني ووعدني فوقاني . مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم أثنى على صهره لأجل وفائه بما شرط له . والمسور بكسر الميم وسكون السين المهملة ابن مخرمة بفتح الميمين وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء ابن نوفل القرشي الزهري أبو عبد الرحمن ، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين ، وقدم به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان ، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم وعمره ثمان سنين ، وسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ عنه وبقي في المدينة إلى أن قتل عثمان رضي الله تعالى عنه ، ثم انحدر إلى مكة فلم يزل بها حتى قدم الحصين بن نمير مكة لقتال ابن الزبير وحاصر مكة ، وفي محاصرته أهل مكة أصابه حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي في الحجر فقتله وذلك في ربيع الأول سنة أربع وستين وصلى عليه ابن الزبير بالحجون . ومر هذا التعليق في المناقب في باب ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو العاص بن الربيع ، وأخرجه هناك مطولا عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري ومر الكلام فيه . قوله : ( ذكر صهرا له ) هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى القرشي العبشمي صهر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، زوج ابنته زينب أكبر بناته ، واختلف في اسمه ، فقيل : لقيط ، وقيل : مهشم ، وقيل : هشيم ، والأكثر : لقيط ، وأمه هالة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة لأبيها وأمها ، وكان أبو العاص فيمن شهد بدرا مع كفار قريش وأسر يوم بدر مع من أسر فلما بعث أهل مكة في فداء أساراهم قدم في فدائه أخوه عمرو بن الربيع بمال دفعته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصته مشهورة ، وكان مؤاخيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مصافيا ، وكان أبى أن يطلق زينب إذ مشى إليه مشركو قريش في ذلك فشكر رسول الله صلى الله عليه وسلم مصاهرته وأثنى عليه بذلك خيرا وهاجرت زينب مسلمة وتركته على شركه ثم بعد ذلك جرى عليه ما جرى حتى أسلم بعد قدومه على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ورد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ابنته إليه ، واختلف هل ردها بعقد جديد أو على عقده الأول ، وتوفي في ذي الحجة سنة اثني عشرة . قوله : ( فأحسن ) أي في الثناء عليه ، قوله : ( فصدقني ) من صدق الحديث بتخفيف الدال ويقال أيضا صدق في الحديث من الصدق خلاف الكذب وصدقني بتشديد الدال الذي يصدقك في حديثك ، قوله : ( فوفاني ) من وفى الشيء وأوفى ووفى بالتشديد بمعنى ، ووفي الشيء إذا تم ، وأصل الوفاء التمام ، ويروى فوفى لي .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الشروط في النكاح · ص 141 83 - حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك ، حدثنا ليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج . مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه وهو وقوع الشرط في النكاح . وليث هو الليث بن سعد وفي أكثر النسخ الليث بالألف واللام ، ويزيد بن أبي حبيب أبي رجاء المصري واسم أبي حبيب سويد ، وأبو الخير مرثد عبد الله اليزني ، وعقبة بن عامر الجهني . والحديث مضى في كتاب الشروط في باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن الليث إلى آخره ، ومر الكلام فيه . قوله : ( أحق ما أوفيتم من الشروط ) أحق مبتدأ مضاف وخبره قوله : أن توفوا ، وأن مصدرية أي بأن توفوا أي بإيفاء ما استحللتم أي بالشرط ، قوله : ( الفروج ) بالنصب مفعول استحللتم وفي رواية مسلم : إن أحق الشروط أن يوفى به ، وحاصل المعنى أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح ؛ لأن أمره أحوط وبابه أضيق ، وفي التوضيح معنى أحق الشروط إلى آخره يحتمل أن يكون معناه المشهور الذي أجمع أهل العلم عليه على أن على الزوج الوفاء بها يحتمل أن يكون ما شرط على الناكح في عقد النكاح مما أمر الله تعالى به من إمساكه بمعروف أو تسريح بإحسان ، فإذا احتمل الحديث معاني كان ما وافق الكتاب والسنة أولى ، وقد أبطل الشارع كل شرط ليس في كتاب الله ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله قوله : أحق الشروط ، هل المراد به أحق الحقوق اللازمة أو هو من باب الأولويه . قال صاحب الإكمال : أحق هنا بمعنى أولى لا بمعنى الإلزام عند كافة العلماء ، قال : وحمله بعضهم على الوجوب ، وقال ابن بطال : فإن كان في هذه الشروط ما ليس بطلاق أو عتق وجب ذلك عليه ولزمه عند مالك والكوفيين وعند كل من يرى الطلاق قبل النكاح بشرط الطلاق لازما وكذلك العتق ، وهو قول عطاء والنخعي والجمهور . قال النخعي : كل شرط في النكاح فالنكاح يهدمه إلا الطلاق ولا يلزمه شيء من هذه الأيمان عند الشافعي لأنه لا يرى الطلاق قبل النكاح لازما ولا العتق قبل الملك واستدل به بعضهم على أنه إذا شرط الولي لنفسه شيئا غير الصداق أنه يجب على الزوج القيام به لأنه من الشروط التي استحل به فرج المنكوحة . لكن اختلف العلماء هل يكون ذلك للولي أو للمرأة ، فذهب عطاء وطاوس والزهري إلى أنه للمرأة وبه قضى عمر بن عبد العزيز وهو قول الثوري وأبي عبيد ، وذهب علي بن الحسن ومسروق إلى أنه للولي ، وقال عكرمة : إن كان الذي هو ينكح فهو له وخص بعضهم ذلك بالأب حكاه صاحب المفهم فقال : وقيل هذا مقصور على الأب خاصة لتبسطه في مال الولد وذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير إلى التفرقة بين أن يشترط ذلك قبل عقدة النكاح أو بعدها فقالا : أيما امرأة أنكحت على صداق أو عدة لأهلها فإن كان قبل عصمة النكاح فهو لها وما كان من حباء أهلها فهو لهم ، وقال مالك : إن كان هذا الاشتراط في حال العقد فهو للمرأة وإن كان بعده فهو لمن وهب له ، وبه قال الشافعي في القديم ، ونص عليه في الإملاء . وقال في كتاب الصداق : الصداق فاسد ولها مهر مثلها وهذا الذي صححه أصحاب الشافعي . وقال الرافعي : الظاهر من الخلاف القول بالفساد ووجوب مهر المثل ، وقال النووي : إنه المذهب .