5729 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ - أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، فَدَعَاهُمْ ، فَاسْتَشَارَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بأرض الشَّامِ ، فَاخْتَلَفُوا : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ ، وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ ، فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُوا لِي الْأَنْصَارَ ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ ، فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ، فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ : فقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ : أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إن كَانَت لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خصيبة وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخصيبة رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ - فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، قَالَ : فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، الْحَدِيثُ الثَّانِي . حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَفِيهِ قِصَّةُ عُمَرَ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ ، ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ ) هُوَ بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمِيمِ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ شَيْخِهِ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ ، وَصَحَابِيَّانِ فِي نَسَقٍ ، وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ) أَيِ ابْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لِجَدِّ أَبِيهِ نَوْفَلٍ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُحْبَةٌ ، وَكَذَا لِوَلَدِهِ الْحَارِثِ ، وُوُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعُدَّ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ فَهُمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي نَسَقٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ يُلَقَّبُ بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ مُثْقَلَةٌ ، وَمَعْنَاهُ الْمُمْتَلِئُ الْبَدَنِ مِنَ النِّعْمَةِ ، وَيُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ . وَأَمَّا وَلَدُهُ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ وَافَقَ مَالِكًا عَلَى رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ هَكَذَا مَعْمَرٍ وَغَيْرِهِ وَخَالَفَهُمْ يُونُسُ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَسَاقَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَقَالَ : قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَابَعَ يُونُسُ ، صَالِحَ بْنَ نَصْرٍ ، عَنْ مَالِكٍ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَيُونُسَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَأَظُنُّ ابْنَ وَهْبٍ حَمَلَ رِوَايَةَ مَالِكٍ عَلَى رِوَايَةِ يُونُسَ ، قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرُ ، عَنْ مَالِكٍ كَالْجَمَاعَةِ ، لَكِنْ قَالَ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، زَادَ فِي السَّنَدِ : عَنْ أَبِيهِ ، وَهُوَ خَطَأٌ . قُلْتُ : وَقَدْ خَالَفَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ جَمِيعَ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَهِشَامٌ صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ فَرَوَاهُ تَارَةً هَكَذَا وَمَرَّةً أُخْرَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا ، وَلِابْنِ شِهَابٍ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ قَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ إِثْرَ هَذَا السَّنَدِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ) ذَكَرَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي الْفُتُوحِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ ، وَأَنَّ الطَّاعُونَ كَانَ وَقَعَ أَوَّلًا فِي الْمُحَرَّمِ وَفِي صَفَرٍ ثُمَّ ارْتَفَعَ ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الشَّامِ بَلَغَهُ أَنَّهُ أَشَدُّ مَا كَانَ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ . وَذَكَرَ خَلِيفَةَ بْنَ خَيَّاطٍ أَنَّ خُرُوجَ عُمَرَ إِلَى سَرْغَ كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا الطَّاعُونُ الَّذِي وَقَعَ بِالشَّامِ حِينَئِذٍ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى طَاعُونَ عَمَوَاسَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ ، وَحُكِيَ تَسْكِينُهَا وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ، قِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَمَّ وَوَاسَى . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ تَحْرِيكُ الرَّاءِ ، وَخَطَّأَهُ بَعْضُهُمْ : مَدِينَةٌ افْتَتَحَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَهِيَ وَالْيَرْمُوكُ وَالْجَابِيَةُ مُتَّصِلَاتٌ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ : إِنَّهُ وَادٍ بِتَبُوكَ ، وَقِيلَ : بِقُرْبِ تَبُوكَ ، وَقَالَ الْحَازِمِيُّ : هِيَ أَوَّلُ الْحِجَازِ ، وَهِيَ مِنْ مَنَازِلِ حَاجِّ الشَّامِ ، وَقِيلَ : بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً . قَوْلُهُ : ( لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ ) هُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ قَسَّمَ الْبِلَادَ بَيْنَهُمْ وَجَعَلَ أَمْرَ الْقِتَالِ إِلَى خَالِدٍ ، ثُمَّ رَدَّهُ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَسَّمَ الشَّامَ أَجْنَادًا : الْأُرْدُنُّ جُنْدٌ ، وَحِمْصُ جُنْدٌ ، وَدِمَشْقُ جُنْدٌ ، وَفِلَسْطِينُ جُنْدٌ ، وَقَنَّسْرِينُ جُنْدٌ ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جُنْدٍ أَمِيرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ قَنَّسْرِينَ كَانَتْ مَعَ حِمْصَ فَكَانَتْ أَرْبَعَةً ، ثُمَّ أُفْرِدَتْ قَنَّسْرِينُ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْوَجَعُ بَدَلَ الْوَبَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ عُمَرَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ سَمِعَ بِالطَّاعُونِ ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهَا ، فَإِنَّ كُلَّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ وَوَجَعٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ : اجْمَعْ لِي . قَوْلُهُ : ( ارْتَفِعُوا عَنِّي ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَأَمَرَهُمْ فَخَرَجُوا عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ ) ضُبْطُ مَشْيَخَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ بَيْنَهُمَا مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ . وَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ شَيْخٍ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى شُيُوخٍ بِالضَّمِّ ، وَبِالْكَسْرِ ، وَأَشْيَاخٌ ، وَشِيَخَةٌ بِكَسْرٍ ثُمَّ فَتْحٌ ، وَشِيخَانٌ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ ، وَمَشَايِخٌ ، وَمَشْيُخَاءُ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ ثُمَّ ضَمٍّ وَمَدٍّ ، وَقَدْ تُشْبَعُ الضَّمَّةُ حَتَّى تَصِيرَ وَاوًا فَتَتِمُّ عَشْرًا . قَوْلُهُ : ( مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ) أَيِ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ عَامَ الْفَتْحِ ، أَوِ الْمُرَادُ : مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ ، أَوْ أَطْلِقَ عَلَى مَنْ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ مُهَاجِرًا صُورَةً وَإِنْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ بَعْدَ الْفَتْحِ حُكْمًا قَدِ ارْتَفَعَتْ ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ احتِرَازًا عن غيرهم مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرْ أَصْلًا ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِمَنْ هَاجَرَ فَضْلًا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ وَإِنْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ الْفَاضِلَةُ فِي الْأَصْلِ إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ ، فَالَّذِي يُهَاجِرُ مِنْهَا لِلْمَدِينَةِ إِنَّمَا يُهَاجِرُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ أَوِ الْجِهَادِ لَا لِلْفِرَارِ بِدِينِهِ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْفَتْحِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( بَقِيَّةُ النَّاسِ ) أَيِ الصَّحَابَةُ ، أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُمْ ، أَيْ لَيْسَ النَّاسُ إِلَّا هُمْ ، وَلِهَذَا عَطَفَهُمْ عَلَى الصَّحَابَةِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِبَقِيَّةِ النَّاسِ أَيِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمُومًا ، وَالْمُرَادُ بِالصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَازَمُوهُ وَقَاتَلُوا مَعَهُ . قَوْلُهُ : ( فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ ) زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ فَإِنِّي مَاضٍ لِمَا أَرَى ، فَانْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَامْضُوا لَهُ ، قَالَ : فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرٍ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ) وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الشَّامِ ( أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ) ؟ أَيِ أَتَرْجِعُ فِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَمِنَ الْمَوْتِ نَفِرُّ ؟ إِنَّمَا نَحْنُ بِقَدْرٍ ، لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ) أَيْ لَعَاقَبْتُهُ ، أَوْ لَكَانَ أَوْلَى مِنْكَ بِذَلِكَ ، أَوْ لَمْ أَتَعَجَّبْ مِنْهُ ، وَلَكِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنْكَ ، مَعَ عِلْمِكَ وَفَضْلِكَ كَيْفَ تَقُولُ هَذَا ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ : لَأَدَّبْتُهُ ، أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ غَيْرَكَ مِمَّنْ لَا فَهْمَ لَهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ يُعْذَرُ . وَقَدْ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ ، أَيْ مُخَالَفَتُهُ . قَوْلُهُ : ( نَعَمْ ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ : إِنْ تَقَدَّمْنَا فَبِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ تَأَخَّرْنَا فَبِقَدَرِ اللَّهِ ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ فِرَارًا لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الصُّورَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِرَارًا شَرْعِيًّا . وَالْمُرَادُ أَنَّ هُجُومَ الْمَرْءِ عَلَى مَا يُهْلِكُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ . وَلَوْ فَعَلَ لَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ، وَتَجَنُّبِهِ مَا يُؤْذِيهِ مَشْرُوعٌ وَقَدْ يُقَدِّرُ اللَّهُ وُقُوعَهُ فِيمَا فَرَّ مِنْهُ فَلَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ، فَهُمَا مَقَامَانِ : مَقَامُ التَّوَكُّلِ ، وَمَقَامُ التَّمَسُّكِ بِالْأَسْبَابِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ . وَمُحَصَّلُ قَوْلِ عُمَرَ : نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَفِرَّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ حَقِيقَةً ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ أَمْرٌ خَافٍ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ فَلَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ ، وَالَّذِي فَرَّ إِلَيْهِ أَمْرٌ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ إِلَّا الْأَمْرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ سَوَاءً كَانَ ظَاعِنًا أَوْ مُقِيمًا . قَوْلُهُ : ( لَهُ عُدْوَتَانِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ : تَثْنِيَةُ عُدْوَةٍ ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْوَادِي ، وَهُوَ شَاطِئُهُ . قَوْلُهُ : ( إِحْدَاهُمَا خَصِيبَةٌ ) بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ سُكُونَ الصَّادِ بِغَيْرِ يَاءٍ ، زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ : وَقَالَ لَهُ أَيْضًا : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّهُ رَعَى الْجَدْبَةَ وَتَرَكَ الْخَصِبَةَ أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ ؟ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَسِرْ إِذًا ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ) هُوَ مَوْصُولٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ ) أَيْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمُ الْمُشَاوَرَةَ الْمَذْكُورَةَ لِغَيْبَتِهِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَعِلْمًا ، بِزِيَادَةِ لَامِ التَّأْكِيدِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ إِلَخْ ) هُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَتْنِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَسَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا ، فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَعَ عُمَرَ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ . قَوْلُهُ : ( فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : فَلَا تَفِرُّوا مِنْهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلُهُ ، وَوَقَعَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى إِعْرَابِهِ هُنَاكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ · ص 194 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يذكر في الطاعون · ص 258 44 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن عباس ، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج إلى الشأم ، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه ، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشأم ، قال ابن عباس : فقال عمر : ادع لي المهاجرين الأولين ، فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشأم فاختلفوا ، فقال بعضهم : قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه ، وقال بعضهم : معك بقية الناس وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء ، فقال : ارتفعوا عني ، ثم قال : ادع لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم ، فقال : ارتفعوا عني ، ثم قال : ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان ، فقالوا : نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء ، فنادى عمر في الناس : إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه ، قال أبو عبيدة بن الجراح : أفرارا من قدر الله ؟! فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ، نعم ، نفر من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ، قال : فجاء عبد الرحمن بن عوف ، وكان متغيبا في بعض حاجته ، فقال : إن عندي في هذا علما ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ، قال : فحمد الله عمر ثم انصرف مطابقته للترجمة في قوله : إذا سمعتم به إلى آخره ، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ، كان واليا لعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - على الكوفة ، وعبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، لجد أبيه نوفل ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - صحبة ، وكذا لولده الحارث وولد عبد الله بن الحارث في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فعد لذلك في الصحابة ، فهم ثلاثة من الصحابة في نسق ، وكان عبد الله بن الحارث يلقب ببه بباءين موحدتين الثانية مشددة ، ومعناه الممتلئ البدن من النعمة ، ويكنى أبا محمد ، مات سنة أربع وثمانين ، وأما ولده راوي هذا الحديث فهو ممن وافق اسمه اسم أبيه ، وكان يكنى أبا يحيى ، ومات سنة تسع وتسعين ، وما له في البخاري سوى هذا الحديث . وفي هذا السند ثلاثة من التابعين في نسق واحد ، وصحابيان في نسق ، وكلهم مدنيون . والحديث أخرجه مسلم في الطب أيضا ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك وغيره ، وأخرجه أبو داود في الجنائز ، عن القعنبي ، عن مالك مختصرا ، وأخرجه النسائي في الطب ، عن هارون بن عبد الله وعن الحارث بن مسكين مختصرا . قوله : خرج إلى الشام ، كان ذلك في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة ، وذكر خليفة بن خياط أن خروج عمر إلى الشام هذه المرة كان سنة سبع عشرة ، يتفقد فيها أحوال الرعية وأمرائهم ، وكان قد خرج قبل ذلك سنة ست عشرة لما حاصر أبو عبيدة بيت المقدس ، فقال أهله : يكون الصلح على يدي عمر - رضي الله تعالى عنه - فخرج لذلك . قوله : بسرغ بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالغين المعجمة منصرفا وغير منصرف : قرية في طريق الشام مما يلي الحجاز ، ويقال : هي مدينة افتتحها أبو عبيدة ، هي واليرموك والجابية متصلات ، وبينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة ، وقال أبو عمر : قيل : إنه وادي تبوك ، وقيل : بقرب تبوك ، وقال الحازمي : هي أول الحجاز ، وهي من منازل حاج الشام . قوله : أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه هم خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص ، وكان أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - قد قسم البلاد بينهم ، وجعل أمر القتال إلى خالد ، ثم رده عمر - رضي الله تعالى عنه - إلى أبي عبيدة ، وقال الكرماني : الأجناد ، قيل : المراد بهم أمراء مدن الشام الخمس ، وهي فلسطين والأردن وحمص وقنسرين ودمشق . قوله : فأخبروه ، أي : أخبروا عمر - رضي الله تعالى عنه - أن الوباء قد وقع ، وفي رواية يونس : إن الوجع قد وقع بأرض الشام ، والوباء بالمد والقصر ، وقال الخليل : هو الطاعون ، وقال آخرون : هو المرض العام ، فكل طاعون وباء دون العكس ، وهذا الوباء المذكور هنا كان طاعونا وهو طاعون عمواس . قوله : قال عمر : ادع لي المهاجرين الأولين وهم الذين صلوا إلى القبلتين ، وفي رواية يونس : اجمع لي المهاجرين . قوله : بقية الناس ، أي : بقية الصحابة ، وإنما قال كذلك تعظيما لهم ، أي : كأن الناس لم يكونوا إلا الصحابة ، قال الشاعر : هم القوم كل القوم يا أم خالد قوله : وأصحاب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عطف تفسيري . قوله : أن تقدمهم بضم التاء من الإقدام بمعنى التقديم ، والمعنى : لا نرى أن تجعلهم قادمين عليه . قوله : فقال : ارتفعوا عني أي : فقال عمر : اخرجوا عني ، وفي رواية يونس : فأمرهم فخرجوا عنه . قوله : فسلكوا سبيل المهاجرين ، أي : مشوا على طريقتهم فيما قالوا . قوله : من مشيخة قريش ضبطه بعضهم بوجهين الأول : بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف ، والثاني : بفتح الميم وكسر الشين وسكون الياء آخر الحروف ، جمع شيخ ، قلت : الذي قاله أهل اللغة هو الوجه الثاني ، وقال الجوهري : جمع الشيخ شيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان ومشيخة ومشايخ ومشيوخاء ، والمرأة شيخة . قوله : من مهاجرة الفتح ، أي : الذين هاجروا إلى المدينة عام الفتح ، أو المراد مسلمة الفتح ، أو أطلق على من تحول إلى المدينة بعد فتح مكة مهاجرا صورة ، وإن كانت الهجرة بعد الفتح حكما قد ارتفعت ، وأطلق ذلك عليهم احترازا عن غيرهم من مشيخة قريش ممن أقام بمكة ولم يهاجر أصلا . قوله : إني مصبح بضم الميم وسكون الصاد وكسر الباء الموحدة ، أي : مسافر في الصباح راكبا على ظهر الراحلة راجعا إلى المدينة ، فأصبحوا راكبين متأهبين للرجوع إليها . قوله : عليه ، أي : على الظهر ، وهو الإبل الذي يحمل عليه ويركب ، يقال : عند فلان ظهر ، أي : إبل . قوله : فرارا من قدر الله ، أي : أترجع فرارا من قدر الله تعالى ، وفي رواية هشام بن سعد : فقالت طائفة منهم أبو عبيدة : أمن الموت نفر ؟ إنما نحن نقدر قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ( فإن قلت ) : ما الفرق بين القضاء والقدر ؟ قلت : القضاء عبارة عن الأمر الكلي الإجمالي الذي حكم الله به في الأزل ، والقدر عبارة عن جزئيات ذلك الكلي ومفصلات ذلك المجمل التي حكم الله بوقوعها واحدا بعد واحد في الإنزال ، قالوا : وهو المراد بقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَـزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ قوله : لو غيرك قالها جزاء لو محذوف ، أي : لو قال غيرك لأدبته ، وذلك لاعتراضه على مسألة اجتهادية وافقه عليها أكثر الناس من أهل الحل والعقد ، أو لم أتعجب منه ولكني أتعجب منك مع علمك وفضلك كيف تقول هذا ، أو كلمة لو هنا للتمني فلا تحتاج إلى جواب ، والمعنى أن غيرك ممن لا فهم له إذا قال ذلك يعذر . قوله : نعم ، نفر من قدر الله إلى قدر الله ، وفي رواية هشام بن سعد : إن تقدمنا فبقدر الله وإن تأخرنا فبقدر الله أطلق عليه فرارا لشبهه في الصورة وإن كان ليس فرارا شرعا ، والمراد أن هجوم المرء على ما يهلكه منهي عنه ، ولو فعل لكان من قدر الله ، وتجنبه ما يؤذيه مشروع ، وقد يقدر الله وقوعه فيما فر منه ، فلو كان فعله أو تركه لكان من قدر الله ، وحاصل الكلام أن شيئا ما لا يخرج عن القدر . قوله : أرأيت ، أي : أخبرني . قوله : له عدوتان بضم العين المهملة وكسرها ، يعني طرفان ، والعدوة هو المكان المرتفع من الوادي وهو شاطئه . قوله : خصبة بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة وبالباء الموحدة ، كذا ضبط في كتب اللغة ، وفي المطالع : خصبة بكسر الخاء وسكون الصاد ، والخصب بالكسر نقيض الجدب ، وقال بعضهم : خصيبة على وزن عظيمة ، وليس كذلك ، والخصبة بفتح الخاء وسكون الصاد واحدة الخصاب وهو النخل الكثير الحمل . قوله : جدبة بسكون الدال وكسرها ، يعني : الكل بتقدير الله سواء ندخل أو نرجع ، فرجوعنا أيضا بقدر الله تعالى ، فعمر - رضي الله تعالى عنه - استعمل الحذر وأثبت القدر معا ، فعمل بالدليلين اللذين كل متمسك به من التسليم للقضاء والاحتراز عن الإلقاء في التهلكة . قوله : فجاء عبد الرحمن بن عوف موصول عن ابن عباس بالسند المذكور . قوله : وكان متغيبا من باب التفعل ، معناه لم يكن حاضرا في المشاورة . قوله : علما ، وفي رواية مسلم : لعلما بلام التأكيد . قوله : إذا سمعتم به ، أي : بالطاعون . قوله : فلا تقدموا بفتح الدال . قوله : فرارا ، أي : لأجل الفرار ، وفيه دليل على جواز الخروج لغرض آخر لا بقصد الفرار منه . قوله : فحمد الله عمر - رضي الله تعالى عنه – يعني على موافقة اجتهاده واجتهاد معظم أصحابه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن بطال : فإن قيل : لا يموت أحد إلا بأجله فلا يتقدم ولا يتأخر ، فما وجه النهي عن الدخول والخروج ؟ قلنا : لم ينه عن ذلك إلا حذرا من أن يظن أن هلاكه كان من أجل قدومه عليه وأن سلامته كانت من أجل خروجه ، فنهى عن الدنو كما نهى عن الدنو من المجذوم مع علمه بأنه لا عدوى ، وقيل : إذنه - صلى الله عليه وسلم - للذين استوخموا المدينة بالخروج حجة لمن أجاز الفرار ، وأجيب بأنه لم يكن ذلك فرارا من الوباء ، إذ هم كانوا مستوخمين خاصة دون سائر الناس ، بل للاحتياج إلى الضرع ولاعتيادهم المعاش في الصحاري . وفي هذا الحديث من الفوائد خروج الإمام بنفسه لمشاهدة أحوال رعيته وإزالة ظلم المظلوم وكشف الكرب وتخويف أهل الفساد وإظهار شعائر الإسلام ، وتلقي الأمراء والمشاورة معهم ، والاجتماع بالعلماء ، وتنزيل الناس منازلهم ، والاجتهاد في الحروب ، وقبول خبر الواحد ، وصحة القياس ، واجتناب أسباب الهلاك .