16 - بَاب التَّقَنُّعِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ . قَالَ أَنَسٌ : وعَصَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ 5807 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ رجال مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَوَتَرْجُوهُ بِأَبِي أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصُحْبَتِهِ ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، قَالَ عُرْوَةُ : قَالَتْ عَائِشَةُ : فَبَيْنَما نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَقَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا ، فقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِدًا لَكَ بأَبِي وَأُمِّي ، وَاللَّهِ إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ ، فَدَخَلَ فَقَالَ حِينَ دَخَلَ لِأَبِي بَكْرٍ : أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ ، قَالَ : إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ ، قَالَ : فَالصُّحْبَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِالثَّمَنِ ، قَالَتْ فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ ووَضَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَأَوْكَأَتْ بِهِ الْجِرَابَ ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقين ثُمَّ لَحِقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ ، فَمَكُثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ فَيَرْحَلُ مِنْ عِنْدِهِمَا سَحَرًا ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلِهِمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّقَنُّعِ ) بِقَافٍ وَنُونٍ ثَقِيلَةٍ ، وَهُوَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَأَكْثَرِ الْوَجْهِ بِرِدَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مُسْنَدٍ عِنْدَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ فِي بَابِ اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ الْحَدِيثَ ، وَالدَّسْمَاءُ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمَدِّ ضِدُّ النَّظِيفَةِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لَوْنَهَا فِي الْأَصْلِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِصَابَةٌ سَوْدَاءُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَنَسٌ : عَصَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ ) هُوَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ بِطُولِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَتَمَّ مِنْهُ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ : قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ . هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا وَقَوْلُهُ فِيهِ : فِدًا لَكَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِدًا لُهْ وَقَوْلُهُ إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ لَأَمْرٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَبِالتَّنْوِينِ مَرْفُوعًا وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّ إِنِ السَّاكِنَةَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا لِأَمْرٍ وَ إِنْ عَلَى هَذَا نَافِيَةٌ . وَقَوْلُهُ : أَحَثَّ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ ثَقِيلَةٍ ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَحَبَّ بِمُوَحَّدَةٍ وَأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا . وَقَوْلُهُ : وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهُ أَيْ يُرِيحُ الَّذِي يَرْعَاهُ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَيُرِيحُهَا وَقَوْلُهُ : فِي رِسْلِهِمَا بِالتَّثْنِيَةِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي رِسْلِهَا وَكَذَا الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ : حَتَّى يَنْعِقَ بِهِمَا عِنْدَهُ بِهَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : مَا ذكرَه مِنَ الْعِصَابَةِ لَا يَدْخُلُ فِي التَّقَنُّعِ ، فَالتَّقَنُّعُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ ، وَالْعِصَابَةُ شَدُّ الْخِرْقَةِ عَلَى مَا أَحَاطَ بِالْعِمَامَةِ . قُلْتُ : الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وَضْعُ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى الرَّأْسِ فَوْقَ الْعِمَامَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَنَازَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الْهَدْي مَنِ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ التَّقَنُّعِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ لُبْسِ الطَّيْلَسَانِ بِأَنَّ التَّقَنُّعَ غَيْرُ التَّطَيْلُسِ ، وَجَزَمَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَلْبَسِ الطَّيْلَسَانَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ . ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ التَّقَنُّعِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتَقَنَّعْ إِلَّا لِحَاجَةٍ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْثِرُ الْقِنَاعَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ مُعَلَّقًا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عمرو ، وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ فِي قِصَّةِ الدَّجَّالِ يَتْبَعُهُ الْيَهُودُ وَعَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ فَقَالَ : كَأَنَّهُمْ يَهُودُ خَيْبَرَ وَعُورِضَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ وُصِفَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الطَّيْلَسَانُ فَقَالَ : هَذَا ثَوْبٌ لَا يُؤَدَّى شُكْرُهُ أَخْرَجَهُ . . . وَإِنَّمَا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ الْيَهُودِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكُونُ الطَّيَالِسَةُ مِنْ شِعَارِهِمْ ، وَقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ فَصَارَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ الْمُبَاحِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمْثِلَةِ الْبِدْعَةِ الْمُبَاحَةِ ، وَقَدْ يَصِيرُ مِنْ شَعَائِرِ قَوْمٍ فَيَصِيرُ تَرْكُهُ مِنَ الْإِخْلَالِ بِالْمُرُوءَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ . . . لِقَوْمٍ وَتَرَكَهُ بِالْعَكْسِ ، وَمَثَّلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ذَلِكَ بِالسُّوقِيِّ وَالْفَقِيهِ فِي الطَّيْلَسَانِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب التَّقَنُّعِ · ص 285 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب التقنع · ص 308 باب التقنع أي هذا باب في بيان التقنع بفتح التاء المثناة من فوق والقاف وضم النون المشددة وبالعين المهملة ، وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره . وقال ابن عباس : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه عصابة دسماء . هذا طرف من حديث أخرجه مسندا في مواضع منها في مناقب الأنصار في باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ، حدثنا أحمد بن يعقوب حدثنا ابن الغسيل ، سمعت عكرمة يقول : سمعت ابن عباس يقول : خرج رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم – وعليه ملحفة متعطفا بها على منكبيه وعليه عصابة دسماء ، الحديث ، والدسماء بمهملتين والمد ضد النظيفة ، قلت : هذا تفسير فيه بشاعة ، فلا ينبغي أن يفسر عصابة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بضد النظافة ، وقال الكرماني : ودسماء ، قيل : المراد بها سوداء ، ويقال : ثوب دسم ، أي : وسخ ، وجزم ابن الأثير أن دسماء سوداء ، وفي التوضيح : والتقنع للرجل عند الحاجة مباح ، وقال ابن وهب : سألت مالكا عن التقنع بالثوب ، فقال : أما الرجل الذي يجد الحر والبرد أو الأمر الذي له فيه عذر فلا بأس به ، وأما لغير ذلك فلا ، وقال الأبهري : إذا تقنع لدفع مضرة فمباح ولغيره فمكروه فإنه من فعل أهل الريب ، ويكره أن يفعل شيئا يظن به الريبة . وقال أنس : عصب النبي - صلى الله عليه وسلم - على رأسه حاشية برد . هذا أيضا طرف من حديث أخرجه في الباب المذكور في مناقب الأنصار من طريق هشام بن زيد بن أنس ، سمعت أنس بن مالك يقول ، فذكر الحديث ، وفيه : فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد عصب على رأسه حاشية برد . قوله : عصب بتشديد الصاد ، وقال الجوهري : حاشية البرد جانبه ، وقال القزاز : حاشية الثوب ناحيتاه اللتان في طرفهما المهدب ، واعترض الإسماعيلي بأن ما ذكره من العصابة لا يدخل في التقنع ؛ لأن التقنع تغطية الرأس والعصابة شد الخرقة على ما أحاط بالعمامة ، وأجاب بعضهم بقوله : الجامع بينهما وضع شيء زائد على الرأس فوق العمامة ، قلت : في كل من الاعتراض والجواب نظر ، أما في الاعتراض فلأن قوله : والعصابة : شد الخرقة على ما أحاط بالعمامة ليس كذلك ، بل العصابة شد الرأس بخرقة مطلقا ، وأما في الجواب فلأن قوله : زائد ، لا فائدة فيه ، وكذلك قوله : فوق العمامة ؛ لأنه يلزم من أنه إذا كانت تحت العمامة لا تسمى عصابة . 25 - حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : هاجر إلى الحبشة رجال من المسلمين ، وتجهز أبو بكر مهاجرا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : على رسلك ، فإني أرجو أن يؤذن لي ، فقال أبو بكر : أوترجوه بأبي أنت وأمي ، قال : نعم ، فحبس أبو بكر نفسه على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر ، قال عروة : قالت عائشة : فبينا نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة ، فقال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلا متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، قال أبو بكر : فدا له بأبي وأمي ، والله إن جاء به في هذه الساعة إلا لأمر ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذن فأذن له فدخل ، فقال حين دخل لأبي بكر : أخرج من عندك ، قال : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله ، قال : فإني قد أذن لي في الخروج ، قال : فالصحبة بأبي أنت يا رسول الله ، قال : نعم ، قال : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - بالثمن ، قالت : فجهزناهما أحث الجهاز ووضعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فأوكت به الجراب ولذلك كانت تسمى ذات النطاقين ، ثم لحق النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور ، فمكث فيه ثلاث ليال ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب لقن ثقف ، فيرحل من عندهما سحرا فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسلها حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس ، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث . مطابقته للترجمة في قوله : هذا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - مقبلا متقنعا . وهشام هو ابن يوسف ، ومعمر بن راشد . والحديث بعين هذا الإسناد مضى في الإجارة مختصرا في باب استئجار المشركين عند الضرورة ، ومضى أيضا في باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مطولا جدا ، أخرجه عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة - رضي الله عنها - إلى آخره ، ومضى الكلام فيه . قوله : هاجر إلى الحبشة رجال من المسلمين ويروى هاجر إلى الحبشة من المسلمين ، قال الكرماني : من المسلمين صفة ، أي : هاجر رجال من المسلمين ، أو هو فاعل بمعنى بعض المسلمين ، جوزه بعض النحاة . قوله : على رسلك بكسر الراء ، أي : على هينتك . قوله : أوترجوه الاستفهام فيه على سبيل الاستخبار ، أي : أوترجو الإذن ، يدل عليه قوله : أن يؤذن لي . قوله : بأبي أنت ، أي : مفدى أنت بأبي . قوله : ليصحبه ، أي : لأن يصحبه ، ويروى : لصحبته . قوله : راحلتين تثنية راحلة ، وهي من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال ، والذكر والأنثى فيه سواء ، والهاء فيها للمبالغة ، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله للنجابة وتمام الخلقة وحسن المنظر ، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت . قوله : السمرة بضم الميم وهو شجر الطلح . قوله : جلوس ، أي : جالسون . قوله : في نحر الظهيرة ، أي : في أول الهاجرة . قوله : مقبلا ، أي : أقبل أو جاء حال كونه مقبلا ، والعامل فيه معنى الإشارة في قوله : هذا . قوله : مقنعا من الأحوال المترادفة أو المتداخلة . قوله : فدا له هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : فدا لك ، وفي التوضيح : إن كسرت الفاء مددت ، وإن فتحت قصرت ، قال ابن التين : وهو الذي قرأناه . قوله : إن جاء به كلمة إن نافية ، هذا على رواية الكشميهني ، واللام فيه مكسورة للتعليل ، وفي رواية غيره : لأمر بفتح اللام وبالرفع وهي لام التأكيد ، وكلمة إن على هذه مخففة من المثقلة . قوله : فأذن له على صيغة المجهول . قوله : أخرج من عندك أمر من الإخراج ، ومن عندك في محل النصب على المفعولية . قوله : فالصحبة منصوب تقديره : أطلب الصحبة أو أريدها ، ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير : فاختياري أو مقصودي الصحبة ، والجهاز بالفتح والكسر أسباب السفر ، والحث التحضيض والإسراع . قوله : أحث الجهاز بالحاء المهملة والثاء المثلثة ، وفي رواية الكشميهني بالباء الموحدة ، قيل : إنه تصحيف . قوله : سفرة بالضم طعام يعمل للمسافر ، ومنه سميت السفرة التي يؤكل عليها . قوله : في جراب بكسر الجيم فيه أفصح من فتحه ، قال الجوهري : والعامة تفتحه . قوله : من نطاقها قال الجوهري : النطاق شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها ، ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة والأسفل ينجر على الأرض وليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان ، وقال الهروي نحوه وزاد ، وبه سميت أسماء ذات النطاقين لأنها كانت لها نطاقا على نطاق ، وقال ابن التين : شقت نصف نطاقها للسفرة وانتطقت بنصفه ، وقال الداودي : النطاق المئزر ، وقال ابن فارس : هو إزار فيه تكة تلبسه النساء ، وقال الكرماني : سميت ذات النطاقين لأنها جعلت قطعة من نطاقها للجراب الذي فيه السفرة وقطعة للسقاء كما جاء في بعض الروايات ، أو لأنها جعلت نطاقين نطاقا للجراب وآخر لنفسها . قوله : فأوكت ، أي : شدت ، والوكاء هو الذي يشد به رأس القربة . قوله : ثور باسم الحيوان المشهور ، وهو الغار الذي بات فيه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - . قوله : لقن بفتح اللام وكسر القاف وبالنون ، وهو سريع الفهم ، وجاء بسكون القاف . قوله : ثقف بكسر القاف وسكونها ، أي : حاذق فطن . قوله : فيرحل ويروى : فيدخل من الدخول . قوله : كبائت ، أي : كأنه بائت بمكة . قوله : يكادان به على صيغة المجهول ، أي : يمكران به ، والضمير فيه يرجع إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وإلى أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - وحاصله مهما يتكلم به قريش في حقهما من الأمور التي يريدون فعلها يضبطه عبد الله ويحفظه ، ثم يبلغ به إليهما . قوله : وعاه من الوعي وهو الحفظ . قوله : ويرعى عليهما ، أي : على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر . قوله : منحة بكسر الميم وهي الشاة التي تعطيها غيرك ليحتلبها ، ثم يردها عليك . قوله : فيريحها ، أي : فيردها إلى المراح ، هكذا رواه الكشميهني ، وفي رواية غيره : فيريحه بتذكير الضمير ، أي : يريح الذي يرعاه . قوله : في رسلها بكسر الراء اللبن ، هكذا رواية الكشميهني بإفراد الضمير ، وفي رواية غيره : في رسلهما بضمير التثنية ، وكذا عند الكشميهني ، حتى ينعق بها بالإفراد ، وعند غيره : بهما بالتثنية ، يقال : نعق الراعي بغنمه ينعق بالكسر ، أي : صاح بها .