90 - بَاب سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ 493 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ . ( أَبْوَابُ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي ) . قَوْلُهُ : ( بَابُ سُتْرَةِ الْإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ ) أَوْرَدَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ ، الثَّانِي وَالثَّالِثُ مِنْهَا مُطَابِقَانِ لِلتَّرْجَمَةِ لِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَّخِذُوا سُتْرَةً غَيْرَ سُتْرَتِهِ ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ بَابُ مَنْ صَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَقَدْ تُقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ، قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ أَيْ : إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ ، وَذَكَرْنَا تَأْيِيدَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَزَّارِ ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : قَوْلُهُ إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ لَا يَنْفِي غَيْرَ الْجِدَارِ ، إِلَّا أَنَّ إِخْبَارَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مُرُورِهِ بِهِمْ وَعَدَمِ إِنْكَارِهِمْ لِذَلِكَ مُشْعِرٌ بِحُدُوثِ أَمْرٍ لَمْ يَعْهَدُوهُ ، فَلَوْ فُرِضَ هُنَاكَ سُتْرَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْجِدَارِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْإِخْبَارِ فَائِدَةٌ ، إِذْ مُرُورُهُ حِينَئِذٍ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ أَصْلًا . وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَمَلَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَأْلُوفِ الْمَعْرُوفِ مِنْ عَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي فِي الْفَضَاءِ إِلَّا وَالْعَنَزَةُ أَمَامَهُ ، ثُمَّ أَيَّدَ ذَلِكَ بِحَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَرْبَةِ : وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ تَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ : فِيهِ أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ ) أَيْ : قَارَبْتُهُ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ الِاخْتِلَافَ فِي قَدْرِ عُمْرِهِ فِي بَابِ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ مِنْ كِتَابِ فَضِيلَةِ الْقُرْآنِ ، وَفِي بَابِ الِاخْتِتَانِ بَعْدَ الْكِبَرِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ . وَتَوْجِيهِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِ مِنْ ذَلِكَ وَبَيَانِ الرَّاجِحِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . قَوْلُهُ : ( يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى ) كَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِعَرَفَةَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ ، فَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِعَرَفَةَ شَاذٌّ . وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَوِ الْفَتْحِ ، وَهَذَا الشَّكُّ مِنْ مَعْمَرٍ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . قَوْلُهُ : ( بَعْضُ الصَّفِّ ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ : حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ . انْتَهَى . وَهُوَ يُعَيِّنُ أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِتَرْكِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْجَوَازِ ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِتَرْكِ إِعَادَتِهِمْ لِلصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ أَكْثَرُ فَائِدَةً . قُلْتُ : وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ تَرْكَ الْإِعَادَةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا فَقَطْ لَا عَلَى جَوَازِ الْمُرُورِ ، وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُرُورِ وَصِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعًا . وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ حُجَّةٌ عَلَى الْجَوَازِ بِشَرْطِهِ وَهُوَ انْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ مِنَ الْإِنْكَارِ وَثُبُوتُ الْعِلْمِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى الْفِعْلِ ، وَلَا يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِمَّا ذُكِرَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّفُّ حَائِلًا دُونَ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرَى فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَرَائِهِ كَمَا يَرَى مَنْ أَمَامَهُ ، وَتُقَدِّمُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَائِلٌ دُونَ الرُّؤْيَةِ ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ تَوَفُّرُ دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا يَحْدُثُ لَهُمْ كَافِيًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى اطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مُرُورِ الْحِمَارِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، فَيَكُونُ نَاسِخًا لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كَوْنِ مُرُورِ الْحِمَارِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، وَكَذَا مُرُورُ الْمَرْأَةِ وَالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُرُورَ الْحِمَارِ مُتَحَقِّقٌ فِي حَالِ مُرُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ رَاكِبُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ لِكَوْنِ الْإِمَامِ سُتْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُ ، وَأَمَّا مُرُورُهُ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ عَنْهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا يَخُصُّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ : إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ ، فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، قَالَ : وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ . وَكَذَا نَقَلَ عِيَاضٌ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومِينَ يُصَلُّونَ إِلَى سُتْرَةٍ ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ سُتْرَتُهُمْ سُتْرَةُ الْإِمَامِ أَمْ سُتْرَتُهُمُ الْإِمَامُ نَفْسُهُ ا هـ . فِيهِ نَظَرٌ ، لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ الصَّحَابِيِّ : أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ ، فَمَرَّتْ حَمِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ فَأَعَادَ بِهِمُ الصَّلَاةَ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : إِنَّهَا لَمْ تَقْطَعْ صَلَاتِي وَلَكِنْ قَطَعَتْ صَلَاتَكُمْ ، فَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا نُقِلَ مِنَ الِاتِّفَاقِ . وَلَفْظُ تَرْجَمَةِ الْبَابِ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ ، وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ سُوَيْدٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ا هـ . وَسُوَيْدٌ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ . وَوَرَدَتْ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ مَوْقُوفٍ عَلَى ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ الَّذِي نَقَلَهُ عِيَاضٌ فِيمَا لَوْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ أَحَدٌ ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ يَضُرُّ صَلَاتَهُ وَصَلَاتَهُمْ مَعًا ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْإِمَامَ نَفْسَهُ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ يَضُرُّ صَلَاتَهُ وَلَا يَضُرُّ صَلَاتَهُمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ · ص 680 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب سترة الإمام سترة لمن خلفه · ص 607 90 - باب سترة الإمام سترة لمن خلفه خرج فيه ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : قال : 493 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن عباس ، أنه قال : أقبلت راكبا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار ، فمررت بين يدي بعض الصف ، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد وقد خرجه - أيضا - في كتاب العلم عن إسماعيل ، عن مالك . وخرجه في آخر المغازي في باب : حجة الوداع عن يحيى بن قزعة ، عن مالك . وذكره تعليقا ، قال : وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني عبيد الله بن عبد الله ، أن ابن عباس أخبره ، أنه أقبل يسير على حمار ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس ، فسار الحمار بين يدي بعض الصف ، ثم نزل عنه فصف مع الناس . ولكن هذا لفظ رواية يونس . وقد خرجه به مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب ، عنه . وخرجه مسلم - أيضا - من طريق ابن عينية ، عن الزهري ، وقال : والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعرفة . ومن طريق معمر ، عن الزهري ، ولم يذكر فيه : منى ولا عرفة ، وقال في حجة الوداع - أو يوم الفتح . واقتصر من حديث ابن عيينة ومعمر على هذا . وذكر يوم الفتح لا وجه له ؛ فإن ابن عباس لم يكن قد ناهز يومئذ الاحتلام ، ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي يومئذ بمنى ولا عرفة . وفي رواية ابن عيينة : جئت أنا والفضل على أتان لنا . وفي رواية - أيضا - فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا شيئا . وقد خرجه النسائي بتمامه هكذا . وخرج الترمذي حديث معمر بتمامه ، ولفظه : كنت رديف الفضل على أتان ، فجئنا والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى ، فنزلنا عنها ، فوصلنا الصف ، فمرت بين أيديهم ، فلم تقطع صلاتهم . ففي هذه الروايات : أن ابن عباس مر على حماره بين يدي بعض الصف والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ، فلم ينكر ذلك عليه أحد ، لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد ممن صلى خلفه . وبهذا استدل البخاري وغيره من العلماء على أن سترة الإمام سترة لمن خلف ؛ لأن سترة الإمام إذا كَانَتْ محفوظة كفى ذَلِكَ المأمومين ، ولم يضرهم مرور من مر بَيْن أيديهم ؛ ولذلك لا يشرع للمأمومين اتخاذ سترة لهم وهم خلف الإمام . ولا نعلم أحدا ذكر في حديث ابن عباس : إلى غير جدار غير مالك . وقد خرجه في الموطأ في موضعين ، ذكر في أحدهما هذه الكلمة ، وأسقطها في الأخرى . وقد قال الشافعي : قول ابن عباس : إلى غير جدار ، أراد - والله أعلم - : إلى غير سترة . واستدل بذلك على أن السترة غير واجبة في الصلاة . وحمله غيره على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى عنزة ، فإن هذه كانت عادته في الأسفار ، على ما يأتي - إن شاء الله تعالى . فكلام البخاري قد يدل على هذا ؛ لإدخاله هذا الحديث في أن سترة الإمام سترة لمن خلفه . وحمله الإمام أحمد - في رواية ابن منصور والأثرم - على مثل هذا . لكن البخاري قد خرج الحديث ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى غير جدار ، كما تقدم ، إلا أن يقال : لا يلزم من عدم الجدار نفي استتاره بحربة ونحوها . وقد ذكر الأثرم أن ابن أخي الزهري روى هذا الحديث عن الزهري ، وذكر فيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى غير سترة . وقد روي عن الإمام أحمد مثل قول الشافعي ، وأنه حمل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى غير سترة - : نقله عنه الحسن بن ثواب . واستدل بالحديث - في رواية جماعة من أصحابه عنه - على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع صلاته ، وعارض به حديث أبي ذر . وهذا إنما يكون إذا كان يصلي إلى غير سترة . وقد ورد في رواية التصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى غير سترة . وفي حديث آخر التصريح بأن ابن عباس مر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم . فأما الأول ، فمن طريق الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، عن أبي الصهباء ، قال : تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس ، قال : جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، فنزل ونزلت وتركنا الحمار أمام الصف ، فما بالاه ، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فدخلتا بين الصف ، فما بالى ذلك . خرجه أبو داود - وهذا لفظه - والنسائي . وخرجه الأثرم ، وعنده : ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في أرض خلاء . وخرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي من طريق شعبة ، ولفظه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء ليس بين يديه سترة . وقد ذكره الإمام أحمد بهذا اللفظ من حديث شعبة ، واحتج به ، ولم نجده في المسند بهذا اللفظ . وذكر الأثرم أن شعبة ومنصورا رويا في هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء من الأرض ، ليس بين يديه سترة ، ولعل هذا مما تصرفوا في لفظه لما فهموه من معناه ، هكذا رواه شعبة ومنصور ، عن الحكم ، عن يحيى ، عن صهيب . ورواه شعبة - أيضا - عن عمرو بن مرة ، عن يحيى بن الجزار ، عن ابن عباس - من غير ذكر : صهيب في إسناده . خرجه الإمام أحمد كذلك . وقد روي عن منصور ، عن الحكم كذلك - أيضا . خرجه ابن حبان في صحيحه كذلك . ورواه حجاج ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، عن ابن عباس - من غير ذكر : أبي الصهباء - أيضا - ولفظ حديثه : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضاء ، ليس بين يديه شيء - ولم يزد على ذلك . خرجه من طريقه الإمام أحمد . وأبو الصهباء ، اسمه : صهيب المدني ، وهو ثقة ، وثقه أبو زرعة وغيره . ويقال : إنه البكري ، وهو مدني ، لكن سئل عن صهيب هذا ، فقال : شيخ من أهل البصرة . وهذا يدل على أنه غير المدني . وصحح أبو حاتم الرازي - فيما نقله عنه ابنه - كلا القولين : إدخال صهيب في إسناده ، وإسقاطه . وفي مسند الإمام أحمد : أن يحيى بن الجزار لم يسمعه من ابن عباس . والظاهر : أن ذلك من قول شعبة . وكلام أحمد يدل على أن الصحيح دخوله في الإسناد . وذكر الإمام أحمد هذا الحديث ، واستدل به على أن الصلاة إلى غير سترة صحيحة ، وقال : ليس هو بذاك . يعني : من جهة إسناده ، ولعله رأى أن صهيبا هذا غير معروف ، وليس هو بأبي الصهباء البكري مولى ابن عباس ؛ فإن ذاك مدني . وأما الثاني : فمن طريق ابن جُرَيْج : حَدَّثَنِي عَبْد الكريم الجزري ، أن مجاهدا أخبره ، عن ابن عباس ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا والفضل على أتان ، فمررنا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وهو يصلي المكتوبة ، ليس شيء يستره ، يحول بيننا وبينه . خرجه البزار . وخرج الإمام أحمد من طريق ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، قال : جئت أنا والفضل على حمار ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس في فضاء من الأرض ، فمررنا بين يديه ونحن عليه ، حتى جاوزنا عامة الصف ، فما نهانا ولا ردنا . وشعبة هذا ، تكلم فيه . فعلى تقدير أن يكون ابن عباس مر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي إلى غير سترة ، فإنه يحمل على أنه مر بين يديه من بعد ؛ فإنه لا يظن بالفضل وأخيه أن يمرا على حمار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بالقرب منه ، وإذا كان مرورهما بين يديه متباعدا فإنه لا يضر ، ومرورهما على هذه الحال وجوده كعدمه . وعلى تقدير أن يكونا لم يمرا إلا بين يدي بعض الصف ، ولم يمرا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، والروايات الصحيحة إنما تدل على ذلك فمع ما علم من عادة النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته إلى العنزة في أسفاره . وقد روي ذلك من حديث ابن عباس - أيضا . خرجه الإمام أحمد : ثنا يزيد بن أبي حكيم : حدثني الحكم بن أبان ، قال : سمعت عكرمة يقول : قال ابن عباس قال : ركزت العنزة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ، فصلى والحمار من وراء العنزة . والظاهر : أنه أشار إلى مروره على الحمار بين يديه ، فيستدل بالحديث حينئذ على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه ، كما استدل به البخاري . وسواء كان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى سترة أو إلى غير سترة ؛ لأن قبلته كانت محفوظة عن المرور فيها ، وكان هو صلى الله عليه وسلم سترة لمن وراءه ؛ فلذلك لم يضرهم مرور الحمار بين أيديهم . وهذا قول جمهور العلماء : إن سترة الإمام سترة لمن خلفه . قال ابن المنذر : روي ذلك عن ابن عمر ، وبه قال النخعي ومالك والأوزاعي وأحمد . انتهى . وروي - أيضا - عن أبي قلابة وعن الشعبي . وروي عنه ، عن مسروق . ولكن أنكره الإمام أحمد ، وذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن فقهاء المدينة السبعة في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل ثقة وفضل ، وهو قول الثوري . وقد روي فيه حديث مرفوع : خرجه الطبراني من رواية سويد بن عبد العزيز ، عن عاصم الأحول ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سترة الإمام سترة لمن خلفه . ولكن لا يصح ؛ وسويد هذا ضعيف جدا . وقد أنكر الإمام أحمد عليه أنه روى عن حصين ، عن الشعبي ، عن مسروق أنه قال : سترة الإمام سترة لمن خلفه ، وقال : إنما هو قول الشعبي . فكيف لو سمع أنه روى ذلك بإسناد له عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ومنهم من قال : الإمام سترة لمن خلفه ، وهو قول طائفة من أصحاب مالك . ومعنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه : أن المأمومين لا يشرع لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترة غير سترة إمامهم ، وأنه لا يضرهم من مر بين أيديهم إذا لم يمر بين يدي إمامهم . ويدل على ذلك - أيضا - : ما روى هشام بن الغاز ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : هبطنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنية أذاخر ، فحضرت الصلاة - يعني : إلى جدر - فاتخذه قبلة ونحن خلفه ، فجاءت بهيمة تمر بين يديه ، فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدر ، ومرت من ورائه . خرجه الإمام أحمد وأبو داود . وهذا يدل على أن المرور بين الإمام وسترته محذور ، بخلاف المرور بين يدي من خلفه ، إذا كانت سترة الإمام محفوظة . وأما جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة إمامهم محفوظة ففيه قولان : أحدهما : أنه منهي عنه - أيضا - نص عليه في رواية الأثرم ، في الرجل يكون خلف الإمام وبين يديه صف ، فيكون في الصف الذي بين يديه خلل عن يساره ليس هو بحذائه ، أيمشي إليه فيسده ؟ قال : إن كان بحذائه فعل فأما أن يمشي معترضا فيؤذي الذي إلى جنبه ويمر بين يديه فلا . وهذا يدل على أن المشي بين يدي المأمومين داخل في النهي . ومن أصحابنا من حمل ذلك على كراهة التنزيه ، بخلاف المشي بين الإمام والمنفرد . والكراهة قول أصحاب الشافعي - أيضا - وسيأتي عن الشافعي ما يدل عليه . وقال سفيان : لا يعجبني ذلك . وذكر مالك في الموطأ أنه بلغه ، أن ابن عمر كان يكره أن يمر بين يدي النساء وهن يصلين . وحمله بعضهم على كراهة المرور بين يدي صفوف النساء في مؤخر المسجد إذا صلين مع الإمام . والقول الثاني : جوازه من غير كراهة ، وأنه غير داخل في النهي ، وقد حكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد ، إذا كان مشيه لحاجة ؛ كمشيه إلى فرجة في الصف ، أو إذا لم يجد موضعا يصلي فيه . وهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا ؛ فإنهم استدلوا بحديث ابن عباس على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه ، وجعلوا عدم الإنكار على ابن عباس دليلا على ذلك . وكلام ابن عباس يدل عليه - أيضا - فإنه استدل بعدم الإنكار على الجواز . وهو مستلزم لعدم بطلان الصلاة ، وهذا مذهب مالك وأصحابه . ذكر مالك في الموطأ : باب : الرخصة في المرور بين يدي المصلي ، وخرج فيه حديث ابن عباس هذا ، ثم قال : بلغني أن سعد بن أبي وقاص كان يمر بين يدي بعض الصفوف والصلاة قائمة . قال مالك : وأنا أرى ذلك واسعا ، إذا أقيمت الصلاة بعد أن يحرم الإمام ولم يجد المرء مدخلا إلى المسجد إلا بين الصفوف . وقد ذكر أبو داود في سننه بعض كلام مالك ، عن القعنبي ، عنه . وقال سفيان الثوري : إذا انتهى إلى المسجد والطريق بين أيديهم ، فإنه يمشي معترضا حتى يدخل المسجد . وفي تهذيب المدونة للبرادعي : ولا بأس بالمرور بين الصفوف عرضا ، والإمام سترة لهم ، وإن لم يكونوا إلى سترة ، وكذلك من رعف وأحدث فليخرج عرضا ، وليس عليه أن يرجع إلى عجز المسجد . وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن المأموم لا يدفع من مر بين يديه ، وقال : لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافا . وذكر في الاستذكار قول مالك الذي ذكره في الموطأ ، وذكر أن مالكا يرخص في ذلك لمن لم يجد منه بدا ، وأن غيره لا يرى به بأسا - يعني : بكل حال ، سواء اضطر إليه أو لا - ؛ لحديث ابن عباس . قال : وقد قدمنا أن الإمام سترة لمن خلفه ، فالماشي خلفه أمام الصف كالماشي خلفه دون صف . قال : ويحتمل هذا أن يكون المار لم يجد بدا كما قال مالك . ولكن الظاهر ما قدمنا من الآثار الدالة على أن الإمام سترة لمن خلفه . وهذا الكلام يدل على أن للعلماء اختلافا : هل الرخصة تختص بحال الضرورة أم تعم ؟ وقد حكى بعض أصحابنا رواية أخرى عن أحمد ، بأن من كان بين يديه فرجة فلا يكره له أن يمشي عرضا بين الصفوف حتى يقوم فيها . وهذا قول ثالث بالرخصة في ذلك لحاجة إليه ، وإن لم يكن ضرورة . وذكر البيهقي في كتابه المعرفة عن الشافعي في القديم ، أنه ذكر قول مالك في هذا ، واعتراض من اعترض عليه ثم أخذ في الذب عنه ، واحتج بحديث ابن عباس وغيره ، وأشار إلى أن ذلك إنما قاله في المرور بين يدي المتنفلين الذين عليهم قطع النافلة للمكتوبة ، ولا يجد الداخل طريقا غير الممر بين أيديهم . ومعنى هذا : أنه إنما يجوز المرور للضرورة بين يدي من يصلي صلاة مكروهة ، وهو من يتنفل بعد إقامة الصلاة ، أو يطيل في نافلته وقد أقيمت الصلاة . ولكن أصحاب مالك حملوا كلام مالك على عمومه في حال الضرورة كما تقدم ، وهذا الكلام من الشافعي يدل على أن المأمومين لا يجوز المرور بين أيديهم إذا كانوا يقتدون بصلاة الإمام لضرورة ولا غيرها ، كما قاله أحمد في غير حال الضرورة في رواية الأثرم . وقال أصحاب الشافعي : إذا وجد الداخل فرجة في الصف الأول ، فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويصف فيها ؛ لتقصير أهل الثاني بتركها . وهذا موافق لكلام الشافعي ، حيث لم يجز المرور إلا مع تقصير المصلين ، لكنه يخصه بحال الضرورة وأصحابه لم يخصوه بذلك . ونص الشافعي في كتاب مختلف الحديث على أن المرور بين يدي المصلي إلى غير سترة مباح غير مكروه ، واستدل بحديث ابن عباس هذا ، وبحديث المطلب بن أبي وداعة . وذهبت طائفة من العلماء إلى أن سترة الإمام ليست سترة لمن خلفه من المأمومين : فروى الجوزجاني وغيره من طريق ابن سيرين ، أنه بلغه ، أن الحكم الغفاري أم جيشا ، وأنه كان بين يديه رمح ، فمر به ما يقطع الصلاة ، فأعاد بالقوم الصلاة ، فلما انصرف ذكر ذلك له ، فقال : أولم تروا إلى ما مر بين أيدينا ؟ فأنا ومن يليني قد سترنا الرمح ، فإنما أعدت الصلاة من أجل العامة . قال ابن المنذر في كتابه الكبير : وروي عن عطاء نحوه . وروى عمر بن شبة في كتاب أخبار قضاة البصرة : ثنا محمد بن حاتم : ثنا إسماعيل بن إبراهيم : ثنا يونس ؛ قال : كان موسى بن أنس يصلي بالناس في صحن المسجد ، فكان كلب يمر بين أيديهم ، فسألوا الحسن ، فقال : أما الإمام ومن كان إلى سارية ومن كان خلف الصف فلا يعيد ، ومن كان بين السواري فليعد . وأما على تقدير أن يكون ابن عباس مر على الأتان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي إلى غير سترة ، ولم ينهه عن ذلك ، فهذا يحتمل وجوها : أحدها : أن يكون مر بين يديه من بعد ، والمار أمام المصلي إلى غير سترة عن بعد كالمار خلف سترته . ولكن خرج الإمام أحمد من حديث الحسن العرني ، عن ابن عباس ، قال : أقبلت على حمار ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ، حتى إذا كنت قريبا منه نزلت عنه ، وخليت عنه ، ودخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ، فما أعاد صلاته ، ولا نهاني عما صنعت . والحسن العرني لم يسمع من ابن عباس - : قاله الإمام أحمد ، فحديثه عنه منقطع . والثاني : أن يحمل على أن الاستتار في الصلاة غير واجب ، وإنما هو على الاختيار ، وهذا حكاه البيهقي عن الشافعي . ولكن يقال : فالمرور بين يدي المصلي إلى غير سترة ، إما أنه حرام ، أو مكروه ، فكيف أقر عليه ولم ينكر ؟ وقد يجاب : بأنه إذا كان مكروها ، فإنكاره غير واجب . ولأصحابنا وجه : أن من صلى إلى غير سترة لم يكن المرور بين يديه منهيا عنه ، إنما النهي يختص بمن صلى إلى سترة ، فينهى عن المرور بينه وبين السترة ، وهو قول ابن المنذر . وقال أصحاب الشافعي : لا يحرم المرور بين يدي المصلي إلى غير سترة ، بل يكره . وهل للمصلي إلى غير سترة أن يدفع المار بين يديه ؟ على وجهين لهم ، أصحهما : ليس له الدفع . والثالث : أن يكون مرور ابن عباس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بمنى كما في رواية مالك وغيره من أصحاب الزهري ، وحكم الحرم أنه يجوز المرور فيه بين يدي المصلي دون سائر البلدان - : قاله طائفة من أصحابنا ، وستأتي هذه المسألة فيما بعد حيث بوب البخاري عليها . وقد روي ما يخالف هذا ، وأن المار يرد بالأبطح ، فروى ابن لهيعة : حدثني حبان بن واسع ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد وأبي بشير الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم ذات يوم وامرأة بالبطحاء ، فأشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخري ، فرجعت حتى صلى ثم مرت . خرجه الإمام أحمد . وابن لهيعة ، حاله مشهور .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سترة الإمام سترة من خلفه · ص 276 أبواب سترة المصلي . ( باب سترة الإمام سترة من خلفه ) أي هذا باب في بيان كون سترة الإمام الذي يصلي ، وليس بين يديه جدار ، ونحوه سترة لمن كان يصلي خلفه من المصلين ، والسترة بضم السين ما يستر به ، والمراد هاهنا عكازة ، أو عصا ، أو عنزة ، ونحو ذلك ، وفي بعض النسخ قبل قوله : باب سترة الإمام أبواب سترة المصلي ، أي : هذه أبواب في بيان أحكام سترة المصلي . وجه المناسبة بين هذه الأبواب ، والأبواب التي قبلها من حيث إن الأبواب السابقة في أحكام المساجد بوجوهها ، وهذه الأبواب في بيان أحكام المصلين في غيرها ، وهي خمسة أبواب متناسقة . 142 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن عباس أنه قال : أقبلت راكبا على حمار أتان ، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار ، فمررت بين يدي بعض الصف ، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ، ودخلت في الصف ، فلم ينكر ذلك علي أحد . مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة تستنبط من قوله : إلى غير جدار ؛ لأن هذا اللفظ مشعر بأن ثمة سترة ؛ لأن لفظ غير يقع دائما صفة وتقديره : إلى شيء غير جدار ، وهو أعم من أن يكون عصا ، أو عنزة ، أو نحو ذلك ، وقال بعضهم : في الاستدلال بهذا الحديث نظر ؛ لأنه ليس فيه أنه صلى الله عليه وسلم صلى إلى سترة ، وقد بوب عليه البيهقي باب من صلى إلى غير سترة ، ( قلت ) : دليله لا يساعد نظره ؛ لأنه لم يقف على دقة الكلام ، والبيهقي أيضا لم يقف على هذه النكتة ، والبخاري دقق نظره فأورد هذا الحديث في هذا الباب للوجه الذي ذكرناه على أن ذلك معلوم من حال النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا الحديث بعينه بهذا الإسناد قد تقدم في كتاب العلم في باب متى يصح سماع الصغير ، غير أن هناك شيخه إسماعيل ، عن مالك ، وهاهنا عبد الله بن يوسف عنه ، وهناك حدثني مالك ، وهاهنا أخبرنا مالك ، وهناك فلم ينكر ذلك على صيغة المجهول مع طي ذكر الفاعل ، وهاهنا على صيغة المعلوم ، والفاعل هو قوله : أحد ، وقد ذكرنا مباحث هذا الحديث هناك مستوفاة .