80 - بَاب الْخَوْخَةِ وَالْمَمَرِّ فِي الْمَسْجِدِ 466 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ ، إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْدَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا ، قَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ ، إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْخَوْخَةِ وَالْمَمَرِّ فِي الْمَسْجِدِ ) الْخَوْخَةُ : بَابٌ صَغِيرٌ قَدْ يَكُونُ بِمِصْرَاعٍ وَقَدْ لَا يَكُونُ ، وَإِنَّمَا أَصْلُهَا فَتْحٌ فِي حَائِطٍ ، قَالَهُ ابْنُ قُرْقُولٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَسَقَطَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ ذِكْرُ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، فَصَارَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، لَكِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِنَانٍ إِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ كَالَّذِي وَقَعَ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ السَّكَنِ ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، يَعْنِي : بِوَاوِ الْعَطْفِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَبُو النَّضْرِ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ كَذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ فُلَيْحٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عُبَيْدٍ ، وَبُسْرٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَتَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٌ ، عَنْ فُلَيْحٍ أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، عَنْ فُلَيْحٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ بُسْرٍ وَحْدَهُ ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَأَنَّ فُلَيْحًا كَانَ يَجْمَعُهُمَا مَرَّةً وَيَقْتَصِرُ مَرَّةً عَلَى أَحَدِهِمَا . وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عُبَيْدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي الْهِجْرَةِ ، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ أَبِي النَّضْرِ عَنْ شَيْخَيْنِ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِنَانٍ أَخْطَأَ فِي حَذْفِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ مِنْ فُلَيْحٍ حَالَ تَحْدِيثِهِ لَهُ بِهِ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ أَنَّ الْمُعَافِيَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْحَرَّانِيَّ رَوَاهُ عَنْ فُلَيْحٍ كَرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ ، وَقَدْ نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ حَذْفَ الْوَاوِ خَطَأٌ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عَبِيدٍ ، عَنْ بُسْرٍ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ . قَوْلُهُ : ( إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ : إِنْ يَكُنْ لِلَّهِ عَبْدٌ خَيْرٌ ، وَالْهَمْزَةُ فِي إِنْ مَكْسُورَةٌ عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ ، وَجَوَّزَ ابْنُ التِّينِ فَتْحَهَا عَلَى أَنَّهَا تَعْلِيلِيَّةٌ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ أَكْثَرُهُمْ جُودًا لَنَا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي هُوَ الِاعْتِدَادُ بِالصَّنِيعَةِ ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي قَبُولِ ذَلِكَ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هُوَ مِنَ الِامْتِنَانِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ مَا لَوْ كَانَ لِغَيْرِهِ نَظِيرُهَا لَامْتَنَّ بِهَا ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَيْسَ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْأَصِيلِيِّ : وَلَكِنْ خُوَّةُ الْإِسْلَامِ بِحَذْفِ الْأَلِفِ ، كَأَنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى النُّونِ وَحَذَفَ الْهَمْزَةَ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ ضَمُّ نُونِ لَكِنْ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ ، وَخَبَرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَحْذُوفٌ ، وَالتَّقْدِيرُ أَفْضَلُ ، كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي بَعْدَهُ : وَلَكِنْ فِيهِ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَيَأْتِي مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِشْكَالِ وَبَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَبَيَّنَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَذَلِكَ لِمَّا أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، فَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى خَوْخَتَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِشَارَاتِ إِلَى اسْتِخْلَافِهِ كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْخَوْخَةِ وَالْمَمَرِّ فِي الْمَسْجِدِ · ص 665 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الخوخة والممر في المسجد · ص 547 80 - باب الخوخة والممر في المسجد 466 - حدثنا محمد بن سنان : ثنا فليح : ثنا أبو النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن الله خير عبدا بَيْن الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله ، فبكى أبو بكر ، فقلت في نفسي : ما يبكي هذا الشيخ ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله عز وجل ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد ، وكان أبو بكر أعلمنا ، فقال : يا أبا بكر ، لا تبك ، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سد ، إلا باب أبي بكر . 467 - حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي : ثنا وهب بن جرير : ثنا أبي ، قال : سمعت يعلى بن حكيم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة ، فقعد على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن خلة الإسلام أفضل ، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر رضي الله عنه حديث أبي سعيد ، قد رواه - أيضا - مالك ، عن أبي النضر . وخرجه البخاري من طريقه في موضع آخر ، وخرجه مسلم من طريق مالك وفليح - أيضا . وإنما خرج لفليح متابعة ، ولم يخرج حديث ابن عباس ؛ فإنه لا يخرج لعكرمة إلا متابعة - أيضا - وحديث ابن عباس إنما يرويه عنه عكرمة . وقد روى بعضه أيوب ، عن عكرمة ، وخرجه البخاري في موضع آخر . هذه الخطبة التي خطبها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم كانت آخر خطبة خطبها على المنبر ، فعرض فيها باختياره لقاء الله على المقام في الدنيا ، وأخبر أنه أعطى مفاتيح خزائن الدنيا ، وخير بين أن يبقى فيها ما شاء الله وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه ، ولكنه لم يصرح بتخييره ، واختاره في نفسه وإنما قال : إن عبدا خير ، فلم يتفطن لذلك أحد غير أبي بكر الصديق ، وكان أبو بَكْر أعلمهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأفهمهم عنه ، وهذا من الفهم في العلم الذي يخص الله به من يشاء من عباده . وذكر في هذه الخطبة تخصيص أبي بكر من بين الصحابة كلهم بالفضل ، وأومأ إلى خلافته بفتح بابه إلى المسجد ، وسد أبواب الناس كلهم ، ففي ذلك إشارة إلى أنه هو القائم بالإمامة بعده ، فإن الإمام يحتاج إلى استطراق المسجد ، وذلك من مصالح المصلين فيه . وفي هذه الخطبة وصى بالأنصار ، وأمر من يلي الأمر بالإحسان إليهم ، وفيه إشارة إلى أنه ليس لهم من الأمر شيء ، كما ظنه من قال منهم للمهاجرين : منا أمير ومنكم أمير . وفي هذه الخطبة أخبر عن نفسه صلى الله عليه وسلم أنه فرط لهم على الحوض - يعني : أنه سابق لهم إلى الحوض - وهو ينتظرهم عنده ، فهو الموعد بينه وبينهم ، وحذر من الاغترار بزهرة الدنيا ، والركون إليها ؛ فإنه كان قد أعطي خزائنها فاختار لقاء ربه قبل ذلك ، وفتحت بعده على أمته . وهذا كله ثابت عنه صلى الله عليه وسلم ، وقد خرج البخاري في كتابه هذا ، فبعضه من حديث أبي سعيد ، وبعضه من حديث عقبة بن عامر ، وبعضه من حديث ابن عباس ، وبعضه من حديث أنس . وروي - أيضا - أنه صلى الله عليه وسلم وصى في تلك الخطبة بتنفيذ جيش أسامة ، وذكر فضله ، ووصى به خيرا . ونحن نذكر هذه الأحاديث هاهنا . فأما حديث أبي سعيد : فقد خرجه البخاري هاهنا ، وفي غير موضع ، وخرجه مسلم - أيضا . وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من رواية أنيس بن أبي يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه ، وهو معصوب الرأس ، فاتبعته حتى قام على المنبر ، فقال : إني الساعة قائم على الحوض ، ثم قال : إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة . قال : فلم يفطن لها أحد من القوم إلا أبو بكر ، فقال : بأبي وأمي ، بل نفديك بأموالنا وأنفسنا . قال : ثم هبط من المنبر ، فما رئي عليه حتى الساعة . وأما حديث عقبة بن عامر : فخرجه البخاري في غزوة أحد من رواية أبي الخير ، عن عقبة ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ، ثم طلع المنبر ، فقال : إني بين أيديكم فرط ، وأنا شهيد عليكم ، وإن موعدكم الحوض ، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا ، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها . قال : فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وخرجه مسلم - أيضا - وعنده : قال عقبة : فكانت آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر . وتوديعه للأحياء والأموات : هو أنه صلى على الموتى واستغفر لهم وهنأهم بما هم فيه من سبقهم للفتن . وتوديعه للأحياء : هو نصيحتهم وتحذيرهم من الاغترار بالدنيا ، وإيماؤه إلى أنه منتقل عنهم إلى الآخرة ، وأنه سابق لهم إلى الحوض ، فهو موعدهم . وقد كان صلى الله عليه وسلم أتى أهل البقيع بالليل فاستغفر لهم ، ثم ذهب إلى شهداء أحد بالنهار فاستغفر لهم ، ثم رجع فخطب هذه الخطبة ، وودع الأحياء . ففي المسند عن أبي مويهبة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة إلى البقيع فاستغفر لأهل البقيع ، وقال : ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع بعضها بعضا ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى ، ثم قال : يا أبا مويهبة ، إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ، فاخترت لقاء ربي والجنة . ثم انصرف ، فابتدأه وجعه الذي قبضه الله فيه . وذكر ابن سعد بإسناده عن زيد بن أسلم ، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، كل مرة يقال له : صل على أهل البقيع ، فيفعل ذلك ، وقال : اللهم اغفر لأهل البقيع ، ثم أمر أن يأتي الشهداء ، فذهب إلى أحد ، فصلى على قتلى أحد ، فرجع معصوب الرأس ، فكان بدء الوجع الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم . وأما حديث ابن عباس : فقد خرجه البخاري هاهنا . وخرج في المناقب - أيضا - من حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وعليه ملحفة متعطفا بها ، وعليه عصابة برد دسماء حتى جلس على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أما بعد ، أيها الناس ، فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام ، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم . وخرجه ابن سعد في طبقاته ، وزاد فيه : وكان آخر مجلس جلسه حتى قبض صلى الله عليه وسلم . وأما حديث أنس : فخرجه البخاري في المناقب من حديث هشام بن زيد ، عن أنس ، قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم قد عصب على رأسه حاشية برد فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أوصيكم بالأنصار ؛ فإنهم كرشي وعيبتي ، وقد قضوا الذي عليهم ، وبقي الذي لهم ، فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم . وأما أمره صلى الله عليه وسلم بتجهيز جيش أسامة : فقد خرجه ابن سعد بإسناد فيه ضعف عن عروة - مرسلا - قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أسامة وأمره أن يوطئ الخيل نحو البلقاء حيث قتل أبوه وجعفر ، فجعل أسامة وأصحابه يتجهزون ، وقد عسكر بالجرف ، فاشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ذلك ، ثم وجد من نفسه راحة ، فخرج عاصبا رأسه ، فقال : أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة - ثلاث مرات - ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم فاستعز به ، فتوفي صلى الله عليه وسلم . وقد خرجا في الصحيحين من حديث ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على أسامة ووصى به ، وقال : إنه لخليق بالإمارة . وقوله صلى الله عليه وسلم : إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر . قال الخطابي : معنى قوله : أمن ، أي : أبذل لنفسه وأعطى لماله ، والمن : العطاء من غير استثابة ، ومنه قوله تعالى : هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ وقوله : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ أي : لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت ، ولم يرد به المنة ؛ فإنها تفسد الصنيعة ، ولا منة لأحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل له المنة على جميع الأمة . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا يدل على أن مقام الخلة أفضل من مقام المحبة ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أبا بكر وقد نفى عنه الخلة ، والله تعالى يحب أنبياءه ورسله كلهم ، ولم يخص بالخلة غير محمد وإبراهيم صلى الله عليهما . وفي صحيح مسلم ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ألا إني أبرأ إلى كل خل من خلته ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، وإن صاحبكم خليل الله . وفي رواية له - أيضا - : لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكنه أخي وصاحبي ، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا . وخرج مسلم - أيضا - من حديث جندب بن عبد الله : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بخمس يقول : قد كان لي منكم أخلاء وأصدقاء ، وإني أبرأ إلى كل ذي خلة من خلته ، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا . والظاهر : أن جندبا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في خطبته هذه ، فإن كان كذلك فلعل خطبته صلى الله عليه وسلم كانت يوم الأربعاء ؛ فإنه توفي يوم الاثنين ، واشتد وجعه يوم الخميس ، كما قال ذلك ابن عباس ، فالظاهر أنه لم يخرج فيه إلى الناس ، أو لعله أعاد هذا القول في بيته فسمعه جندب ، وهذا أظهر - والله أعلم - ؛ فإن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم هذه كانت في ابتداء مرضه ، وكانت مدة مرضه فوق عشرة أيام . والله أعلم . وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى سبب براءته من خلة المخلوقين ، وهو أن الله اتخذه خليلا لنفسه كما اتخذ إبراهيم خليلا ، ومن كان خليلا لله فلا يصلح له أن يخالل بشرا . ومن هنا قيل : إن إبراهيم عليه السلام إنما أمر بذبح ولده إسماعيل لتفريغ قلبه من محبته وشدة تعلقه به ، حيث وهب له على الكبر ، فلما بادر إلى اضطجاعه وإخراجه من قلبه امتثالا لأمر الله وطاعته أسقط عنه ذبحه بعد ذلك ؛ لأنه لم يكن المقصود إراقة دمه ، بل تفريغ محل الخلة منه ، حتى لا تزاحم خلة الواحد الأحد محبة الولد . والخلة : هي المحبة المبالغة المخللة لمسالك الروح من القلب والجسد ، كما قيل . قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وِبِهَذَا سُمِّي الخَليلُ خَلِيلا وهذا لا يصح لغير الله ، وإنما يصلح للمخلوق المحبة ، وهي درجة دون الخلة ، فلهذا اقتصر صلى الله عليه وسلم في حق الصديق على الأخوة والمودة ، وهي أخوة الإسلام المشار إليها في حديث ابن عباس الذي خرجه هاهنا . وقد خرجه في المناقب من حديث أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وفيه : ولكن أخوة الإسلام أفضل . ولعل هذه الرواية أصح ، وأيوب يقدم على يعلى بن حكيم في الحفظ والضبط . وكان أبو بكر مقدما على سائر الرجال في المحبة من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا لما سأله عمرو بن العاص عن أحب الناس إليه ؟ قال : عائشة قال : فمن الرجال ؟ قال : أبوها . وقال عمر لأبي بكر يوم السقيفة : أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقوله : سدوا عني كل باب في المسجد ، إلا باب أبي بكر ، وفي حديث ابن عباس : كل خوخة . قال الخطابي : الخوخة : بُويب صغير . قال : وفي أمره صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد غير بابه اختصاص شديد له ، وأنه أفرده بأمر لا يشاركه فيه أحد ، وأول ما يصرف التأويل فيه الخلافة ، وقد أكد الدلالة عليها بأمره إياه بإمامة الصلاة التي لها بني المسجد ، ولأجلها يدخل إليه من أبوابه . قال : ولا أعلم دليلا في إثبات القياس والرد على نفاته أقوى من إجماع الصحابة رضي الله عنهم على استخلاف أبي بكر ؛ مستدلين في ذلك باستخلاف النبي صلى الله عليه وسلم إياه في أعظم أمور الدين وهو الصلاة ، وإقامته إياه فيها مقام نفسه ، فقاسوا عليها سائر أمور الدين . انتهى . وأشار بإجماع الصحابة في ذلك إلى ما روى ابن مسعود ، قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير . قال : فأتاهم عمر ، فقال : يا معاشر الأنصار ، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر يؤم الناس ؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالت الأنصار : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر . خرجه الإمام أحمد ، وعلي ابن المديني ، وقال : هو صحيح ، والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد . وقد روي هذا المعنى عن طائفة من الصحابة ، منهم : علي والزبير وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين . وقد دل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد على منع إحداث الاستطراق إلى المساجد من البيوت ؛ فإن ذلك نفع يختص به صاحب الاستطراق ، فلا يجوز في المساجد كما لا يجوز الاستطراق إلى أملاك الناس بغير إذنهم . وهذا بخلاف وضع الخشب على جدار المسجد ، فإن فيه عن الإمام أحمد روايتين ؛ لأن هذا النفع يجوز عنده في ملك الجار بغير إذنه ، بخلاف الاستطراق إلى ملك الجار ، فإنه غير جائز . واستثنى من ذلك الإمام ومن يتبعه ؛ فإن استطراقه إلى المسجد فيه نفع يعود بمصلحة المصلين عموما ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم في حياته يستطرق إلى المسجد هو وآل بيته تبعا له ، ولهذا روي أنه أمر بسد الأبواب غير باب علي ، كما خرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من وجوه . فلما انقضت مدته صلى الله عليه وسلم من الدنيا سد الأبواب كلها إلى المسجد غير باب أبي بكر ؛ لأنه الإمام بعده ، واستطراقه إلى المسجد من بيته فيه نفع عام يعود على المصلين كلهم . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الخوخة والممر في المسجد · ص 242 ( باب الخوخة والممر في المسجد ) أي هذا باب يذكر فيه أمر الخوخة الكائنة في المسجد، وأمر الممر فيه، وهو بفتح الميمين، وتشديد الراء موضع المرور والظاهر أن مراد البخاري من وضع هذه الترجمة الإشارة إلى جواز اتخاذ الخوخة، والممر في المسجد لأن حديث الباب يدل على ذلك . 125 - ( حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا فليح قال : حدثنا أبو النضر عن عبيد بن حنين عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله ، فبكى أبو بكر رضي الله عنه ، فقلت في نفسي : ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا ، قال : يا أبا بكر لا تبك إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر ) . مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الخوخة هي الباب الصغير، وقد تكون بمصراع واحد، وبمصراعين، وأصلها فتح في الحائط ؛ قال الجوهري : هي كوة في الجدار تؤدي الضوء ، فإن قلت : الترجمة شيئان أحدهما الخوخة، والآخر الممر فمطابقته للخوخة ظاهرة، وليس فيه ذكر الممر . قلت : الممر من لوازم الخوخة فذكرها يغني عن ذكره . ( ذكر رجاله )، وهم ستة : الأول : محمد بن سنان بكسر السين المهملة بعدها النون، وقد تقدم . الثاني : فليح بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره حاء مهملة ابن سليمان، وكان اسمه عبد الملك، ولقبه فليح فغلب على اسمه، واشتهر به . الثالث : أبو النضر بفتح النون وسكون الصاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أمية . الرابع : عبيد بضم العين مصغر العبد ضد الحر ابن حنين بضم الحاء المهملة وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره نون أيضا أبو عبد الله المدني . الخامس : بسر بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة، وفي آخره راء ابن سعيد بفتح السين . السادس : أبو سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في ثلاثة مواضع، وفيه عن عبيد بن حنين، وفيه عن بسر بن سعيد هكذا في أكثر الروايات، وسقط في رواية الأصيلي عن أبي زيد ذكر بسر بن سعيد فصار عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد، وقال الكرماني : وقع في بعض النسخ أبو النضر عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد، وفي بعضها أبو النضر عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد، وفي بعضها أبو النضر عن عبيد، وعن بسر عن أبي سعيد بالجمع بينهما بواو العطف، وفي بعضها أبو النضر عن عبيد عن بسر عن أبي سعيد بدون الواو بينهما . قلت : قال ابن السكن عن الفربري قال : محمد بن إسماعيل هكذا رواه محمد بن سليمان عن فليح عن أبي النضر عن عبيد عن بسر عن أبي سعيد، وهو خطأ، وإنما هو عن عبيد بن حنين، وعن بسر بن سعيد يعني بواو العطف . وكذا أخرجه مسلم عن سعيد بن منصور عن فليح عن أبي النضر عن عبيد، وبسر بن سعيد جميعا عن أبي سعيد، ورواه عن فليح كرواية سعيد بن يونس بن محمد عن ابن أبي شيبة، ورواية أبي زيد المروزي في ( صحيح البخاري ) حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح حدثنا أبو النضر عن عبيد عن ابن سعيد، ورواه البخاري في فضل أبي بكر عن عبيد الله بن محمد عن ابن عامر حدثنا فليح ، حدثنا سالم عن بسر عن سعيد عن أبي سعيد، وفي هجرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن إسماعيل بن عبد الله حدثني مالك عن أبي النضر عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد بلفظ : " أن يؤتيه الله من زهرة الدنيا ما شاء "، وفيه : " فبكى أبو بكر، وقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا "، وكذا رواه مالك عن عبد الله بن مسلمة، وابن وهب، ومعن، ومطرف، وإبراهيم بن طهمان، ومحمد بن الحسن، وعبد العزيز بن يحيى ؛ قال الدارقطني : ولم أره في ( الموطأ ) إلا في ( كتاب الجامع ) للقعنبي، ولم يذكر في ( الموطأ ) غيره، ومن تابعه فإنما رواه في غير ( الموطأ )، والله تعالى أعلم . قلت : وكان هذا الاختلاف إنما أتى من فليح لأن الحديث حديثه، وعليه يدور، وهو عند بعضهم هو لين الرواية، وحاصل الرواية أن فليحا كان يروي تارة عن عبيد، وعن بسر كليهما، وتارة يقتصر على أحدهما، وأخطأ من محمد بن سنان حيث حذف الواو العاطفة فافهم . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في فضل أبي بكر رضي الله تعالى عنه عن عبد الله بن محمد، وأخرجه مسلم في الفضائل . ( ذكر معناه وإعرابه ) ؛ قوله ( عنده ) أي عند الله، وهو الآخرة ؛ قوله ( ما يبكي هذا الشيخ ) من الإبكاء، وكلمة ما استفهامية ؛ قوله ( إن يكن الله خير ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني : " إن يكن لله عبد خير " ، فإعراب الأولى هو أن "إن" بالكسر شرط، ويكن فعل الشرط، وهو مجزوم، ولكنه لما اتصل بلفظ الله كسر لأن الأصل في الساكن إذا حرك حرك بالكسر ؛ قال الكرماني : الجزاء محذوف يدل عليه السياق . قلت : لا حاجة إلى هذا بل الجزاء قوله ( فاختار ما عند الله ) ؛ قوله ( خير ) على صيغة المعلوم من التخيير، وعبدا مفعوله، والضمير في فاختار يرجع إلى العبد، وما عند الله في محل النصب مفعوله، وإعراب الرواية الثانية هو أن إن أيضا كلمة شرط، ويكن مجزوم به، وقوله ( عبد ) مبتدأ، وخبره هو قوله ( لله ) مقدما، وقوله ( خير ) على صيغة المجهول في محل الرفع لأنه صفة لعبد، والجزاء هو قوله ( فاختار ) ، وقال السفاقسي : ويصح أن تكون الهمزة يعني همزة أن مفتوحة بأن يكون منصوبا بأن فيكون المعنى ما يبكيه لأجل أن يكون الله خير عبدا، وقال بعضهم : وجوز ابن التين فتحها يعني فتح أن على أنها تعليلية، وفيه نظر . قلت : في نظره نظر لأن التعليل هنا لأجل فراقه صلى الله عليه وسلم لا على كونه خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده ؛ قوله ( هو العبد ) أي المخير ؛ قوله ( وكان أبو بكر أعلمنا ) حيث فهم أنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وإنما قال عليه السلام : " عبدا " على سبيل الإبهام ليظهر فهم أهل المعرفة ونباهة أصحاب الحذق، وكان ذلك في مرض موته كما يجيء في حديث ابن عباس بعده إن شاء الله تعالى، ولما كان أبو بكر أعلم الصحابة إذ لم ينكر أحد منهم ممن حضر حين قال أبو سعيد : وكان أبو بكر أعلمنا ، اختصه الشارع بالخصوصية العظمى، وقال : ( إن أمن الناس علي ) إلى آخره فظهر أن للصديق من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه في ذلك مخلوق ؛ قال العلماء في معنى هذا الكلام منهم الخطابي : أي أكثرهم جودا وسماحة لنا بنفسه وماله، وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة لأنه مبطل للثواب لأن المنة لله ولرسوله في قبول ذلك . قال الخطابي : والمن في كلام العرب الإحسان إلى من يكافئه ، قال تعالى : هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ وقال : وَلا تَمْنُنْ أي لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر ما أعطيت، وقال القرطبي : وزن أمن أفعل من المنة أي الامتنان أي أكثر منة، ومعناه أن أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره لامتن بها، وذلك لأنه بادر بالتصديق، ونفقة الأموال وبالملازمة والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأن الله ورسوله لهما المنة في ذلك والفضل ، لكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بجميل أخلاقه وكريم أعراقه اعترف بذلك عملا بشكر المنعم ليس كما قال الأنصار، وفي ( جامع الترمذي ) من حديث أبي هريرة مرفوعا : " ما لأحد عندنا يد إلا كافأناه ما خلا أبا بكر ، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة " . قوله ( ولو كنت متخذا خليلا ) الاتخاذ افتعال من الأخذ، واتخذ يتعدى إلى مفعول واحد، ويتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف الجر فيكون بمعنى اختار واصطفى، وهنا سكت عن أحد مفعوليه، وهو الذي دخل عليه حرف الجر ، فكأنه قال : لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت منهم أبا بكر، والخليل المخال، وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك أو يسايرك في طريقتك من الخل، وهو الطريق في الرمل أو يسد خللك كما تسد خلله أو يداخلك خلال منازلك، وقيل : أصل الخلة الانقطاع ، فخليل الله المنقطع إليه، وقال ابن فورك : الخلة صفاء المودة بتخلل الأسرار، وقيل : الخليل من لا يتسع قلبه لغير خليله، وقال عياض : أصل الخلة الافتقار والانقطاع ، فخليل الله أي المنقطع إليه لقصره حاجته عليه، وقيل : الخلة الاختصاص بأصل الاصطفاء، وسمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام خليل الله لأنه والى فيه وعادى فيه، وقيل : سمي به لأنه تخلل بخلال حسنة وأخلاق كريمة، وخلة الله تعالى له نصره وجعله إماما لمن بعده، وزعم السفاقسي أنه كان اتخذ خليلا من الملائكة، ولهذا قال : ( لو كنت متخذا خليلا من أمتي ) ، انتهى ؛ يرده قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولكن صاحبكم خليل الرحمن ) ، وفي رواية : " لو كنت متخذا خليلا غير ربي " ، ومعنى الحديث أن أبا بكر متأهل لأن يتخذه صلى الله عليه وسلم خليلا لولا المانع المذكور، وهو أنه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى ومحبته، ومراقبته حتى كأنها مزجت أجزاء قلبه بذلك فلم يتسع قلبه لخليل آخر ، فعلى هذا لا يكون الخليل إلا واحدا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلق القلب به فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشة أنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلة التي هي فوق المحبة، وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك فذهب الجمهور إلى أن الخلة أعلى تمسكا بهذا الحديث، وذهب ابن فورك إلى أن المحبة أعلى لأنها صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل من الخليل، وقيل هما سواء فلا يكون الخليل إلا حبيبا، ولا الحبيب إلا خليلا، وزعم الفراء أن معناه فلو كنت أخص أحدا بشيء من العلم دون الناس لخصصت به أبا بكر لأن الخليل من تفرد بخلة من الفضل لا يشاركه له فيها أحد، وقيل معنى الحديث : لو كنت منقطعا إلى غير الله لانقطعت إلى أبي بكر لكن هذا ممتنع لامتناع ذلك ؛ فإن قلت : قال بعض الصحابة سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم. قلت : لا بأس في الانقطاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الانقطاع إليه انقطاع إلى الله تعالى، وفي حكم ذلك . قوله ( ولكن أخوة الإسلام ) كذا هو بالألف في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي: " ولكن خوة الإسلام " بحذف الألف ؛ قال الكرماني : وتوجيهه أن يقال نقلت حركة الهمزة إلى نون لكن، وحذفت الهمزة فعرض بعد ذلك استثقال ضمة من كسرة وضمة ، فسكن النون تخفيفا ، فصار : ولكن خوة ، وسكون النون بعد هذا العمل غير سكونه الأصلي ، ثم نقل عن ابن مالك أن فيه ثلاثة أوجه : سكون النون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النون وحذف الهمزة، وسكونه وحذف الهمزة ، فالأول أصل، والثاني فرع، والثالث فرع فرع ، انتهى . قلت : كل هذا تكلف خارج عن القاعدة، ولكن الوجه أن يقال : إن لكن على حالها ساكنة النون، وحذفت الهمزة من أخوة اعتباطا، ولهذا قال ابن التين : رويناه بغير همزة، ولا أصل لهذا، وكأن الهمزة سقطت هنا، وهي ثابتة في باقي المواضع ثم إن قوله ( أخوة الإسلام ) كلام إضافي مبتدأ، وخبره محذوف تقديره : ولكن أخوة الإسلام أفضل، ونحو ذلك، ويؤيده أن في حديث ابن عباس الذي بعده وقع هكذا . قوله ( ومودته ) أي مودة الإسلام، والفرق بين الخلة والمودة باعتبار المتعلق مع أنهما بمعنى واحد، وهو أنه أثبت المودة لأنها بحسب الإسلام والدين، ونفى الخلة للمعنى الذي ذكرناه، والدليل على أنهما بمعنى واحد هو قوله في الحديث الذي بعده، ولكن خلة الإسلام بدل لفظ المودة، وقد قيل : إن الخلة أخص وأعلى مرتبة من المودة ، فنفى الخاص وأثبت العام ؛ فإن قيل : المراد من السياق أفضلية أبي بكر وكل الصحابة داخلون تحت أخوة الإسلام ، فمن أين لزم أفضليته ؟ وأجيب بأنها تعلم مما قبله ومما بعده . قوله ( لا يبقين ) بالنون المشددة للتوكيد، وقال الكرماني : بلفظ المجهول، ويروى بلفظ المعروف أيضا . قلت : في صيغة المجهول يكون لفظ باب مرفوعا على أنه مفعول ناب عن الفاعل، والتقدير لا يبقي أحد في المسجد بابا إلا باب أبي بكر، وفي صيغة المعلوم يكون باب مرفوعا على أنه فاعل، ولا يقال : كيف نهى الباب عن البقاء وهو غير مكلف ؟ لأنا نقول : إنه كناية ؛ لأن عدم البقاء لازم للنهي عن الإبقاء ، فكأنه قال : لا يبقيه أحد حتى لا يبقى، وذلك كما يقال : لا أرينك ههنا أي لا تقعد عندي حتى لا أراك ؛ قوله ( إلا سد ) الاستثناء مفرغ تقديره لا يبقين باب بوجه من الوجوه إلا بوجه السد إلا باب أبي بكر أو يكون التقدير إلا بابا سد حتى لا يقال الفعل وقع مستثنى ومستثنى منه ، فافهم . ( ذكر ما يستفاد منه من الفوائد ) الأولى : ما قاله الخطابي، وهو أن أمره صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب غير الباب الشارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر يدل على اختصاص شديد لأبي بكر وإكرام له ؛ لأنهما كانا لا يفترقان . الثانية : فيه دلالة على أنه قد أفرده في ذلك بأمر لا يشارك فيه ، فأولى ما يصرف إليه التأويل فيه أمر الخلافة، وقد أكثر الدلالة عليها بأمره إياه بالإمامة في الصلاة التي بنى لها المسجد ؛ قال الخطابي : ولا أعلم أن إثبات القياس أقوى من إجماع الصحابة على استخلاف أبي بكر مستدلين في ذلك باستخلافه صلى الله عليه وسلم إياه في أعظم أمور الدين وهو الصلاة ، فقاسوا عليها سائر الأمور، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج من باب بيته وهو في المسجد للصلاة ، فلما غلق الأبواب إلا باب أبي بكر دل على أنه يخرج منه للصلاة ، فكأنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك على أن من بعده يفعل ذلك هكذا . فإن قلت : روي عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال : " سدوا الأبواب إلا باب علي " . قلت : قال الترمذي : هو غريب، وقال البخاري : حديث إلا باب أبي بكر أصح، وقال الحاكم : تفرد به مسكين بن بكير الحراني عن شعبة، وقال ابن عساكر : وهو وهم، وقال صاحب ( التوضيح ) وتابعه إبراهيم بن المختار . الثالثة : قال ابن بطال : فيه التعريض بالعلم للناس وإن قل فهماؤهم خشية أن يدخل عليهم مساءة أو خزي . الرابعة : فيه أنه لا يستحق أخذ العلم حقيقة إلا من فهم، والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ عالم بالنص لا بالمعنى . الخامسة : فيه دليل على أن أبا بكر أعلم الصحابة . السادسة : فيه الحض على اختيار ما عند الله والزهد في الدنيا، والإعلام بمن اختار ذلك من الصالحين . السابعة : فيه أن على السلطان شكر من أحسن صحبته، ومعونته بنفسه وماله، واختصاصه بالفضيلة التي لم يشارك فيها . الثامنة : فيه ائتلاف النفوس بقوله ( ولكن أخوة الإسلام أفضل ) . التاسعة : فيه أن المساجد تصان عن تطرق الناس إليها من خوخات ونحوها إلا من أبوابها إلا من حاجة مهمة . العاشرة : فيه أن الخليل فوق الصديق والأخ .