106 - بَاب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ 516 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ حَمْلَ الْمُصَلِّي الْجَارِيَةَ إِذَا كَانَ لَا يَضُرُّ الصَّلَاةَ فَمُرُورُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يَضُرُّ ؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا أَشَدُّ مِنْ مُرُورِهَا . وَأَشَارَ إِلَى نَحْوِ هَذَا الِاسْتِنْبَاطِ الشَّافِعِيُّ ، لَكِنَّ تَقْيِيدَ الْمُصَنِّفِ بِكَوْنِهَا صَغِيرَةً قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْكَبِيرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ : سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُ : سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ ) الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ بِالتَّنْوِينِ وَنَصْبِ أُمَامَةَ ، وَرُوِيَ بِالْإِضَافَةِ كَمَا قُرِئَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَتَخْصِيصُ الْحَمْلِ فِي التَّرْجَمَةِ بِكَوْنِهِ عَلَى الْعُنُقِ - مَعَ أَنَّ السِّيَاقَ يَشْمَلُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ - مَأْخُوذٌ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُصَرِّحَةٍ بِذَلِكَ وَهِيَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ فَزَادَ فِيهِ : عَلَى عَاتِقِهِ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ : عَلَى رَقَبَتِهِ . وأُمَامَةُ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ تَخْفِيفَ الْمِيمَيْنِ - كَانَتْ صَغِيرَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَتَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهَا وَلَمْ تُعْقِبْ . قَوْلُهُ : ( وَلِأَبِي الْعَاصِ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ : بِنْتُ زَيْنَبَ بِمَعْنَى اللَّامِ ، فَأَظْهَرَ فِي الْمَعْطُوفِ وَهُوَ قَوْلُهُ : وَلِأَبِي الْعَاصِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ . انْتَهَى . وَأَشَارَ ابْنُ الْعَطَّارِ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ كَوْنُ وَالِدِ أُمَامَةَ كَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْرِكًا ، فَنُسِبَتْ إِلَى أُمِّهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إِلَى أَشْرَفِ أَبَوَيْهِ دِينًا وَنَسَبًا . ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ أَبِي الْعَاصِ تَبْيِينًا لِحَقِيقَةِ نَسَبِهَا . انْتَهَى . وَهَذَا السِّيَاقُ لِمَالِكٍ وَحْدَهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَنَسَبُوهَا إِلَى أَبِيهَا ثُمَّ بَيَّنُوا أَنَّهَا بِنْتُ زَيْنَبَ كَمَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ : يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ - وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَاتِقِهِ . قَوْلُهُ : ( ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ) كَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، وَمَعْنُ بْنِ عِيسَى ، وَأَبُو مُصْعَبٍ وَغَيْرُهُمْ عَنْ مَالِكٍ ، فَقَالُوا : ابْنُ الرَّبِيعِ وَهُوَ الصَّوَابُ . وَغَفَلَ الْكِرْمَانِيُّ ، فَقَالَ : خَالَفَ الْقَوْمُ الْبُخَارِيَّ فَقَالَ : رَبِيعَةُ ، وَعِنْدَهُمُ الرَّبِيعُ ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، كَالْبُخَارِيِّ فَالْمُخَالَفَةُ فِيهِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَالِكٍ ، وَادَّعَى الْأَصِيلِيُّ أَنَّهُ ابْنُ الرَّبِيعِ بْنِ رَبِيعَةَ ، فَنَسَبَهُ مَالِكٌ مَرَّةً إِلَى جَدِّهِ ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا لِإِطْبَاقِ النَّسَّابِينَ عَلَى خِلَافِهِ . نَعَمْ قَدْ نَسَبَهُ مَالِكٌ إِلَى جَدِّهِ فِي قَوْلِهِ : ابْنُ عَبْدِ شَمْسٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، أَطْبَقَ عَلَى ذَلِكَ النَّسَّابُونَ أَيْضًا ، وَاسْمُ أَبِي الْعَاصِ لَقِيطٌ ، وَقِيلَ : مِقْسَمٌ ، وَقِيلَ : الْقَاسِمُ ، وَقِيلَ : مِهْشَمٌ ، وَقِيلَ : هُشَيْمٌ ، وَقِيلَ : يَاسِرٌ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ . أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَهَاجَرَ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَتَهُ زَيْنَبَ ، وَمَاتَتْ مَعَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا ) كَذَا لِمَالِكٍ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَمُحَمَّدِ بْنُ عِجْلَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعُمَيْسِ كُلُّهُمْ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ شَيْخِ مَالِكٍ ، فَقَالُوا : إِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ : حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ قَامَ وَأَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ فِعْلَ الْحَمْلِ وَالْوَضْعِ كَانَ مِنْهُ لَا مِنْهَا ، بِخِلَافِ مَا أَوَّلَهُ الْخَطَّابِيُّ حَيْثُ قَالَ : يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الصبية كَانَتْ قَدْ أَلِفَتْهُ ، فَإِذَا سَجَدَ تَعَلَّقَتْ بِأَطْرَافِهِ وَالْتَزَمَتْهُ فَيَنْهَضُ مِنْ سُجُودِهِ فَتَبْقَى مَحْمُولَةً كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَرْكَعَ فَيُرْسِلَهَا . قَالَ : هَذَا وَجْهُهُ عِنْدِي . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ لَفْظَ حَمَلَ لَا يُسَاوِي لَفْظَ وَضَعَ فِي اقْتِضَاءِ فِعْلِ الْفَاعِلِ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : فَلَانٌ حَمَلَ كَذَا ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ حَمَلَهُ ، بِخِلَافِ وَضَعَ ، فَعَلَى هَذَا فَالْفِعْلُ الصَّادِرُ مِنْهُ هُوَ الْوَضْعُ لَا الرَّفْعُ فَيَقِلُّ الْعَمَلُ . قَالَ : وَقَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ هَذَا حَسَنًا إِلَى أَنْ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ : فَإِذَا قَامَ أَعَادَهَا . قُلْتُ : وَهِيَ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ . وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا أَصْرَحُ فِي ذَلِكَ وَهِيَ : ثُمَّ أَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ : وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عَلَى رَقَبَتِهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالَّذِي أَحْوَجَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ فِي النَّافِلَةِ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ فِي فَرِيضَةٍ . وَسَبَقَهُ إِلَى اسْتِبْعَادِ ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ ، وَعِيَاضٌ ، لِمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَؤُمُّ النَّاسَ وأُمَامَةُ عَلَى عَاتِقِهِ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : إِمَامَتُهُ بِالنَّاسِ فِي النَّافِلَةِ لَيْسَتْ بِمَعْهُودَةٍ . وَلِأَبِي دَاوُدَ : بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظُّهْرِ - أَوِ الْعَصْرِ - وَقَدْ دَعَاهُ بِلَالٌ إِلَى الصَّلَاةِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا وأُمَامَةُ عَلَى عَاتِقِهِ ، فَقَامَ فِي مُصَلَّاهُ فَقُمْنَا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ فَكَبَّرْنَا وَهِيَ فِي مَكَانِهَا ، وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَتَبِعَهُ السُّهَيْلِيُّ الصُّبْحُ ، وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ لِلصَّحِيحَيْنِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَرَوَى أَشْهَبُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ حَيْثُ لَمْ يَجِد مَنْ يَكْفِيهِ أَمْرَهَا . انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَبَكَتْ وَشَغَلَتْ سِرَّهُ فِي صَلَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ شُغْلِهِ بِحَمْلِهَا . وَفَرَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : إِنْ وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ أَمْرَهَا جَازَ فِي النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ جَازَ فِيهِمَا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ . قُلْتُ : رَوَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَقِبَ رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِهِ ، لَكِنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ ، وَلَفْظُهُ : قَالَ التِّنِّيسِيُّ : قَالَ مَالِكٌ : مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَعَلَّهُ نُسِخَ بِتَحْرِيمِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَبِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَطْعًا بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ . وَذَكَرَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَوْنِهِ كَانَ مَعْصُومًا مِنْ أَنْ تَبُولَ وَهُوَ حَامِلُهَا ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ وَبِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ فِي أَمْرٍ ثُبُوتُهُ فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ . وَحَمَلَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مُتَوَالٍ لِوُجُودِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي أَرْكَانِ صَلَاتِهِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : ادَّعَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ ، وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ ، وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ لِضَرُورَةٍ ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ طَاهِرٌ ، وَمَا فِي جَوْفِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ، وَثِيَابُ الْأَطْفَالِ وَأَجْسَادُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ النَّجَاسَةُ ، وَالْأَعْمَالُ فِي الصَّلَاةِ لَا تُبْطِلُهَا إِذَا قَلَّتْ أَوْ تَفَرَّقَتْ ، وَدَلَائِلُ الشَّرْعِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ . وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي حَمْلِهِ أُمَامَةَ فِي الصَّلَاةِ دَفْعًا لِمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَأْلَفُهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْبَنَاتِ وَحَمْلِهِنَّ ، فَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي رَدْعِهِمْ ، وَالْبَيَانُ بِالْفِعْلِ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَرْجِيحِ الْعَمَلِ بِالْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ . وَلِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ هُنَا بَحْثٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ لَا عُمُومَ لَهَا ، وَعَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَعَلَى أَنَّ لَمْسَ الصِّغَارِ الصَّبَايَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الطَّهَارَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِنَّ ، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ حَمَلَ آدَمِيًّا ، وَكَذَا مَنْ حَمَلَ حَيَوَانًا طَاهِرًا ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْمُسْتَجْمِرِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمَامَةُ كَانَتْ حِينَئِذٍ قَدْ غَسَلَتْ ، كَمَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمَسُّهَا بِحَائِلٍ . وَفِيهِ تَوَاضُعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَفَقَتُهُ عَلَى الْأَطْفَالِ ، وَإِكْرَامُهُ لَهُمْ جَبْرًا لَهُمْ وَلِوَالِدَيْهِمْ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلَاةِ · ص 703 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه · ص 719 106 - باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه 516 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأبي العاص بن ربيعة ابن عبد شمس ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها أمامة ، هذه التي حملها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته هي بنت ابنته زينب ، وأبوها : أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف ، وأم أبي العاص : هالة بنت خويلد ، أخت خديجة بنت خويلد . وفي رواية مالك لهذا الحديث : أبو العاص بن ربيعة ، وكذا رواه عامة رواة الموطأ عنه . والصواب : ابن الربيع . وقد خرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك على الصواب . وأمامة ، تزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة عليها السلام . وقد خرج مسلم هذا الحديث من طريق مالك . وخرجه - أيضا - من طريق سفيان بن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان ، سمعا عامر بن عبد الله بن الزبير يحدث ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة ابنة أبي العاص - وهي بنت زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم - على عاتقه ، فإذا ركع وضعها ، وإذا رفع من السجود أعادها . ومن طريق ابن وهب : أخبرني مخرمة ، عن أبيه ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، قال : سمعت أبا قتادة الأنصاري يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي للناس ، وأمامة ابنة أبي العاص على عنقه ، فإذا سجد وضعها . ومن طريق سعيد المقبري ، عن عمرو بن سليم ، سمع أبا قتادة يقول : بينا نحن في المسجد جلوس ، خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، غير أنه لم يذكر أنه أم الناس في تلك الصلاة . وخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق ، عن المقبري ، عن عمرو بن سليم ، عن أبي قتادة ، قال : بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر ، وقد دعاه بلال للصلاة ، خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عاتقه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاه ، فقمنا خلفه ، وهي في مكانها الذي هي فيه ، قال : فكبر فكبرنا . قال : حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركع أخذها فوضعها ، ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها ، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته . وخرج الزبير بن بكار في كتابه الجمهرة بإسناد له عن عمرو بن سليم الزرقي ، أن الصلاة التي صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحمل أمامة صلاة الصبح . وهو مرسل ، ضعيف الإسناد . فمجموع هذه الروايات يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح الصلاة بالناس إماما لهم في صلاة الفريضة ، وهو حامل أمامة ، وأنه كان إذا ركع وسجد وضعها بالأرض ، فإذا قام إلى الركعة الثانية عاد إلى حملها إلى أن فرغ من صلاته . والحديث نص صريح في جواز مثل هذا العمل في الصلاة المكتوبة ، وأن ذلك لا يكره فيها ، فضلا عن أن يبطلها . وقد أخذ بذلك كثير من العلماء أو أكثرهم : فقال الحسن والنخعي : ترضع المرأة جنينها وهي تصلي . خرجه الأثرم عنهما بإسناد صحيح . وروى - أيضا - بإسناد صحيح ، عن ابن مسعود ، أنه ركع ثم سجد ، فسوى الحصى ثم خبطه بيده . قال الأثرم : وسئل أبو عبد الله - يعني : أحمد - عن الرجل يكبر للصلاة وبين يديه رمح منصوب ، فيريد أن يسقط فيأخذه فيركزه مرة أخرى - وقيل له : حكوا عن ابن المبارك أنه أمر رجلا صنع هذا أن يعيد التكبير - ؟ فقال : أرجو أن لا يكون به بأس أن لا يعيد التكبير ، ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي الفرض بالناس وأمامة على عاتقه . قال : وسمعت أبا عبد الله سئل : أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي ؟ قال : نعم . قال : وأخبرني محمد بن داود المصيصي ، قال : رأيت أبا عبد الله رأى رجلا قد خرج عن الصف ، فرده وهو في الصلاة . قال : وربما رأيته يسوي نعليه برجليه في الصلاة . وقال الجوزجاني في كتابه المترجم : حدثني إسماعيل بن سعيد ، قال : سألت أحمد بن حنبل عمن حمل صبيا ووضعه في صلاته ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : صلاته جائزة . قلت له : فمن فعل في صلاته فعلا كفعل أبي برزة حين مشى إلى الدابة ، فأخذها حين انفلتت منه ، وهو في صلاته ؟ فقال : صلاته جائزة . وبه قال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - وأبو خيثمة . وقال ابن أبي شيبة : من فعل ذلك على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم رجونا أن تكون صلاته تامة . قال : ويجزئ عمن فعل كفعل أبي برزة في صلاته . قال الجوزجاني : وأقول : إن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم نجاة لا رجاء ، وإنما الرجاء في اتباع غيره فيما لم يكن عنه صلى الله عليه وسلم . ثم خرج حديث أبي قتادة في حمل أمامة بإسناده . ومراده : الإنكار على ابن أبي شيبة في قوله : أرجو ، وأن مثل هذا لا ينبغي أن يكون فيه رجاء ؛ فإنه اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك نجاة وفلاح . وحديث أبي برزة في اتباع فرسه وأخذها في صلاته ، قد خرجه البخاري ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى . وحكى ابن المنذر عن الشافعي وأبي ثور جواز حمل الصبي في الصلاة المفروضة . وإذا عرفت هذا تبين لك ضعف ما قاله ابن عبد البر : إنه لا نعلم خلافا أن هذا العمل في الصلاة مكروه ، ولم يحك كراهته عن أحد إلا عن مالك ، فإنه قال : ذكر أشهب عن مالك ، أن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة النافلة ، وأن مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة ، وحكى عن بعض أهل العلم أنه لا يحب لأحد فعل ذلك في صلاته ، ولا يرى عليه إعادة به . وقد تبين أن أكثر العلماء أجازوه من غير كراهة ، وتخصيصه بالنافلة مردود بالنصوص المصرحة بأنه فعل ذلك في الفريضة ، وهو يؤم الناس فيها . وروى الإسماعيلي في صحيحه من حديث عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، أنه قال - بعد روايته هذا الحديث - : من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ناسخ ومنسوخ ، وليس العمل على هذا . ومالك إنما يشير إلى عمل من لقيه من فقهاء أهل المدينة خاصة كربيعة ونحوه ، وقد عمل به فقهاء أهل العراق كالحسن والنخعي ، وفقهاء أهل الحديث ، ويتعذر على من يدعي نسخه الإتيان بنص ناسخ له . وقد رخص عطاء في ذلك - أيضا - : قال عبد الرزاق : عن ابن جريج ، قلت لعطاء : امرأة يبكي ابنها وهي في الصلاة أتتوركه : قال : نعم : قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ حسنا في الصلاة فيحمله حتى إذا سجد وضعه . قلت : في المكتوبة ؟ قال : لا أدري . وقال حرب الكرماني : ثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمر بن علي : ثنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء في الرجل يصلي ومعه المتاع بين يديه ، فيتقدم الصف أو يتأخر فيحني ظهره ، فيقدم متاعه أو يؤخره ؟ قال : لا بأس به . قال حرب : قلت لأحمد : الرجل يكون في الصلاة فيسقط رداؤه عن ظهره ، أيحمله ؟ قال : أرجو أن لا يضيق ذلك . قلت : فيفتح الباب بحيال القبلة ؟ قال : في التطوع . قال حرب : وثنا المسيب بن واضح ، قال : سمعت ابن المبارك سئل عن الرجل يكون معه الثوب أو غيره ، فيضعه بين يديه في الصلاة ، فيتقدم الصفوف ، أو يتأخر فيتناول ذلك الشيء ، ويتقدم ويتأخر ؟ قال : لا بأس بذلك . قيل : وما وقت ما يمشي المصلي في صلاته ؟ قال : ما لا يخرج إلى حد المشي . وقال الخطابي : في هذا الحديث من الفقه أن من صلى وعلى ظهره أو عاتقه كارة أو نحوها لم تبطل صلاته ، ما لم يحتج لإمساكه إلى عمل كثير ، أو التزام له ببعض أعضائه . قال : ويشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعمد لحملها ؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته وعن الخشوع فيها ، وأنها كانت إذا سجد جاءت فتعلقت بأطرافه والتزمته ، فينهض من سجوده فيخليها وشأنها ، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع ، فيرسلها إلى الأرض ، حتى إذا سجد وأراد النهوض عاد إلى مثله . قلت : هذا تبطله الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه خرج على الناس وهو حاملها ، ثم صلى لهم وهو حاملها . وفي حديث أبي قتادة : دليل على أن حمل الجارية الصغيرة في الصلاة ووضعها ليس بمبطل للصلاة ، ولا هو بداخل فيما يبطل الصلاة من مرور المرأة بين يدي المصلي ؛ فإن هذا ليس بمرور ، وأكثر ما فيه أنه كان يضعها بين يديه ، وليس هذا بأكثر من صلاته إلى عائشة وهي معترضة بين يديه ، بل هذا أهون ؛ لأن ذلك لم يكن يستمر في جميع صلاته . وأيضا ؛ فهذه صغيرة لَمْ تكن بلغت حينئذ . وقد سبق فِي حَدِيْث أن زَيْنَب بِنْت أم سَلَمَة مرت بَيْن يدي النبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يصلي ، فلم يقطع صلاته ، وكانت زينب حينئذ صغيرة ، وأن المرأة إذا أطلقت لم يرد بها إلا المرأة البالغ . وهذا هو المعنى الذي بوب البخاري عليه هنا ، وخرج الحديث لأجله . وفيه - أيضا - : دليل على طهارة ثياب الأطفال ؛ فإنه لو كان محكوما بنجاستها لم يصل وهو حامل لأمامة . وقد نص الشافعي وغيره على طهارتها ، ومن أصحاب الشافعي من حكى لهم قولين في ذلك . ومنع ابن أبي موسى من أصحابنا من الصلاة في ثيابهم حتى تغسل ؛ لأنهم لا يتنزهون من البول . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة : ثنا مندل : ثنا إسماعيل بن مسلم ، عن الحارث العكلي ، عن إبراهيم النخعي ، قال : كانوا يكرهون أن يصلوا في ثياب الصبيان . إسناده ضعيف . وقد كره الصلاة في ثيابهم كثير من أصحابنا ، وحكي مثله عن الحسن ، ورخص فيه آخرون ، وهو اختيار بعض أصحابنا ، وهذا أصح ، وهذا الحديث نص في ذلك . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة · ص 301 ( باب من حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة ) أي هذا باب في بيان من حمل جارية صغيرة على عنقه ، يعني لا تفسد صلاته ، وقال ابن بطال : أدخل البخاري هذا الحديث هنا ليدل أن حمل المصلي الجارية على العنق لا يضر صلاته ؛ لأن حملها أشد من مرورها بين يديه ، فلما لم يضر حملها ، كذلك لا يضر مرورها ، ( قلت ) : فلذلك ترجم هذا الباب بهذه الترجمة ، وبينه وبين هذه الأبواب التي قبله مناسبة من هذا الوجه . 165 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال: أخبرنا مالك ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ( فإن قلت ) : أين الظهور ، وقد خصص الحمل بكونه على العنق ، ولفظ الحديث أعم من ذلك ، ( قلت ) : كأنه أشار بذلك إلى أن الحديث له طرق أخرى منها لمسلم من طريق بكير بن الأشج عن عمرو بن سليم ، وصرح فيه على عنقه ، وكذا في رواية أبي داود وفي رواية له ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه ) ، وفي رواية لأحمد من طريق ابن جريج على رقبته . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ، الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام . الرابع : عمرو بن سليم ، بضم السين ، الزرقي ، بضم الزاي ، وفتح الراء ، وهو في الأنصار نسبة إلى زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن عصب بن جشم بن الخزرج . الخامس : أبو قتادة الأنصاري ، واسمه الحارث بن ربعي السلمي ، وقال ابن الكلبي ، وابن إسحاق : اسمه النعمان ، قال الهيثم بن عدي : إن عليا صلى عليه بالكوفة في سنة ثمان وثلاثين . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، والإخبار كذلك في موضع ، والعنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه في رواية عبد الرزاق عن مالك سمعت أبا قتادة ، وكذا في رواية أحمد من طريق ابن جريج عن عامر عن عمرو بن سليم أنه سمع أبا قتادة ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن أبي الوليد الطيالسي ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن القعنبي ، ويحيى بن يحيى ، وقتيبة ، ثلاثتهم عن مالك به ، وعن قتيبة عن الليث به ، وعن ابن أبي عمر ، وعن سفيان بن عيينة ، وعن محمد بن المثنى ، عن أبي بكر الحنفي ، وعن أبي الطاهر بن السرح وهارون بن سعيد ، كلاهما عن ابن وهب به ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي به ، وعن قتيبة عن الليث به ، وعن محمد بن سلمة ، عن ابن وهب به ، وعن يحيى بن خلف ، عن عبد الأعلى ، عن محمد بن إسحاق ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، عن مالك به ، وعن قتيبة ، عن الليث به ، وعن قتيبة ، عن سفيان ، وعن محمد بن صدقة الحمصي ، عن محمد بن حرب . ( ذكر معناه وإعرابه ) : قوله : ( وهو حامل أمامة ) جملة اسمية في محل النصب على الحال ، ولفظ حامل بالتنوين ، وأمامة بالنصب ، وهو المشهور ويروى بالإضافة كما في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ بالوجهين في القراءة ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : قال النحاة ، فإن كان اسم الفاعل للماضي وجبت الإضافة فما وجه عمله ، ( قلت ) : إذا أريد به حكاية الحال الماضية جاز إعماله كما في قوله تعالى : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ وأمامة بضم الهمزة وتخفيف الميمين بنت زينب رضي الله تعالى عنها وكانت زينب أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت فاطمة أصغرهن ، وأحبهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها من خديجة سوى إبراهيم ، فإنه من مارية القبطية ، تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة ، قال الزهري : وكان عمره يومئذ إحدى وعشرين سنة ، وقيل : خمسا وعشرين سنة زمان بنيت الكعبة ، قاله الواقدي ، وزاد ولها من العمر خمس وأربعون سنة ، وقيل : كان عمره صلى الله عليه وسلم ثلاثين سنة وعمرها أربعين سنة ، فولدت له القاسم ، وبه كان يكنى ، والطاهر ، وزينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وفاطمة ، وتزوج بزينب أبو العاص بن الربيع فولدت منه عليا ، وأمامة هذه المذكورة في الحديث ، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة ، فولدت منه محمدا ، وكانت وفاة زينب في ثمان ، قاله الواقدي ، وقال قتادة : في أول سنة ثمان . قوله : ( ولأبي العاص ) بن الربيع بن عبد شمس ، وفي أحاديث ( الموطأ ) للدارقطني ، قال ابن نافع ، وعبد الله بن يوسف ، والقعنبي في رواية إسحاق عنه ، وابن وهب ، وابن بكير ، وابن القاسم ، وأيوب بن صالح ، عن مالك ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس ، وقال محمد بن الحسن : ولأبي العاص بن الربيع مثل قول معن ، وأبي مصعب ، وفي ( التمهيد ) رواه يحيى ، ولأبي العاص بن ربيعة بهاء التأنيث ، وتابعه الشافعي ومطرف ، وابن نافع ، والصواب ابن الربيع ، وكذا أصلحه ابن وضاح في رواية يحيى ، قال عياض : وقال الأصيلي : هو ابن ربيع بن ربيعة ، فنسبه مالك إلى جده ، قال عياض : وهذا غير معروف ، ونسبه عند أهل الأخبار باتفاقهم أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف ، وقال الكرماني : البخاري نسبه مخالفا للقوم من جهتين ، قال : ربيعة بحرف التأنيث ، وعندهم الربيع بدونه ، وقال : ربيعة بن عبد شمس ، وهم قالوا : ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ، ( قلت ) : لو اطلع الكرماني على كلام القوم لما قال نسبه البخاري مخالفا للقوم من جهتين ، على أن الذي عندنا في نسختنا : الربيع عبد شمس بالنسبة إلى جده ، واختلف في اسم أبي العاص قيل : ياسر ، وقيل : لقيط ، وقيل : مهشم ، وقال الزبير عن محمد بن الضحاك ، عن أبيه اسمه القاسم ، وهو أكثر في اسمه ، وقال أبو عمر : والأكثر لقيط ، ويعرف بجرو البطحاء ، وربيعة عمه ، وأم أبي العاص هدلة ، وقيل : هند بنت خويلد أخت خديجة رضي الله تعالى عنها لأبيها وأمها ، وأبو العاص أسلم قبل الفتح وهاجر ، ورد عليه السلام عليه ابنته زينب وماتت معه ، وقال ابن إسحاق : وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا ، وأمانة وتجارة ، وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه بابنتها زينب ، وكان لا يخالفها ، وكان ذلك قبل الوحي ، والإسلام فرق بينهما ، وقال ابن كثير : إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة ، وكان أبو العاص في غزوة بدر مع المشركين ، ووقع في الأسر ، وقال ابن هشام : وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام ، وقال ابن إسحاق عن عائشة : لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال ، وبعثت فيه بقلادة لها ، وكانت خديجة رضي الله تعالى عنها أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها ، قالت : فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة ، وقال : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا ، قالوا : نعم يا رسول الله ، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها ، وقال ابن إسحاق : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب ، يعني أن تهاجر إلى المدينة فوفى أبو العاص بذلك ، ولحقت بأبيها ، وأقام أبو العاص بمكة على كفره ، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة ، ثم آخر الأمر أسلم وخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئا ، وسنذكر حقيقة هذا الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى ، ( فإن قيل ) : ما اللام في لأبي العاص ؟ ( أجيب ) : بأن الإضافة في بنت زينب بمعنى اللام ، والتقدير : في بنت لزينب ، فأظهر هنا ما هو مقدر في المعطوف عليه . قوله : ( فإذا سجد وضعها ) ، وفي مسلم من طريق عثمان بن أبي سليمان ، ومحمد بن عجلان ، والنسائي من طريق الزبيدي ، وأحمد من طريق ابن جريج ، وابن حبان من طريق أبي العميس ، كلهم عن عامر بن عبد الله شيخ مالك ، فقالوا : إذا ركع وضعها ، وفي رواية أبي داود من طريق المقبري عن عمرو ابن سليم ( حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ، ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده فقام أخذها فردها في مكانها ) ( ذكر ما يستفاد منه ) : تكلم الناس في حكم هذا الحديث ، فقال النووي : هذا يدل لمذهب الشافعي ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي ، والصبية ، وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض ، وصلاة النفل ، ويجوز للإمام ، والمنفرد ، والمأموم ، ( قلت ) : أما مذهب أبي حنيفة في هذا ما ذكره صاحب ( البدائع ) في بيان العمل الكثير الذي يفسد الصلاة ، والقليل الذي لا يفسدها ، فالكثير ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين ، والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك ، وذكر لهما صورا حتى قال : إذا أخذ قوسا ورمى فسدت صلاته ، وكذا لو حملت امرأة صبيها فأرضعته لوجود العمل الكثير الذي يفسد الصلاة ، وأما حمل الصبي بدون الإرضاع ، فلا يوجب الفساد ، ثم روى الحديث المذكور ، ثم قال: وهذا الصنيع لم يكره منه صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان محتاجا إلى ذلك لعدم من يحفظها ، أو لبيان الشرع بالفعل ، وهذا غير موجب فساد الصلاة ، ومثل هذا أيضا في زماننا لا يكره لواحد منا لو فعل ذلك عند الحاجة ، أما بدون الحاجة فمكروه . انتهى ، وذكر أشهب عن مالك أن ذلك كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة النافلة ، وأن مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة ، وقال أبو عمر : حسبك بتفسير مالك ، ومن الدليل على صحة ما قاله في ذلك أني لا أعلم خلافا أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه ، وقال النووي : هذا التأويل فاسد ؛ لأن قوله : ( يؤم الناس ) صريح ، أو كالصريح في أنه كان في الفريضة ، ( قلت ) : هو ما رواه سفيان بن عيينة بسنده إلى أبي قتادة الأنصاري ، قال : ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس ، وأمامة بنت أبي العاص ، وهي بنت زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه ) ولأن الغالب في إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الفرائض دون النوافل ، وفي رواية أبي داود عن أبي قتادة صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : ( بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للصلاة في الظهر ، أو العصر ، وقد دعاه بلال للصلاة ، إذ خرج إلينا ، وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عنقه فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في مصلاه وقمنا خلفه ) الحديث ، وفي كتاب ( النسب ) للزبير بن بكار عن عمرو بن سليم أن ذلك كان في صلاة الصبح ، وقال النووي : وادعى بعض المالكية أنه منسوخ ، وقال الشيخ تقي الدين : هو مروي عن مالك أيضا ، وقال أبو عمر : ولعل هذا نسخ بتحريم العمل ، والاشتغال بالصلاة ، وقد رد هذا بأن قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن في الصلاة لشغلا ) كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة ، وإن قدوم زينب وبنتها إلى المدينة كان بعد ذلك ، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان فيه إثبات النسخ بمجرد الاجتهاد ، وروى أشهب ، وابن نافع ، عن مالك أن هذا كان للضرورة ، وادعى بعض المالكية أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ذكره القاضي عياض ، وقال النووي : وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة ، فإنه لا دليل عليها ، ولا ضرورة إليها ، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك ، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع ؛ لأن الآدمي طاهر ، وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته ، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة ، ودلائل الشرع متظاهرة على أن هذه الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت ، أو تفرقت ، وفعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هذا بيانا للجواز ، وتنبيها عليه ، ( قلت ) : وقد قال بعض أهل العلم : إن فاعلا لو فعل مثل ذلك لم أر عليه إعادة من أجل هذا الحديث ، وإن كنت لا أحب لأحد فعله ، وقد كان أحمد بن حنبل يجيز هذا ، قال الأثرم : سئل أحمد أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي ؟ قال : نعم ، واحتج بحديث أبي قتادة ، قال الخطابي : يشبه أن يكون هذا الصنيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عن قصد ، وتعمد له في الصلاة ، ولعل الصبية لطول ما ألفته واعتادته من ملابسته في غير الصلاة كانت تتعلق به حتى تلابسه وهو في الصلاة ، فلا يدفعها عن نفسه ، ولا يبعدها ، فإذا أراد أن يسجد وهي على عاتقه وضعها بأن يحطها ، أو يرسلها إلى الأرض حتى يفرغ من سجوده ، فإذا أراد القيام ، وقد عادت الصبية إلى مثل الحالة الأولى لم يدافعها ، ولم يمنعها حتى إذا قام بقيت محمولة معه ، هذا عندي وجه الحديث ، ولا يكاد يتوهم عليه صلى الله عليه وسلم أنه كان يتعمد لحملها ، ووضعها وإمساكها في الصلاة تارة بعد أخرى ، لأن العمل في ذلك قد يكثر فيتكرر ، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته ، وإذا كان علم الخميصة يشغله عن صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانية فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمر ، وفي ذلك بيان ما تأولناه ، وقال النووي بعد أن نقل ملخص كلام الخطابي : هذا الذي ذكره باطل ، ودعوى مجردة ، ومما يرد عليه قوله في ( صحيح مسلم ) : ( فإذا قام حملها ) وقوله : ( فإذا رفع من السجود أعادها ) . وقوله في غير رواية مسلم : ( خرج علينا حاملا أمامة ، فصلى ) ، وذكر الحديث ، وأما قضية الخميصة فلأنها تشغل القلب بلا فائدة ، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب ، وإن أشغله فيترتب عليه فوائد وبيان قواعد مما ذكرناه ، وغيره ، فاحتمل ذلك الشغل بهذه الفوائد بخلاف الخميصة ، فالصواب الذي لا معدل عنه أن الحديث كان لبيان الجواز ، والتنبيه على هذه الفوائد ، فهو جائز لنا ، وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين ، ( قلت ) : وجه آخر لرد كلام الخطابي قوله : ( فقام فأخذها فردها في مكانها ) ، وهذا صريح في أن فعل الحمل ، والوضع كان منه صلى الله عليه وسلم لا من أمامة ، وقال بعض أصحاب مالك : لأنه عليه السلام لو تركها لبكت وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها ، وفرق بعض أصحابه بين الفريضة ، والنافلة ، وقال الباجي : إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة ، وإن لم يجد جاز فيهما ، وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال لوجود الطمأنينة في أركان صلاته ، وقال الفاكهاني : كان السر في حمل أمامة في الصلاة دفعا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات ، وحملهن ، وخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم ، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول . ومن فوائد هذا الحديث جواز إدخال الصغار في المساجد ، ومنها جواز صحة صلاة من حمل آدميا ، وكذا من حمل حيوانا طاهرا ، ومنها أن فيه تواضع النبي عليه الصلاة والسلام وشفقته على الصغار وإكرامه لهم جبرا لهم ولوالديهم .