12 - بَاب الْخُلْعِ ، وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ ؟ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ - إِلَى قَوْلِهِ - الظَّالِمُونَ وَأَجَازَ عُمَرُ الْخُلْعَ دُونَ السُّلْطَانِ . وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا . وَقَالَ طَاوُسٌ : إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ ، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ : لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ 5273 - حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : لَا يُتَابَعُ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ ( بَابُ الْخُلْعِ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ فِرَاقُ الزَّوْجَةِ عَلَى مَالٍ ، مَأْخُوذٌ مِنْ خَلَعَ الثَّوْبَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لِبَاسُ الرَّجُلِ مَعْنًى ، وَضُمَّ مَصْدَرُهُ تَفْرِقَةً بَيْنَ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ فِي أَمَالِيهِ أَنَّ أَوَّلَ خُلْعٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَنَّ عَامِرَ بْنَ الظَّرِبِ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ - زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنِ ابْنِ أَخِيهِ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الظَّرِبِ ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَفَرَتْ مِنْهُ ، فَشَكَا إِلى أَبِيهَا فَقَالَ : لَا أَجْمَعُ عَلَيْكَ فِرَاقَ أَهْلِكَ وَمَالِكَ ، وَقَدْ خَلَعْتُهَا مِنْكَ بِمَا أَعْطَيْتَهَا ، قَالَ : فَزَعَمَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذَا كَانَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي الْعَرَبِ اهـ . وَأَمَّا أَوَّلُ خُلْعٍ فِي الْإِسْلَامِ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ قَلِيلٍ . وَيُسَمَّى أَيْضًا فِدْيَةً وَافْتِدَاءً . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ إِلَّا بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ التَّابِعِيَّ الْمَشْهُورَ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنِ امْرَأَتِهِ فِي مُقَابِلِ فِرَاقِهَا شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا فَأَوْرَدُوا عَلَيْهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ فَادَّعَى نَسْخَهَا بِآيَةِ النِّسَاءِ . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ ، وَتُعُقِّبَ مَعَ شُذُوذِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي النِّسَاءِ أَيْضًا فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ وَبِقَوْلِهِ فِيهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا الْآيَةَ ، وَبِالْحَدِيثِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَهُ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَأَنَّ آيَةَ النِّسَاءِ مَخْصُوصَةٌ بِآيَةِ الْبَقَرَةِ وَبِآيَتَيِ النِّسَاءِ الْآخِرَتَيْنِ . وَضَابِطُهُ شَرْعًا فِرَاقُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ بِبَذْلٍ قَابِلٍ لِلْعِوَضِ يَحْصُلُ لِجِهَةِ الزَّوْجِ . وَهُوَ مَكْرُوهٌ إِلَّا فِي حَالِ مَخَافَةِ أَنْ لَا يُقِيمَا - أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا - مَا أُمِرَ بِهِ ، وَقَدْ يَنْشَأُ ذَلِكَ عَنْ كَرَاهَةِ الْعِشْرَةِ إِمَّا لِسُوءِ خُلُقٍ أَوْ خَلْقٍ ، وَكَذَا تُرْفَعُ الْكَرَاهَةُ إِذَا احْتَاجَا إِلَيْهِ خَشْيَةَ حِنْثٍ يَئُولُ إِلَى الْبَيْنُونَةِ الْكُبْرَى . قَوْلُهُ ( وَكَيْفُ الطَّلَاقُ فِيهِ ) أَيْ هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِهِ أَوْ لَا يَقَعُ حَتَّى يَذْكُرَ الطَّلَاقَ إِمَّا بِاللَّفْظِ وَإِمَّا بِالنِّيَّةِ ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْخُلْعُ مُجَرَّدًا عَنِ الطَّلَاقِ لَفْظًا وَنِيَّةً ثَلَاثَةُ آرَاءٍ وَهِيَ أَقْوَالٌ لِلشَّافِعِيِّ : أَحَدُهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، فَإِذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَمَا تُصُرِّفَ مِنْهُ نَقَصَ الْعَدَدُ ، وَكَذَا إِنْ وَقَعَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ مَقْرُونًا بِنِيَّتِهِ ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ صَرَائِحِ الطَّلَاقِ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَفْظٌ لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا الزَّوْجُ فَكَانَ طَلَاقًا ، وَلَوْ كَانَ فَسْخًا لَمَا جَازَ عَلَى غَيْرِ الصَّدَاقِ كَالْإِقَالَةِ ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِهِ بِمَا قَلَّ وَكَثُرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ . وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ذَكَرَهُ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنَ الْجَدِيدِ أَنَّهُ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، مَا يُقَوِّيهِ ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَعَلَ أَمْرَ الْمَرْأَةِ بِيَدِهَا وَنَوَى الطَّلَاقَ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا طَلُقَتْ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَقَعْ لَفْظُ طَلَاقٍ وَلَا نِيَّةٌ وَإِنَّمَا وَقَعَ لَفْظُ الْخُلْعِ صَرِيحًا أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ مَعَ النِّيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فَسْخًا تَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ ، وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِيمَا إِذَا نَوَى بِالْخُلْعِ الطَّلَاقَ وَفَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ فَسْخٌ هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَوْ لَا ؟ وَرَجَّحَ الْإِمَامُ عَدَمَ الْوُقُوعِ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي بَابِهِ وَجَدَ نَفَاذًا فِي مَحَلِّهِ فَلَا يَنْصَرِفُ بِالنِّيَّةِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَصَرَّحَ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَكْثَرُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، وَنَقَلَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ عَنْ نَصِّ الْقَدِيمِ قَالَ : هُوَ فَسْخٌ لَا يُنْقِصُ عَدَدَ الطَّلَاقِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَا بِهِ الطَّلَاقَ وَيَخْدِشُ فِيمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَوَى بِالْخُلْعِ الطَّلَاقَ وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالطَّلَاقِ وَلَمْ يَنْوِهِ . وَالثَّالِثُ إِذَا لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ أَصْلًا وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَقَوَّاهُ السُّبْكِيُّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ آخِرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . قَوْلُهُ ( وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ الظَّالِمُونَ وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ يَخَافَا الْآيَةَ وَبِذِكْرِ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ تَمَامُ الْمُرَادِ وَهُوَ بِقَوْلِهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَتَمَسَّكَ بِالشَّرْطِ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ خِفْتُمْ مَنْ مَنَعَ الْخُلْعَ إِلَّا إِذَا حَصَلَ الشِّقَاقُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَعًا ، وَسَأَذْكُرُ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَثَرِ طَاوُسٍ بَيَانَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ ( وَأَجَازَ عُمَرُ الْخُلْعَ دُونَ السُّلْطَانِ ) أَيْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَتَى بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ فِي خُلْعٍ كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فَلَمْ يُجِزْهُ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شِهَابِ الْخَوْلَانِيُّ : قَدْ أَتَى عُمَرُ فِي خُلْعٍ فَأَجَازَهُ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُـشَيْمٌ أَنْبَأَنَا يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ دُونَ السُّلْطَانِ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ : كَانُوا يَقُولُونَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا قَالَ : فَجَعَلَ الْخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ ، وَلَمْ يَقُلْ فَإِنْ خَافَا ، وَقَوَّى ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ حَمْزَةَ فِي آيَةِ الْبَابِ إِلَّا أَنْ يُخَافَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ قَالَ : وَالْمُرَادُ الْوُلَاةُ ، وَرَدَّهُ النَّحَّاسُ بِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُسَاعِدُهُ الْإِعْرَابُ وَلَا اللَّفْظُ وَلَا الْمَعْنَى ، وَالطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ ، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّ الطَّلَاقَ جَائِزٌ دُونَ الْحَاكِمِ فَكَذَلِكَ الْخُلْعُ . ثُمَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وُجُودَ الشِّقَاقِ شَرْطٌ فِي الْخُلْعِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهَا جَرَتْ عَلَى حُكْمِ الْغَالِبِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ قَتَادَةُ هَذَا عَلَى الْحَسَنِ فَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ عَنْ قَتَادَةَ عنِ الْحَسَنِ فَذَكَرَهُ ، قَالَ قَتَادَةُ : مَا أَخَذَ الْحَسَنُ هَذَا إِلَّا عَنْ زِيَادٍ ، يَعْنِي حَيْثُ كَانَ أَمِيرَ الْعِرَاقِ لِمُعَاوِيَةَ : قُلْتُ : وَزِيَادٌ لَيْسَ أَهْلًا أَنْ يُقْتَدَى بِهِ . قَوْلُهُ ( وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا ) الْعِقَاصُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ وَآخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ جَمْعُ عِقْصَةٍ وَهُوَ مَا يُرْبَطُ بِهِ شَعْرُ الرَّأْسِ بَعْدَ جَمْعِهِ ، وَأَثَرُ عُثْمَانَ هَذَا رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي أَمَالِي أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بَشْرَانِ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتِ : اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي بِمَا دُونَ عِقَاصِ رَأْسِي فَأَجَازَ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ مُطَوَّلًا وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَجَفْتُ الْبَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى دُونَ سِوَى ، أَيْ أَجَازَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَرْأَةِ فِي الْخُلْعِ مَا سِوَى عِقَاصِ رَأْسِهَا ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هِـشَامٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : كَانَ يُقَالُ الْخُلْعُ مَا دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا وَعَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ يَأْخُذُ مِنَ الْمُخْتَلِعَةِ حَتَّى عِقَاصَهَا وَمِنْ طَرِيقِ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ إِذَا خَلَعَهَا جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا . ثُمَّ تَلَا : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ . وَوَجَدْتُ أَثَرَ عُثْمَانَ بِلَفْظٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي تَرْجَمَةِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ مِنْ طَبَقَاتِ النِّسَاءِ قَالَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ عَمِّي كَلَامٌ ، وَكَانَ زَوْجَهَا ، قَالَتْ فَقُلْتُ لَهُ : لَكَ كُلُّ شَيْءٍ وَفَارِقْنِي . قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ . فَأَخَذَ وَاللَّهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى فِرَاشِي ، فَجِئْتُ عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ : الشَّرْطُ أَمْلَكُ ، خُذْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى عِقَاصَ رَأْسِهَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْخُلْعِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَرَ أَحَدًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ . لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُجَّةِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الزِّيَادَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ طَاوُسٌ : إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ ، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ ) هَذَا التَّعْلِيقُ اخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَثَرٍ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ وَقُلْتُ لَهُ : مَا كَانَ أَبُوكَ يَقُولُ فِي الْفِدَاءِ ؟ قَالَ : كَانَ يَقُولُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ قَوْلَ السُّفَهَاءِ : لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : ظَاهِرُ سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَمْ يَقُلْ إِلَخْ مِنْ كَلَامِهِ ، وَلَكِنْ قَدْ نُقِلَ الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ظَهَرَ لَهُ مَا ظَهَرَ لِابْنِ جُرَيْجٍ . قُلْتُ : وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْأَثَرِ مَوْصُولًا فَتَكَلَّفَ مَا قَالَ ، وَالَّذِي قَالَ وَلَمْ يَقُلْ هُوَ ابْنُ طَاوُسٍ ، وَالْمَحْكِيُّ عَنْهُ النَّفْيُ هُوَ أَبُوهُ طَاوُسٌ ، وَأَشَارَ ابْنُ طَاوُسٍ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِ طَاوُسٍ وَأَنَّ الْفِدَاءَ لَا يَجُوزُ حَتَّى تَعْصِيَ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فِيمَا يَرُومُهُ مِنْهَا حَتَّى تَقُولَ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ ، أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِزَوْجِهَا : لَا أُطِيعُ لَكَ أَمْرًا وَلَا أَبَرُّ لَكَ قَسَمًا وَلَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ ، قَالَ : إِذَا كَرِهَتْهُ فَلْيَأْخُذْ مِنْهَا وَلْيُخَلِّ عَنْهَا . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ قَالَ : ذَلِكَ فِي الْخُلْعِ إِذَا قَالَتْ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ . وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ يَطِيبُ الْخُلْعُ إِذَا قَالَتْ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ . نَحْوُهُ وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ نَحْوُهُ وَلَكِنْ بِسَنَدٍ وَاهٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ مَا هُـوَ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ وَلَا يَتَعَيَّنُ شَرْطًا فِي جَوَازِ الْخُلْعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ جَاءَ عَنْ غَيْرِ طَاوُسٍ نَحْوُ قَوْلِهِ ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ قَالَ : فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمَا فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ . وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لَهُ الْفِدَاءُ حَتَّى يَكُونَ الْفَسَادُ مِنْ قِبَلِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَقُولَ لَا أَبَرُّ لَكَ قَسَمًا وَلَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ . قَوْلُهُ ( حَدَّثَنِي أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ ) هُوَ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَلَمْ يُخْرِجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَامِعِ غَيْرَ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْهُ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ لَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي ، لَكِنْ جَاءَ الْحَدِيثُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ أَيْضًا . قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا خَالِدُ ) هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ الْحَذَّاءُ . قَوْلُهُ ( إنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ) أَيِ ابْنِ شَمَّاسٍ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَطِيبُ الْأَنْصَارُ ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَأَبْهَمَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ اسْمَ الْمَرْأَةِ وَفِي الطُّرُقِ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَسُمِّيَتْ فِي آخِرِ الْبَابِ فِي طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا جَمِيلَةَ ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَعْنِي كَبِيرَ الْخَزْرَجِ وَرَأْسَ النِّفَاقِ الَّذِي تَقَدَّمَ خَبَرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا جَمِيلَةُ بِنْتُ أُبَيٍّ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ سَلُولَ جَاءَتْ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَسَلُولُ امْرَأَةٌ اخْتُلِفَ فِيهَا هَـلْ هِيَ أُمُّ أُبَيٍّ أَوِ امْرَأَتُهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَكَسَرَ يَدَهَا ، وَهِيَ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأَتَى أَخُوهَا يَشْتَكِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ فَقَالَ : جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ وَكَانَتْ تَحْتَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ ، فَقُتِلَ عَنْهَا بِأُحُدٍ وَهِيَ حَامِلٌ ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا ، ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ فَتَزَوَّجَهَا مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ ، ثُمَّ خُبَيْبُ بْنُ أَسَافٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ كَانَتْ عِنْدَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ وَكَانَ أَصْدَقَهَا حَدِيقَةً فَكَرِهَتْهُ ، الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ مَعَ إِرْسَالِهِ ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهَا اسْمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَقَبٌ ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ بِهَذَا الْجَمْعِ فَالْمَوْصُولُ أَصَحُّ ، وَقَدِ اعْتُضِدَ بِقَوْلِ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّ اسْمَهَا جَمِيلَةُ ، وَبِهِ جَزَمَ الدِّمْيَاطِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ أُخْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ شَقِيقَةَ أُمِّهِمَا خَوْلَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ . قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ وَالَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّهَا بِنْتُ أُبَيٍّ وَهْمٌ . قُلْتُ : وَلَا يَلِيقُ إِطْلَاقُ كَوْنِهِ وَهْمًا فَإِنَّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهِيَ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بِلَا شَكٍّ ، لَكِنْ نُسِبَ أَخُوهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى جَدِّهِ أُبَيٍّ كَمَا نُسِبَتْ هِيَ فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ إِلَى جَدَّتِهَا سَلُولَ ، فَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمُخْتَلَفِ مِنْ ذَلِكَ . وَأَمَّا ابْنُ الْأَثِيرِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فَجَزَمَا بِأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهْمٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهَا أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَا بَلِ الْجَمْعُ أَوْلَى ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِاتِّحَادِ اسْمِ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَأَنَّ ثَابِتًا خَالَعُ الثِّنْتَيْنِ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ . وَقَدْ كَثُرَتْ نِسْبَةُ الشَّخْصِ إِلَى جَدِّهِ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ حَتَّى يَثْبُتَ صَرِيحًا . وَجَاءَ فِي اسْمِ امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ قَوْلَانِ آخَرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مَرْيَمُ الْمَغَالِيَّةُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتِ : اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي فَذَكَرَتْ قِصَّةً فِيهَا وَإِنَّمَا تَبِعَ عُثْمَانُ فِي ذَلِكَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرْيَمَ الْمَغَالِيَّةِ ، وَكَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : اضْطَرَبَ الْحَدِيثُ فِي تَسْمِيَةِ امْرَأَةِ ثَابِتٍ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْخُلْعُ تَعَدَّدَ مِنْ ثَابِتٍ انْتَهَى . وَتَسْمِيَتُهَا مَرْيَمَ يُمْكِنُ رَدُّهُ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَغَالِيَّةَ - وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - نِسْبَةٌ إِلَى مَغَالَةَ وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ وَلَدَتْ لِعَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَلَدُهَ عَدِيًّا ، فَبَنُو عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ يُعْرَفُونَ كُلُّهُمْ بِبَنِي مَغَالَةَ ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ ، فَإِذَا كَانَ آلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مِنْ بَنِي مَغَالَةَ فَيَكُونُ الْوَهْمُ وَقَعَ فِي اسْمِهَا ، أَوْ يَكُونُ مَرْيَمُ اسْمًا ثَالِثًا ، أَوْ بَعْضُهَا لَقَبٌ لَهَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : فِي اسْمِهَا أَنَّهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ فَوَجَدَ حَبِيبَةَ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ [ قَالَ ] : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ : أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ . قَالَ : مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ : لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِزَوْجِهَا الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ كَانَتْ عِنْدَ ثَابِتٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اخْتُلِفَ فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، فَذَكَرَ الْبَصْرِيُّونَ أَنَّهَا جَمِيلَةُ بِنْتُ أُبَيٍّ وَذَكَرَ الْمَدَنِيُّونَ أَنَّهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ . قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا لِامْرَأَتَيْنِ لِشُهْرَةِ الْخَبَرَيْنِ وَصِحَّةِ الطَّرِيقِينَ وَاخْتِلَافُ السِّيَاقَيْنِ ، بِخِلَافِ مَا وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَةِ جَمِيلَةَ وَنَسَبِهَا فَإِنَّ سِيَاقَ قِصَّتِهَا مُتَقَارِبٌ فَأَمْكَنَ رَدُّ الِاخْتِلَافِ فِيهِ إِلَى الْوِفَاقِ ، وَسَأُبَيِّنُ اخْتِلَافَ الْقِصَّتَيْنِ عِنْدَ سِيَاقِ أَلْفَاظِ قِصَّةِ جَمِيلَةَ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ قَالَ أَوَّلُ مُخْتَلِعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ ، كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ الْحَدِيثَ ، وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَدُّدِ يَقْتَضِي أَنَّ ثَابِتًا تَزَوَّجَ حَبِيبَةَ قَبْلَ جَمِيلَةَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ثُبُوتِ مَا ذَكَرَهُ الْبَصْرِيُّونَ إِلَّا كَوْنَ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ مِنْ جَمِيلَةَ لَكَانَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ تَزَوُّجِ ثَابِتٍ بِجَمِيلَةَ . تَنْبِيهٌ : وَقَعَ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي تَنْقِيحِهِ أَنَّهَا سَهْلَةُ بِنْتُ حَبِيبٍ ، فَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا مَقْلُوبًا ، وَالصَّوَابُ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهَا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ فَقَالَ : بِنْتُ سَهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، وَسَاقَ نَسَبَهَا إِلَى مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَأَخْرَجَ حَدِيثَهَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ كَانَتْ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ لِغَيْرَةِ الْأَنْصَارِ وَكَرِهَ أَنْ يَسُوءَهُمْ فِي نِسَائِهِمْ . قَوْلُهُ ( أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِيَ الَّتِي عُلِّقَتْ هُنَا وَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَتْ بِأَبِي وَأُمِّي أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ . قَوْلُهُ ( مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا مِنَ الْعِتَابِ يُقَالُ عَتَبْتُ عَلَى فُلَانٍ أَعْتُبُ عَتْبًا وَالِاسْمُ الْمَعْتَبَةُ ، وَالْعِتَابُ هُوَ الْخِطَابُ بِالْإِدْلَالِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ مِنَ الْعَيْبِ وَهِيَ أَلْيَقُ بِالْمُرَادِ . قَوْلُهُ ( فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا ، أَيْ لَا أُرِيدُ مُفَارَقَتَهُ لِسُوءِ خُلُقِهِ وَلَا لِنُقْصَانِ دِينِهِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ الْمَذْكُورَةِ وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ كَذَا فِيهِ لَمْ يَذْكُرْ مُمَيِّزَ عَدَمِ الطَّاقَةِ ، وَبَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ بِهَا شَيْئًا يَقْتَضِي الشَّكْوَى مِنْهُ بِسَبَبِهِ ، لَكِنْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ كَسَرَ يَدَهَا ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ سَيِّئُ الْخُلُقِ ، لَكِنَّهَا مَا تَعِيبُهُ بِذَلِكَ بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ . وَكَذَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ ضَرَبَهَا فَكَسَرَ بَعْضَهَا لَكِنْ لَمْ تَشْكُهُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ ، بَلْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ دَمِيمَ الْخِلْقَةِ ، فَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ كَانَتْ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ اللَّهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ فِي وَجْهِهِ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِي مِنَ الْجَمَالِ مَا تَرَى ، وَثَابِتٌ رَجُلٌ دَمِيمٌ وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِي جَرِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوَّلُ خُلْعٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ رَأْسِي وَرَأْسُ ثَابِتٍ أَبَدًا ، إِنِّي رَفَعْتُ جَانِبَ الْخِبَاءِ فَرَأَيْتُهُ أَقْبَلَ فِي عِدَّةٍ ، فَإِذَا هُـوَ أَشَدُّهُمْ سَوَادًا وَأَقْصَرُهُمْ قَامَةً وَأَقْبَحُهُمْ وَجْهًا . فَقَالَ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَإِنْ شَاءَ زِدْتُهُ . فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا . قَوْلُهُ ( وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ ) أَيْ أَكْرَهُ إِنْ أَقَمْتُ عِنْدَهُ أَنْ أَقَعَ فِيمَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ ، وَانْتَفَى أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَحْمِلَهَا عَلَى الْكُفْرِ وَيَأْمُرَهَا بِهِ نِفَاقًا بِقَوْلِهَا لَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي دَيْنٍ فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ . وَرِوَايَةُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا إِلَّا أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ وَكَأَنَّهَا أَشَارَتْ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَحْمِلُهَا شِدَّةُ كَرَاهَتِهَا لَهُ عَلَى إِظْهَارِ الْكُفْرِ لِيَنْفَسِخَ نِكَاحُهَا مِنْهُ ، وَهِيَ كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ لَكِنْ خَشِيَتْ أَنْ تَحْمِلَهَا شِدَّةُ الْبُغْضِ عَلَى الْوُقُوعِ فِيهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِالْكُفْرِ كُفْرَانُ الْعَشِيرِ إِذْ هُوَ تَقْصِيرُ الْمَرْأَةِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَعْنَى أَخَافُ عَلَى نَفْسِي فِي الْإِسْلَامِ مَا يُنَافِي حُكْمَهُ مِنْ نُشُوزٍ وَفَرْكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُتَوَقَّعُ مِنَ الشَّابَّةِ الْجَمِيلَةِ الْمُبْغِضَةِ لِزَوْجِهَا إِذَا كَانَ بِالضِّدِّ مِنْهَا ، فَأَطْلَقَتْ عَلَى مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْإِسْلَامِ الْكُفْرَ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِهَا إِضْمَارٌ ، أَيْ أكرَهُ لَوَازِم الْكُفْرِ مِنَ الْمُعَادَاةِ وَالشِّقَاقِ وَالْخُصُومَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَلَكِنْ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ . قَوْلُهُ ( أَتَرُدِّينَ ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ فَتَرُدِّينَ وَالْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ تَرُدِّينَ وَهِيَ اسْتِفْهَامٌ مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى . قَوْلُهُ ( حَدِيقَتَهُ ) أَيْ بُسْتَانَهُ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ أَصْدَقَهَا الْحَدِيقَةَ الْمَذْكُورَةَ وَلَفْظُهُ وَكَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى حَدِيقَةِ نَخْلٍ . قَوْلُهُ ( قَالَتْ نَعَمْ ) زَادَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ فَقَالَ ثَابِتٌ : أَيَطِيبُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَوْلُهُ ( اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً ) هُوَ أَمْرُ إِرْشَادٍ وَإِصْلَاحٍ لَا إِيجَابٍ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا السِّيَاقِ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُثْبِتُ ذَلِكَ وَلَا مَا يَنْفِيهِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ طَلِّقْهَا إِلَخْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ طَلِّقْهَا عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ طَلَاقًا صَرِيحًا عَلَى عِوَضٍ ، وَلَيْسَ الْبَحْثُ فِيهِ ، إِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إِذَا وَقَعَ لَفْظُ الْخُلْعِ أَوْ مَا كَانَ فِي حُكْمِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِطَلَاقٍ بِصَرَاحَةٍ وَلَا كِنَايَةٍ ، هَلْ يَكُونُ الْخُلْعُ طَلَاقًا وَفَسْخًا ؟ وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْخُلْعَ وَقَعَ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَكْسِ ، نَعَمْ فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الْمُرْسَلَةِ ثَانِيَةَ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَرَدَّتْهَا وَأَمَرَهُ فَطَلَّقَهَا وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي تَقْدِيمِ الْعَطِيَّةِ عَلَى الْأَمْرِ بِالطَّلَاقِ ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِنْ أَعْطَتْكَ طَلِّقْهَا ، وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ صِيغَةِ الْخُلْعِ ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فَأَخَذَهَا لَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهَا وَفِي حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ فَأَخَذَهَا مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا لَكِنْ مُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ فِي الْبَابِ تُسَمِّيهِ خُلْعًا ، فَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . قَوْلُهُ ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الْبُخَارِيُّ . قَوْلُهُ ( لَا يُتَابَعُ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أَيْ لَا يُتَابَعُ أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ عَنْ ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَلْ أَرْسَلَهُ غَيْرُهُ ، وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ خُصُوصُ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِرِوَايَةِ خَالِدٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ ، عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا ثُمَّ بِرِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ مُرْسَلًا وَعَنْ أَيُّوبَ مَوْصُولًا ، وَرِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ الْمَوْصُولَةُ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْخُلْعِ وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ · ص 306 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الخلع وكيف الطلاق فيه · ص 260 باب الخلع وكيف الطلاق فيه . أي : هذا باب في بيان الخلع بضم الخاء المعجمة وسكون اللام مأخوذ من خلع الثوب والنعل ونحوهما ، وذلك لأن المرأة لباس للرجل كما قال الله تعالى : هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ وإنما جاء مصدره بضم الخاء تفرقة بين الإجرام والمعاني يقال : خلع ثوبه ونعله خلعا بفتح الخاء ، وخلع امرأته خلعا وخلعة بالضم ، وأما حقيقته الشرعية فهو فراق الرجل امرأته على عوض يحصل له ، هكذا قاله شيخنا في ( شرح الترمذي ) وقال : هو الصواب ، وقال كثير من الفقهاء : هو مفارقة الرجل امرأته على مال وليس بجيد ، فإنه لا يشترط كون عرض الخلع مالا فإنه لو خالعها عليه من دين أو خالعها على قصاص لها عليه فإنه صحيح وإن لم يأخذ الزوج منها شيئا ، فلذلك عبرت بالحصول لا بالأخذ . ( قلت ) : قال أصحابنا : الخلع إزالة الزوجية بما يعطيه من المال ، وقال النسفي : الخلع الفصل من النكاح بأخذ المال بلفظ الخلع وشرطه شرط الطلاق وحكمه وقوع الطلاق البائن ، وهو من جهته يمين ومن جهتها معاوضة ، وأجمع العلماء على مشروعية الخلع إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور ، حكاه ابن عبد البر في ( التمهيد ) ، وقال عقبة بن أبي الصهباء : سألت بكر بن عبد الله المزني عن الرجل يريد أن يخالع امرأته ، فقال : لا يحل له أن يأخذ منها شيئا . ( قلت ) : فأين قوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ ؟ قال : هي منسوخة . ( قلت ) : وما نسخها ؟ قال : ما في سورة النساء قوله تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا الآية ، قال ابن عبد البر : قول بكر بن عبد الله هذا خلاف السنة الثابتة في قصة ثابت بن قيس وحبيبة بنت سهل ، وخالف جماعة الفقهاء والعلماء بالحجاز والعراق والشام . انتهى . وخصص ابن سيرين وأبو قلابة جوازه بوقوع الفاحشة ، فكانا يقولان : لا يحل للزوج الخلع حتى يجد على بطنها رجلا لأن الله تعالى يقول : إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قال أبو قلابة : فإذا كان ذلك فقد جاز له أن يضارها ويشق عليها حتى تختلع منه ، قال أبو عمر : ليس هذا بشيء لأن له أن يطلقها أو يلاعنها ، وأما أن يضارها ليأخذ مالها فليس له ذلك . قوله : وكيف الطلاق فيه ؟ أي : كيف حكم الطلاق في الخلع ؟ هل يقع الطلاق بمجرده أو لا يقع حتى يذكر الطلاق إما باللفظ أو بالنية ؟ وللفقهاء فيه خلاف ، فعند أصحابنا الواقع بلفظ الخلع والواقع بالطلاق على مال بائن ، وعند الشافعي في القديم فسخ وليس بطلاق ، يروى ذلك عن ابن عباس حتى لو خالعها مرارا ينعقد النكاح بينهما بغير تزوج بزوج آخر ، وبه قال أحمد ، وفي قول الشافعي : إنه رجعي ، وفي قول وهو أصح أقواله : إنه طلاق بائن كمذهبنا ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الخلع تطليقة بائنة ، وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم ، وقد نص الشافعي في الإملاء على أنه من صرائح الطلاق . وفي ( التوضيح ) : اختلف العلماء في البينونة بالخلع على قولين : أحدهما : إنه تطليقة بائنة ، روي عن عثمان وعلي وابن مسعود إلا أن تكون سمت ثلاثا فهي ثلاث ، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي والكوفيين وأحد قولي الشافعي ، والثاني : إنه فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه ، روي ذلك عن ابن عباس وطاوس وعكرمة ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وهو قول الشافعي الآخر . انتهى . والحديث الذي احتج به أصحابنا وذكروه في كتبهم مروي عن ابن عباس رواه الدارقطني والبيهقي في ( سننهما ) من حديث عباد بن كثير ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخلع تطليقة بائنة ، ورواه ابن عدي في ( الكامل ) وأعله بعباد بن كثير الثقفي ، وأسند عن البخاري قال : تركوه ، وعن النسائي : متروك الحديث ، وعن شعبة : احذروا حديثه ، وسكت عنه الدارقطني إلا أنه أخرج عن ابن عباس خلافه من رواية طاوس عنه قال : الخلع فرقة وليس بطلاق ، وروى عبد الرزاق في ( مصنفه ) ، حدثنا بن جريج ، عن داود بن أبي عاصم ، عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخلع تطليقة ، وكذلك رواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) . وقول الله تعالى : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلى قوله : الظَّالِمُونَ وقول الله بالجر عطف على قوله : الخلع المضاف إليه لفظ الباب ، وفي لفظ رواية أبي ذر : وقول الله وَلا يَحِلُّ لَكُمْ إلى قوله : إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وفي رواية النسفي : وقول الله تعالى : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ إلى قوله : إِلا أَنْ يَخَافَا وفي رواية غيرهما : من أول الآية إلى قوله : الظَّالِمُونَ وهذا كله ليس مما يحتاج إليه بل ذكر بعض الآية كاف ، وإنما ذكر هذه الآية لأنها نزلت في قضية امرأة ثابت بن قيس بن شماس التي اختلعت منه ، وهو أول خلع كان في الإسلام ، وفيها بيان ما يفعل في الخلع . قوله : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا أي : لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه ، وقال الزمخشري : إن قلت : الخطاب للأزواج لم يطابقه فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وإن قلت : للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهم ولا بمؤتيهن ثم أجاب بأنه يجوز الأمران جميعا أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره للأئمة والحكام ، وأن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم ، فكأنهم الآخذون والمؤتون . قوله : مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ أي : مما أعطيتموهن من الصدقات . قوله : إِلا أَنْ يَخَافَا أي : الزوجان أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ أي : ألا يقيما ما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها ، وقرأ الأعرج وحمزة يخافا بضم الياء ، وفي قراءة عبد الله : إلا أن يخافوا . قوله : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أي : على الزوج فيما أخذ وعلى المرأة فيما أعطت ، وأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه فقد دخلت في قوله صلى الله عليه وسلم : أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة أخرجه الترمذي من حديث ثوبان ، ورواه ابن جرير أيضا ، وفي آخره قال : المختلعات هن المنافقات . وأجاز عمر الخلع دون السلطان . أي : أجاز عمر بن الخطاب الخلع دون السلطان أي : بغير حضور السلطان ، وأراد به الحاكم ، ووصله ابن أبي شيبة عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن خيثمة قال : أتى بشر بن مروان في خلع كان بين رجل وامرأته فلم يجزه ، فقال له عبد الله بن شهاب : شهدت عمر بن الخطاب أتى في خلع كان بين رجل وامرأته فأجازه ، وحكاه أيضا عن ابن سيرين والشعبي ومحمد بن شهاب ويحيى بن سعيد ، وقال الحسن : لا يكون الخلع دون السلطان ، أخرجه سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس عنه . وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها . أي : أجاز عثمان بن عفان الخلع دون عقاص رأسها أي : رأس المرأة ، والعقاص بكسر العين جمع عقصة أو عقيصة وهي الضفيرة ، وقيل : هو الخيط الذي يعقص به أطراف الذوائب ، قال ابن الأثير : والأول أوجه ، والمعنى أن المختلعة إذا افتدت نفسها من زوجها بجميع ما تملك كان له أن يأخذ ما دون عقاص شعرها من جميع ملكها ، وقال صاحب ( التلويح ) : هذا اللفظ يعني : قوله : أجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها ، لم أره إلا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، رواه أبو بكر ، عن عفان ، حدثنا همام ، حدثنا مطر ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح أن عمر قال : اخلعها بما دون عقاصها ، وفي لفظ اخلعها ولو من قرطها ، وعن ابن عباس : حتى من عقاصها ، وقال صاحب ( التوضيح ) : وأثر عثمان لا يحضرني ، نعم أخرجه ابن أبي شيبة عن عفان إلخ ، نحو ما قاله صاحب ( التلويح ) ، وقال بعضهم : إنه رواه موصولا في ( أمالي أبي القاسم ) من طريق شريك عن عبد الله بن محمد ، عن عقيل ، عن الربيع بنت معوذ قالت : اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي ، فأجاز ذلك عثمان رضي الله تعالى عنه ، وأخرجه البيهقي من طريق روح بن القاسم ، عن ابن عقيل مطولا ، وقال في آخره : فدفعت إليه كل شيء حتى أجفت الباب بيني وبينه ، وهذا يدل على أن معنى دون سوى أي : أجاز للرجل أن يأخذ من المرأة في الخلع ما سوى عقاص رأسها . انتهى . ( قلت ) : قول ابن عباس الذي ذكرناه آنفا يدل على أنه يأخذ عقاص شعرها وهو الخيط الذي يعقص به أطراف الذوائب كما ذكرناه . وقال ابن كثير : ومعنى هذا أنه لا يجوز أن يأخذ كل ما بيدها من قليل وكثير ولا يترك لها سوى عقاص شعرها ، وبه قال مجاهد وإبراهيم ، وقال ابن المنذر : وبنحوه قال ابن عمر وعثمان بن عفان والضحاك وعكرمة ، وهو قول الشافعي وداود ، وروى عبد الرزاق ، عن المعتمر بن سليمان ، عن ليث بن أبي سليم ، عن الحكم بن عتيبة ، أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها ، وقال ابن حزم : هذا لا يصح عن علي لأنه منقطع وفيه ليث ، وذكر هذا ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن عطاء وطاوس وعكرمة والحسن ومحمد بن شهاب الزهري وعمرو بن شعيب والحكم وحماد وقبيصة بن ذؤيب ، وقال ابن كثير في ( تفسيره ) : وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور ، واختاره ابن جرير ، وقال أصحاب أبي حنيفة : إن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا ، وإن أخذ جاز في القضاء ، وفي ( التلويح ) قال أبو حنيفة : فإن أخذ أكثر مما أعطاهم فليتصدق به ، وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق : لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها ، وعن ميمون بن مهران : إن أخذ أكثر مما أعطاها فلم يسرح بإحسان ، وعن عبد الملك الجزري : لا أحب أن يأخذ منها كل ما أعطاها حتى يدع لها ما يعيشها . وقال طاوس : إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة ، ولم يقل قول السفهاء لا يحل حتى تقول : لا أغتسل لك من جنابة . أي : قال طاوس في تفسير قوله تعالى : إِلا أَنْ يَخَافَا أي : الزوجان أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ إلخ . قوله : ولم يقل أي : ولم يقل الله قول السفهاء وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أن تقول المرأة : لا أغتسل لك من جنابة ، لأنها حينئذ تصير ناشزة ، فيحل الأخذ منها ، وقولها : لا أغتسل إما كناية عن الوطء وإما حقيقة ، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية حدثنا ابن جريج عنه بلفظ : يحل له الفداء كما قال الله عز وجل : إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ولم يكن يقول قول السفهاء حتى تقول : لا أغتسل لك من جنابة ، ولكنه كان يقول : إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة . 19 - حدثنا أزهر بن جميل ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، حدثنا خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، ثابت بن قسس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ، ولكني أكره الكفر في الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم ، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه بيان كيف الطلاق في الخلع ، وأزهر بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء ، ابن جميل بفتح الجيم أبو محمد البصري مات سنة إحدى وخمسين ومائتين ، وهو من أفراده ، لم يخرج عنه في الخلع غير هذا الموضع ، وقد أخرجه النسائي عنه أيضا ، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي بالثاء المثلثة والقاف والفاء ، وخالد هو ابن مهران الحذاء . قوله : أن امرأة ثابت بن قيس أبهم البخاري اسمها هنا ، وفي الطريق التي بعدها وسماها في آخر الباب بجميلة بفتح الجيم وكسر الميم قال أبو عمر : جميلة بنت أبي بن سلول امرأة ثابت بن قيس التي خالعته وردت عليه حديقته ، هكذا روى البصريون ، وخالفهم أهل المدينة فقالوا : إنها حبيبة بنت سهل الأنصاري ، قال : وكانت جميلة قبل ثابت بن قيس تحت حنظلة بن أبي عامر الغسيل ، ثم تزوجها بعده ثابت بن قيس بن مالك بن دخشم ، ثم تزوجها بعده حبيب بن أساف الأنصاري . وقال شيخنا زين الدين رحمه الله تعالى : اختلفت طرق الحديث في اسم امرأة ثابت بن قيس التي خالعها ، ففي أكثر طرقه أن اسمها حبيبة بنت سهل ، هكذا عند مالك في ( الموطأ ) من حديثها ، ومن طريقه رواه أبو داود والنسائي ، وكذا في حديث عائشة عند أبي داود ، وكذا في حديث عبد الله بن عمر ، وعند ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عباس إنها جميلة بنت سلول ، وسلول هي أمها ، ويقال : اختلف في سلول هل هي أم أبي أو امرأته ، ووقع في رواية النسائي والطبراني من حديث الربيع بنت معوذ : جميلة بنت عبد الله بن أبي ، وبذلك جزم ابن سعد في ( الطبقات ) فقال : جميلة بنت عبد الله بن أبي ، ووقع في رواية البخاري عن عكرمة أخت عبد الله بن أبي ، وهو كبير الخزرج ورأس النفاق ، وقع عند النسائي وابن ماجه بإسناد جيد من حديث الربيع بنت معوذ أن اسمها مريم المغالية ، وعند الدارقطني والبيهقي من رواية أبي الزبير أن ثابت بن قيس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول ، قال الشيخ : وأصح طرقه حديث حبيبة بنت سهل على أنه يجوز أن يكون الخلع قد تعدد غير مرة من ثابت بن قيس لهذه فإن في بعض طرقه أصدقها حديقة ، وفي بعضها حديقتين ، ولا مانع أن يكون واقعتين فأكثر ، وقد صح كونها حبيبة ، وصح كونها جميلة ، وصح كونها مريم ، وأما تسميتها زينب فلم يصح . ( قلت ) : لم يذكر أبو عمر مريم ، وذكرها الذهبي وقال : مريم الأنصارية المغالية من بني مغالة امرأة ثابت بن قيس ، لها ذكر في حديث الربيع . انتهى . وثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امرئ القيس الخزرجي وكان خطيب الأنصار ، ويقال : خطيب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما يقال : لحسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شهد أحدا . وما بعدها من المشاهد ، وقتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه . قوله : وما أعتب بضم التاء المثناة من فوق وكسرها من عتب عليه إذا وجد عليه ، يقال : عتب على فلان أعتب عتبا والاسم المعتبة ، والعتاب هو الخطاب بإدلال ، ويروى : وما أعيب بالياء آخر الحروف من العيب أي : لا أغضب عليه ولا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه ، ولكن أكرهه طبعا ، فأخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي مقتضى الإسلام باسم ما ينافي في نفس الإسلام وهو الكفر ، ويحتمل أن يكون من باب الإضمار أي : لكني أكره لوازم الكفر من المعاداة والنفاق والخصومة ونحوها ، وجاء في رواية جرير بن حازم إلا أني أخاف الكفر ، قيل : كأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدة كراهتها على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه وهي تعرف أن ذلك حرام ، لكن خشيت أن يحملها شدة البغض على الوقوع فيه ، وقيل : يحتمل أن يريد بالكفر كفران العشير إذ هو تقصير المرأة في حق الزوج ، وجاء في رواية ابن جرير : والله ما كرهت منه خلقا ولا ذنبا إلا أني كرهت دمامته ، وفي رواية أخرى له قالت : يا رسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شيئا أبدا ، إني رفعت جانب الحياء فرأيته أقبل في عدة ، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها ، الحديث ، وفي رواية ابن ماجه : كان رجلا دميما فقالت : يا رسول الله والله لولا مخافة الله إذا دخل علي بصقت في وجهه ، وعن عبد الرزاق عن معمر قال : بلغني أنها قالت : يا رسول الله وبي من الجمال ما ترى ، وثابت رجل دميم . ( فإن قلت ) جاء في رواية النسائي أنه كسر يدها ، فكيف تقول : لا أعتب ؟ . إلخ . ( قلت ) : أردت أنه سيئ الخلق لكنها ما تعيبته بذلك ولكن تعييبها إياه كان بالوجوه التي ذكرناها . قوله : حديقته أي : بستانه الذي أعطاها . قوله : وطلقها الأمر فيه للإرشاد والاستصلاح لا للإيجاب والإلزام ، ووقع في رواية جرير بن حازم فردت عليه فأمره ففارقها .