23 - بَاب مَا نَدَّ مِنْ الْبَهَائِمِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْشِ وَأَجَازَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا أَعْجَزَكَ مِنْ الْبَهَائِمِ مِمَّا فِي يَدَيْكَ فَهُوَ كَالصَّيْدِ وَفِي بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَذَكِّهِ . وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ 5509 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى ؟ فَقَالَ : اعْجَلْ ، أَوْ أَرِنْ ، مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ ، وَسَأُحَدِّثُكَ : أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ . وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا . قَوْلُهُ ( بَابُ مَا نَدَّ ) أَيْ نَفَرَ ( مِنَ الْبَهَائِمِ ) أَيِ الْإِنْسِيَّةِ ( فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْشِ ) أَيْ فِي جَوَازِ عَقْرِهِ عَلَى أَيْ صِفَةٍ اتَّفَقَتْ ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ هَذَا التَّشْبِيهِ كَالتَّمْهِيدِ لِكَوْنِهَا تُشَارِكُ الْمُتَوَحِّشَ فِي الْحُكْمِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَنْفِرُ كَمَا يَنْفِرُ الْوَحْشُ لَا أَنَّهَا تُعْطَى حُكْمُهَا ، كَذَا قَالَ ، وَآخِرُ الْحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ ( وَأَجَازَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ) يُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ صَيْدِ الْقَوْسِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعُمَيْسِ ، عَنْ غَضْبَانَ بْنِ يَزِيدَ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَعْرَسَ رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ فَاشْتَرَى جَزُورًا فَنَدَّتْ فَعَرْقَبَهَا وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ ، فَأَمَرَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - أَنْ يَأْكُلُوا ، فَمَا طَابَتْ أنفعهم حَتَّى جَعَلُوا لَهُ مِنْهَا بِضْعَةً ثُمَّ أَتَوْهُ بِهَا فَأَكَلَ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا أَعْجَزَكَ مِنَ الْبَهَائِمِ مِمَّا فِي يَدَيْكَ فَهُوَ كَالصَّيْدِ ، وَفِي بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَذَكِّهِ مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَذَكِّهِ . أَمَّا الْأَثَرُ الْأَوَّلُ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ بِهَذَا قَالَ : فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ قَالَ : إِذَا وَقَعَ الْبَعِيرُ فِي الْبِئْرِ فَاطْعَنْهُ مِنْ قِبَلِ خَاصِرَتِهِ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ . قَوْلُهُ ( وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ ) أَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَاشِدٍ السَّلْمَانِيِّ قَالَ : كُنْتُ أَرْعَى مَنَائِحَ لِأَهْلِي بِظَهْرِ الْكُوفَةِ ، فَتَرَدَّى مِنْهَا بَعِيرٌ ، فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقَنِي بِذَكَاتِهِ فَأَخَذْتُ حَدِيدَةً فَوَجَأْتُ بِهَا فِي جَنْبِهِ أَوْ سَنَامِهِ ، ثُمَّ قَطَّعْتُهُ أَعْضَاءَ وَفَرَّقْتُهُ عَلَى أَهْلِي ، فَأَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوهُ ، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَقُمْتُ عَلَى بَابِ قَصْرِهِ فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : يَا لَبَّيْكَاهُ يَا لَبَّيْكَاهُ ، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَهُ ، فَقَالَ : كُلْ وَأَطْعِمْنِي . وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي أَثَرِ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ لَا يُذَكَّى بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبَايَةَ بِلَفْظِ تَرَدَّى بَعِيرٌ فِي رَكِيَّةٍ ، فَنَزَلَ رَجُلٌ لِيَنْحَرَهُ فَقَالَ : لَا أَقْدِرُ عَلَى نَحْرِهِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : اذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ اقْتُلْ شَاكِلَتَهُ - يَعْنِي خَاصِرَتَهُ - فَفَعَلَ وَأُخْرِجَ مُقَطَّعًا ، فَأَخَذَ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ عَشِيرًا بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ . وَأَمَّا أَثَرُ عَائِشَةَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بَعْدُ مَوْصُولًا ; وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنِ الْجُمْهُورِ ، وَخَالَفَهُمْ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَنُقِلَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَرَبِيعَةَ فَقَالُوا : لَا يَحِلُّ أَكْلُ الْإِنْسِيِّ إِذَا تَوَحَّشَ إِلَّا بِتَذْكِيَتِهِ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَبَّتِهِ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ رَافِعٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قِصَّةَ نَصْبِ الْقُدُورِ وَإِكْفَائِهَا وَذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ فِيهِ ( عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ خَدِيجٍ ) كَذَا فِيهِ نُسِبَ رِفَاعَةُ إِلَى جَدِّهِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ بِغَيْرِ نَقْصٍ فِيهِ . قَوْلُهُ ( فَقَالَ اعْجَلْ أَوْ أَرِنْ ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ النُّونِ ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ النُّونِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي هُنَا وَأَرِنِي بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ آخِرَهُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا حَرْفٌ طَالَمَا اسْتَثْبَتَ فِيهِ الرُّوَاةُ ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ أَهْلَ اللُّغَةِ فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُمْ مَا يَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ ، وَقَدْ طَلَبْتُ لَهُ مَخْرَجًا . فَذَكَرَ أَوْجُهًا : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّوَايَةِ بِكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ أَرَانَ الْقَوْمَ إِذَا هَـلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَهْلِكْهَا ذَبْحًا . ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّوَايَةِ بِسُكُونِ الرَّاءِ بِوَزْنِ أَعْطِ يَعْنِي انظروا نظروا نتظر بِمَعْنًى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَمَّنْ قَالَ : انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ أَيْ انْظِرُونَا ، أَوْ هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى أَدِمِ الْحَزَّ مِنْ قَوْلِكَ : رَنَوْتُ ، إِذَا أَدَمْتَ النَّظَرَ إِلَى الشَّيْءِ ، وَأَرَادَ أَدِمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ وَرَاعِهِ بِبَصَرِكَ . ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنْ قَوْلِكَ أَرِن يأرن إِذَا نَشِطَ وَخَفَّ ، كَأَنَّهُ فِعْلُ أَمْرٍ بِالْإِسْرَاعِ لِئَلَّا يَمُوتَ خَنْقًا وَرَجَّحَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ هَذَا الْوَجْهَ الْأَخِيرَ فَقَالَ : صَوَابُهُ أَرْئِنْ بِهَمْزَةٍ وَمَعْنَاهُ خِفَّ وَاعْجَلْ لِئَلَّا تَخْنُقَهَا ، فَإِنَّ الذَّبْحَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ احْتَاجَ صَاحِبُهُ إِلَى خِفَّةِ يَدٍ وَسُرْعَةٍ فِي إِمْرَارِ تِلْكَ الْآلَةِ وَالْإِتْيَانِ عَلَى الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ كُلِّهَا قَبْلَ أَنْ تَهْلَكَ الذَّبِيحَةُ بِمَا يَنَالُهَا مِنْ أَلَمِ الضَّغْطِ قَبْلَ قَطْعِ مَذَابِحِهَا . ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذَا الْحَرْفَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَذَكَرْتُ فِيهِ وُجُوهًا يَحْتَمِلُهَا التَّأْوِيلُ وَكَانَ قَالَ فِيهِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ تَصَحَّفَتْ ، وَكَانَ فِي الْأَصْلِ أَزَزَ بِالزَّايِ مِنْ قَوْلِكَ أَزَزَ الرَّجُلُ إِصْبَعَهُ إِذَا جَعَلَهَا فِي الشَّيْءِ ، وَأَزَزَتِ الْجَرَادَةُ أَزَزًا إِذَا أَدْخَلَتْ ذَنَبَهَا فِي الْأَرْضِ ، وَالْمَعْنَى شُدَّ يَدَكَ عَلَى النَّحْرِ . وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَقْرَبُ الْجَمِيعِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : عَرَضْتُ كَلَامَ الْخَطَّابِيِّ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ النَّقْدِ فَقَالَ : أَمَّا أَخْذُهُ مِنْ أَرَانَ الْقَوْمَ فَمُعْتَرَضٌ لِأَنَّ أَرَانَ لَا يَتَعَدَّى وَإِنَّمَا يُقَالُ أَرَانَ هُوَ وَلَا يُقَالُ أَرَانَ الرَّجُلُ غَنَمَهُ . وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي صَوَّبَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ وَكَأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُسَاعِدُهُ . وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي جَعَلَهُ أَقْرَبَ الْجَمِيعِ فَهُوَ أَبْعَدُهَا لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ بِهِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ أَرِنِي فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ ، وَمِثْلُهُ فِي مُسْلِمٍ لَكِنِ الرَّاءَ سَاكِنَةٌ قَالَ : وَأَفَادَنِي بَعْضُهُمْ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي مُسْنَدِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَضْبُوطَةً هَكَذَا أَرِنِي أَوِ اعْجَلْ ، فَكَأَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ فِي أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَالْمَقْصُودُ الذَّبْحُ بِمَا يُسْرِعُ الْقَطْعَ وَيُجْرِي الدَّمَ ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ أَنْ أَرِنْ بِمَعْنَى اعْجَلْ وَأَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَضَبَطَ اعْجَلْ بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَرْنِي بِسُكُونِ الرَّاءِ وَبَعْدَ النُّونِ يَاءٌ أَيْ أَحْضِرْنِي الْآلَةَ الَّتِي تَذْبَحُ بِهَا لِأَرَاهَا ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَوِ اعْجَلْ ، وَأَوْ تَجِيءُ لِلْإِضْرَابِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ إِحْضَارُ الْآلَةِ فَيَتَأَخَّرُ الْبَيَانُ فَعُرِفَ الْحُكْمُ فَقَالَ : اعْجَلْ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ إِلَخْ ، قَالَ : وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الشَّكِّ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ هَلْ هِيَ بِوَزْنِ أَعْطِ أَوْ بِوَزْنِ أَطِعْ أَوْ هِيَ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمَعْنَى أَدِمِ الْحَزَّ مِنْ رَنَوْتَ إِذَا أَدَمْتَ النَّظَرَ ، وَعَلَى الثَّانِي أَهْلِكْهَا ذَبْحًا مِنْ أَرَانَ الْقَوْمَ إِذَا هَـلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى كُنْ ذَا شَاةٍ هَالِكَةٍ إِذَا أَزْهَقْتَ نَفْسَهَا بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ . قُلْتُ : وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ . وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ فَمَعْنَاهُ أَرِنِي سَيَلَانَ الدَّمِ ، وَمَنْ سَكَّنَ الرَّاءَ اخْتَلَسَ الْحَرَكَةَ ، وَمَنْ حَذَفَ الْيَاءَ جَازَ ، وَقَوْلُهُ : وَاعْجَلْ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْعَجَلَةِ أَيِ اعْجَلْ لَا تَمُوتُ الذَّبِيحَةُ خَنْقًا قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِصِيغَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ أَيْ لِيَكُنِ الذَّبْحُ أَعْجَلَ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، قُلْتُ : وَهَذَا وَإِنْ تَمَشَّى عَلَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بِتَقْدِيمِ لَفْظِ أَرِنِي عَلَى أعْجَلْ لَمْ يَسْتَقِمْ عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِتَأْخِيرِهَا ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ فِي رِوَايَةِ أَرْنِ بِسُكُونِ الرَّاءِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَرْنَانِي حُسْنَ مَا رَأَيْتُهُ أَيْ حَمَلَنِي عَلَى الرُّنُوِّ إِلَيْهِ ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَحْسِنِ الذَّبْحَ حَتَّى تُحِبَّ أَنْ نَنْظُرَ إِلَيْكَ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ إِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَقَدْ سَبَقَتْ مَبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفَاةً قَبْلُ ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ مِمَّا هُنَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا نَدَّ مِنْ الْبَهَائِمِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْشِ · ص 554 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش · ص 119 ( باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش ) أي هذا باب في بيان حكم ما ند أي نفر من البهائم فهو أي الذي ند بمنزلة الوحش أي في جواز عقره كيف ما اتفق . ( وأجازه ابن مسعود ) أي أجاز عبد الله بن مسعود كون حكم ما ند من البهائم كحكم الحيوان الوحشي في العقر كيف ما كان ، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ما يؤدي هذا المعنى قال : حدثني وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة : أن حمارا لأهل عبد الله ضرب رجل عنقه بالسيف ، فسئل عبد الله فقال : كلوه فإنما هو صيد .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش · ص 120 ( وقال ابن عباس : ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو كالصيد ، وفي بعير تردى في بئر من حيث قدرت عليه فذكه ) هذان أثران معلقان ، وصل الأول ابن أبي شيبة من طريق عكرمة عنه بهذا قال : فهو بمنزلة الصيد ، ووصل الثاني عبد الرزاق عن عكرمة عنه قال : إذا وقع البعير في البئر فاطعنه من قبل خاصرته واذكر اسم الله وكل ، قوله : " مما في يديك " أي مما كان لك وفي تصرفك وعجزت عن ذبحه المعهود .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش · ص 120 ( ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة ) " ذلك " إشارة إلى ما ذكر من أن حكم البهيمة التي تند مثل حكم الحيوان الوحشي ، فرأى ذلك علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمر ، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم ، فأثر علي رضي الله تعالى عنه رواه أبو بكر ، عن حفص ، عن جعفر ، عن أبيه : أن ثورا مر في بعض دور المدينة فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله قال : فسئل عنه علي فقال : ذكاة وأمرهم بأكله . وأثر عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أخرجه عبد الرزاق ، عن شعبة وسفيان كلاهما ، عن سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رافع بن خديج عنه ، وأثر عائشة ذكره ابن حزم فقال : هو أيضا قول عائشة ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف ، قال : وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأبي ثور وأحمد وإسحاق وأصحابهم وأصحابنا ، وقال مالك : لا يجوز أن يذكي أصلا إلا في الحلق واللبة ، وهو قول الليث وربيعة ، وقال ابن بطال : وقال سعيد بن المسيب : لا تكون ذكاة كل إنسي إلا بالذبح والنحر ، وإن شرد لا يحل إلا بما يحل به الصيد .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش · ص 120 41 - حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان ، حدثنا أبي ، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج ، عن رافع بن خديج قال : قلت : يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مدا ، فقال : اعجل أو أرن ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر ، وسأحدثك أما السن فعظم ، وأم الظفر فمدى الحبشة ، وأصبنا نهب إبل وغنم فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعمرو بن علي بن بحر البصري الصيرفي ، ويحيى القطان ، وسفيان هو الثوري يروي عن أبيه سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن خديج ، يروي عن جده رافع بن خديج ، كذا وقع في رواية كريمة ، وفي رواية غيره عن عباية بن رافع بن خديج فنسبه إلى جده . والحديث مضى عن قريب في باب التسمية على الذبيحة ، فإنه أخرجه هناك عن موسى بن إسماعيل ، عن أبي عوانة ، عن سعيد بن مسروق وهو أبو سفيان الثوري ، عن عباية إلى آخره ، ومضى الكلام فيه . قوله : فقال اعجل أو أرن شك من الراوي ؛ أي قال اعجل أو قال أرن ، واعجل بكسر الهمزة وسكون العين وفتح الجيم أمر من العجلة ، ثم إن الرواة اختلفوا في ضبط أرن ففي رواية كريمة بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون ، وكذا ضبطه الخطابي في ( سنن أبي داود ) ، وفي رواية أبي ذر بسكون الراء وكسر النون ، وفي رواية الإسماعيلي أرني بإثبات الياء ، وفي رواية ذكرها الخطابي فقال : قوله : اعجل أو أرن صوابه ائرن بوزن اعجل من أرن يأرن إذا خف ؛ أي اعجل ذبحها لئلا تموت حتفا ، ووجه الخطابي وجها آخر وهو ائزز من أزز الرجل إصبعه في الشيء إذا أدخلها فيه ، وأززت الجرادة إذا أدخلت ذنبها في الأرض ، وادعى أن غيره تصحيف وأن هذا هو الصواب . قلت : قد أطال الشراح هنا كلاما كثيرا أكثره على خلاف القواعد الصرفية ، ولم يذكر أحد منهم كيف إعراب ما أنهر الدم فنقول بعون الله وتوفيقه هنا أوجه : الوجه الأول : رواية كريمة أرن بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون على وزن أفل لأن عين الفعل حذفت في الأمر لأنه أمر من أران يرين ، والأمر أرن كأطع من أطاع يطيع ، يقال : أرأنت القوم إذا هلكت مواشيهم ، والمعنى هنا أهلك الذي تذبحه بما أنهر الدم وحرف الصلة محذوف . الوجه الثاني : رواية أبي ذر ارن بسكون الراء وكسر النون قال بعضهم بوزن اعط بمعنى أدم الحز من قولك رنوت إذا أدمت النظر إلى الشيء ، ( قلت ) : هذا غلط فاحش لأن رنوت من باب رنا يرنو رنوا من باب نصر ينصر ، والأمر فيه لا يأتي إلا ارن بضم الهمزة وسكون الراء مثل انصر وليس هو الأمر من أرنى يرني من باب أفعل ، والأمر منه أرن بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر النون ، والمعنى على هذا أنظر ما أنهر الدم إلى الذي تذبحه فيكون محل ما أنهر الدم نصبا على أنه مفعول أنظر من الإنظار . الوجه الثالث : رواية الإسماعيلي أرني هو مثل ما قبله غير أن النون لما أشبعت بالكسرة تولدت منها الياء . الوجه الرابع : ما قال الخطابي وهو : ائزز بكسر الهمزة الأولى وسكون الثانية وفتح الزاي الأولى إن كان من باب أزز مثل علم فلا يجيء الأمر منه إلا ائزز مثل اعلم ، وإن كان من أزز الشيء من باب نصر ينصر يكون الأمر منه اؤزز بضم الهمزة الأولى وسكون الثانية وضم الزاي الأولى فمعنى الباب الأول الإغراء والتهييج ومعنى الباب الثاني ضم بعض الشيء إلى بعض .