12 - بَاب تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ 543 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، فَقَالَ أَيُّوبُ : لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ ؟ قَالَ : عَسَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ ) أَيْ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ . وَالْمُرَادُ أَنَّهُ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، كَمَا سَيَأْتِي عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ رَاوِي الْحَدِيثِ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى إِثْبَاتِ الْقَوْلِ بِاشْتِرَاكِ الْوَقْتَيْنِ ، لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْأُمُورِ الْمُحْتَمَلَةِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ يَحْتَمَلُ ذَلِكَ وَيَحْتَمَلُ غَيْرَهُ ، قَالَ : وَالتَّرْجَمَةُ مُشْعِرَةٌ بِانْتِفَاءِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ فَقَالُوا : قَالَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَبَيْنَ وَقْتِ الْعَصْرِ فَاصِلَةٌ لَا تَكُونُ وَقْتًا لِلظُّهْرِ وَلَا لِلْعَصْرِ اهـ . وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ يَنْفَصِلُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَمُرَادُهُ نَفْيُ الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقْتُ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ وَالْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ فَكَمَا أَنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ ، فَكَذَلِكَ لَا اشْتِرَاكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ . قَوْلُهُ ( عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ) هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ ( سَبْعًا وَثَمَانِيًا ) أَيْ سَبْعًا جَمِيعًا وَثَمَانِيًا جَمِيعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَابِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ . قَوْلُهُ ( فَقَالَ أَيُّوبُ ) هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَالْمَقُولُ لَهُ هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ . قَوْلُهُ ( عَسَى ) أَيْ أَنْ يَكُونَ كَمَا قُلْتَ ، وَاحْتِمَالُ الْمَطَرِ قَالَ بِهِ أَيْضًا مَالِكٌ عَقِبَ إِخْرَاجِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ ، وَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ بِالْمَدِينَةِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ قَالَ مَالِكٌ : لَعَلَّهُ كَانَ فِي مَطَرٍ ، لَكِنْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ : مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ ، فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ لِلْخَوْفِ أَوِ السَّفَرِ أَوِ الْمَطَرِ ، وَجَوَّزَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ لِلْمَرَضِ ، وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمْعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِعَارِضِ الْمَرَضِ لَمَا صَلَّى مَعَهُ إِلَّا مَنْ بِهِ نَحْوُ ذَلِكَ الْعُذْرِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بِأَصْحَابِهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَتِهِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي غَيْمٍ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ مَثَلًا ، فَبَانَ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ دَخَلَ فَصَلَّاهَا ، قَالَ : وَهُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَدْنَى احْتِمَالٍ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَلَا احْتِمَالَ فِيهِ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ اهـ . وَكَأَنَّ نَفْيَهُ الِاحْتِمَالَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إِلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُ خِلَافُهُ ، وَهُوَ أَنَّ وَقْتَهَا يَمْتَدُّ إِلَى الْعِشَاءِ ، فَعَلَى هَذَا فَالِاحْتِمَالُ قَائِمٌ . قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ صُورِيٌّ ، بِأَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَعَجَّلَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا . قَالَ : وَهُوَ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ مُخَالَفَةً لَا تُحْتَمَلُ ا هـ . وَهَذَا الَّذِي ضَعَّفَهُ اسْتَحْسَنَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَرَجَّحَهُ قَبْلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَجَزَمَ بِهِ مِنَ الْقُدَمَاءِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، وَقَوَّاهُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ بِأَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدْ قَالَ بِهِ ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَزَادَ : قُلْتُ : يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ . قَالَ : وَأَنَا أَظُنُّهُ . قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَدْرَى بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهِ . قُلْتُ : لَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِذَلِكَ ، بَلْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُ لِأَيُّوبَ وَتَجْوِيزُهُ لِأَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بِعُذْرِ الْمَطَرِ ، لَكِنْ يُقَوِّي مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْجَمْعِ الصُّورِيِّ أَنَّ طُرُقَ الْحَدِيثِ كُلَّهَا لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِوَقْتِ الْجَمْعِ . فَإِمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مُطْلَقِهَا فَيَسْتَلْزِمُ إِخْرَاجَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَإِمَّا أَنْ تُحْمَلَ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَا تَسْتَلْزِمُ الْإِخْرَاجَ وَيُجْمَعُ بِهَا بَيْنَ مُفْتَرَقِ الْأَحَادِيثِ ، وَالْجَمْعُ الصُّورِيُّ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَجَوَّزُوا الْجَمْعَ فِي الْحَضَرِ لِلْحَاجَةِ مُطْلَقًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُتَّخَذَ ذَلِكَ عَادَةً ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ ابْنُ سِيرِينَ ، وَرَبِيعَةُ ، وَأَشْهَبُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْقَفَّالُ الْكَبِيرُ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو ابْنِ هَرَمٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى بِالْبَصْرَةِ الْأُولَى وَالْعَصْرَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ ، فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ شُغْلٍ ، وَفِيهِ رَفْعُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ أَنَّ شُغْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ كَانَ بِالْخُطْبَةِ ، وَأَنَّهُ خَطَبَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ بَدَتِ النُّجُومُ ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ . وَفِيهِ تَصْدِيقُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَفْعِهِ . وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ التَّعْلِيلِ بِنَفْيِ الْحَرَجِ ظَاهِرٌ فِي مُطْلَقِ الْجَمْعِ ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَفْظُهُ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : صَنَعْتُ هَذَا ، لِئَلَّا تُحْرَجَ أُمَّتِي . وَإِرَادَةُ نَفْيِ الْحَرَجِ يَقْدَحُ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إِلَيْهِ لَا يَخْلُو عَنْ حَرَجٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ · ص 29 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب تأخير الظهر إلى العصر · ص 83 12 - باب تأخير الظهر إلى العصر 543 - حدثنا أبو النعمان : ثنا حماد بن زيد ، عن عمرو - وهو : ابن دينار - عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء . فقال أيوب : لعله في ليلة مطيرة ؟ قال : عسى . وخرجه مسلم من طريق حماد - أيضا - ، ولم يذكر فيه قول أيوب . وخرجه من طريق ابن عيينة ، عن عمرو ، ولفظ حديثه : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانيا جميعا وسبعا جميعا . قلت : يا أبا الشعثاء ، أظنه أخر الظهر وعجل العصر ، وأخر المغرب وعجل العشاء . قال : وأنا أظن ذلك . وخرجه البخاري - أيضا - في أبواب : صلاة التطوع . وخرجه النسائي عن قتيبة ، عن سفيان ، وأدرج تفسيره في الحديث . قال ابن عبد البر : الصحيح : أن هذا ليس من الحديث ، إنما هو من ظن أبي الشعثاء وعمرو بن دينار . ورواه محمد بن مسلم الطائفي ، عن عمرو بن دينار ، وزاد في حديثه : من غير مرض ولا علة . خرجه من طريقه الطبراني . ومحمد بن مسلم ، ليس بذاك الحافظ . وخرج النسائي من طريق حبيب بن أبي حبيب ، عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أنه صلى بالبصرة الأولى والعصر ، ليس بينهما شيء ، والمغرب والعشاء ، ليس بينهما شيء ، [فعل ذلك من شغل ، وزعم ابن عباس ، أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات ، ليس بينهما شيء] . وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من وجوه أخر ، بألفاظ مختلفة ، روي عنه من رواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعا بالمدينة ، في غير خوف ولا سفر . خرجه مسلم . وخرجه أبو داود ، وزاد : قال مالك : أرى ذلك كان في مطر . وخرجه مسلم - أيضا - من طريق زهير ، عن أبي الزبير - بمثله ، وزاد : قال ابن عباس : أراد أن لا يحرج أحدا من أمته . وخرجه - أيضا - من طريق قرة ، عن أبي الزبير ، وذكر فيه : أن ذلك كان في سفرة سافرها في غزوة تبوك ، وذكر فيه قول ابن عباس : أراد أن لا يحرج أمته . وخرج - أيضا - من طريق الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة ، في غير خوف ولا مطر . قلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : كيلا يحرج أمته . وقد اختلف على الأعمش في إسناد هذا الحديث ، وفي لفظه - أيضا - : فقال كثير من أصحاب الأعمش ، عنه فيه : من غير خوف ولا مطر . ومنهم من قال عنه : من غير خوف ولا ضرر . ومنهم من قال : ولا عذر . وذكر البزار ، أن لفظة المطر تفرد بها حبيب ، وغيره لا يذكرها . قال : على أن عبد الكريم قد قال نحو ذلك . وكذلك تكلم فيها ابن عبد البر . وروينا من طريق عبد الحميد بن مهدي البالسي : حدثنا المعافى بن سليمان الجزري : ثنا محمد بن سلمة : ثنا أبو عبد الرحيم ، عن زيد بن [أبي أنيسة ، عن] أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة من غير مطر ولا قر الظهر والعصر جمعا . قلت له : لم فعل ذلك ؟ قال ابن عباس : أراد أن لا يحرج أمته . وعن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس - مثله . ولكن ؛ عبد الحميد هذا ، قال فيه الحافظ عبد العزيز النخشبي : عنده مناكير . وأما رواية عبد الله بن شقيق ، فمن طريق الزبير بن الخريت ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم ، وجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة . قال : فجاءه رجل من بني تميم ، لا يفتر ولا ينثني : الصلاة الصلاة . فقال ابن عباس : أتعلمني السنة لا أم لك ؟ ثم قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال عبد الله بن شقيق : فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة ، فسألته فصدق مقالته . خرجه مسلم . وخرجه - أيضا - من رواية عمران بن حدير ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : قال رجل لابن عباس : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : لا أم لك ، تعلمنا الصلاة ؟! كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وأما رواية عكرمة ، فمن طريق الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيما غير مسافر سبعا وثمانيا . خرجه الإمام أحمد . وفي رواية أشعث بن سوار - وفيه ضعف - ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة ، من غير خوف ولا مطر ، أراد التخفيف عن أمته . وأما رواية عطاء بن يسار ، فمن رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، من غير مرض ولا مطر . فقيل لابن عباس : ما أراد بذلك ؟ قال : التوسعة على أمته . خرجه حرب الكرماني ، عن يحيى الحماني ، عن عبد الرحمن ، به . وعبد الرحمن ، فيه ضعف . وأما رواية صالح مولى التوأمة ، فذكرها أبو داود تعليقا . وفيها : من غير مطر . وخرجها الإمام أحمد من طريق داود بن قيس ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، في غير مطر ولا سفر . قالوا : يا ابن عباس ، ما أراد بذلك ؟ قال : التوسع على الأمة . وصالح ، مختلف في أمره ، وفي سماعه من ابن عباس - أيضا . وفي الباب أحاديث أخر ، في أسانيدها مقال . وخرج النسائي من رواية يحيى بن هانئ المرادي : حدثنا أبو حذيفة ، عن عبد الملك بن محمد بن أبي بشير ، عن عبد الرحمن بن علقمة ، قال : قدم وفد ثقيف على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأهدوا له هدية ، وقعد معهم يسألهم ويسألونه ، حتى صلى الظهر مع العصر . قال الدارقطني : عبد الملك وأبو حذيفة مجهولان . وعبد الرحمن بن علقمة لا تصح صحبته ولا يعرف . وقد اختلفت مسالك العلماء في حديث ابن عباس هذا ، في الجمع من غير خوف ولا سفر ، ولهم فيه مسالك متعددة : المسلك الأول : أنه منسوخ بالإجماع على خلافه ، وقد حكى الترمذي في آخر كتابه أنه لم يقل به أحد من العلماء . وهؤلاء لا يقولون : إن الإجماع ينسخ ، كما يحكى عن بعضهم ، وإنما يقولون : هو يدل على وجود نص ناسخ . المسلك الثاني : معارضته بما يخالفه ، وقد عارضه الإمام أحمد بأحاديث المواقيت ، وقوله : الوقت ما بين هذين ، وبحديث أبي ذر في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ، وأمره بالصلاة في الوقت ، ولو كان الجمع جائزا من غير عذر لم يحتج إلى ذلك ، فإن أولئك الأمراء كانوا يجمعون لغير عذر ، ولم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ، ولا صلاة الليل إلى النهار . وكذلك في حديث أبي قتادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال لما ناموا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس : ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى . خرجه مسلم . وخرجه أبو داود ، وعنده : إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى . وقد عارض بعضهم حديث ابن عباس هذا بحديث آخر يروى عنه ، وقد أشار إلى هذه المعارضة الترمذي وابن شاهين ، وهو من رواية حنش ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر . خرجه الترمذي . وقال : حنش هذا هو أبو علي الرحبي ، وهو حسين بن قيس ، وهو ضعيف عند أهل الحديث ، ضعفه أحمد وغيره ، والعمل على هذا عند أهل العلم . يعني : على حديث حنش مع ضعفه . وخرجه الحاكم وصححه ، ووثق حنشا ، وقال : هو قاعدة في الزجر عن الجمع بلا عذر . ولم يوافق على تصحيحه . وقال العقيلي : ليس لهذا الحديث أصل . ورواه بعضهم ، وشك في رفعه ووقفه . كذلك خرجه الحارث بن أبي أسامة . ولعله من قول ابن عباس . وقد روي مثله عن عمر وأبي موسى : وروى وكيع ، عن سفيان ، عن هشام ، عن رجل ، عن أبي العالية ، عن عمر بن الخطاب ، قال : الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر . وعن أبي هلال الراسبي ، عن حنظلة السدوسي ، عن أبي موسى ، قال : الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر . المسلك الثالث : حمله على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر الظهر إلى آخر وقتها ، فوقعت في آخر جزء من الوقت ، وقدم العصر في أول وقتها ، فصلاها في أول جزء من الوقت ، فوقعت الصلاتان مجموعتين في الصورة ، وفي المعنى كل صلاة وقعت في وقتها ، وفعل هذا ليبين جواز تأخير الصلاة [إلى] آخر وقتها . وقد روي من حديث معاذ بن جبل ، أن جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين بتبوك كان على هذا الوجه - أيضا . خرجه الطبراني في أوسطه بإسناد في ضعف . وقد سبق عن عمرو بن دينار وأبي الشعثاء ، أنهما حملا الحديث على هذا الوجه ، كما خرجه مسلم ، وأشار إليه الإمام أحمد وغيره . وعلى مثل ذلك حمل الجمع بين الصلاتين في السفر بغير عرفة والمزدلفة من لا يرى الجمع في السفر ، منهم : سفيان الثوري وغيره من الكوفيين . والمسلك الرابع : أن ذلك كان جمعا بين الصلاتين لمطر ، وهذا هو الذي حمله عليه أيوب السختياني كما في رواية البخاري ، وهو الذي حمله عليه مالك - أيضا . ومن ذهب إلى هذا المسلك فإنه يطعن في رواية من روى : من غير خوف ولا مطر كما قاله البزار وابن عبد البر وغيرهما . ومن حمل الحديث على هذا فإنه يلزم من قوله جواز الجمع في الحضر للمطر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وقد اختلف في ذلك : فأما الجمع بين العشاءين للمطر ، فقد روي عن ابن عمر . روى مالك ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يجمع في الليلة المطيرة . وقد رويناه من طريق سفيان بن بشير ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا - ، ولا يصح رفعه . وفيه حديث آخر مرفوع من رواية أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن أجدادهم ، عن سعد القرظ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين المغرب والعشاء في المطر . خرجه الطبراني . وإسناده ضعيف . قال يحيى في أولاد سعد القرظ : كلهم ليسوا بشيء . وممن رأى الجمع للمطر : مالك في المشهور عنه ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، عن فقهاء المدينة السبعة . وعن مالك رواية : لا يجوز الجمع للمطر إلا في المدينة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لفضله ، ولأنه ينتاب من بعد ، فيجمع بينهما بعد مغيب الشفق ، وليس بالمدينة غيره . والمشهور عنه الأول . وأصل هذا : أن الأمراء بالمدينة كانوا يجمعون في الليلة المطيرة ، فيؤخرون المغرب ويجمعون بينها وبين العشاء قبل مغيب الشفق ، وكان ابن عمر يجمع معهم ، وقد علم شدة متابعة ابن عمر للسنة ، فلو كان ذلك محدثا لم يوافقهم عليه البتة . وقد نص على أن جمع المطر يكون على هذا الوجه المذكور قبل مغيب الشفق : مالك وأحمد وإسحاق . وقيل لأحمد : فيجمع بينهما بعد مغيب الشفق ؟ قال : لا ، إلا قبل ، كما فعل ابن عمر . وقال : يجمع إذا اختلط الظلام . وأما الجمع بين الظهر والعصر في المطر ، فالأكثرون على أنه غير جائز : وقال أحمد : ما سمعت فيه شيئا . وأجازه الشافعي إذا كان المطر نازلا ، وبه قال أبو ثور ، هو رواية عن أحمد . والعجب من مالك - رحمه الله - كيف حمل حديث ابن عباس على الجمع للمطر ، ولم يقل به في الظهر والعصر ، والحديث صريح في جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء ؟! المسلك الخامس : أن الذي نقله ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان في السفر لا في الحضر ، كما في رواية قرة ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن ذلك كان في غزوة تبوك ، وقد خرجه مسلم كما تقدم . وكذلك روى عبد الكريم ، عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ، أخبروه عن ابن عباس ، أنه أخبرهم ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين المغرب والعشاء في السفر من غير أن يعجله شيء ، ولا يطلبه عدو ، ولا يخاف شيئا . ولكن عبد الكريم هذا ، هو : أبو أمية ، وهو ضعيف جدا . وأكثر رواة حديث ابن عباس ذكروا أن جمعه كان بالمدينة ، وهم أكثر وأحفظ . والمسلك السادس : أن جمعه ذلك كان لمرض . وقد روي عن الإمام أحمد ، أنه قال : هذا عندي رخصة للمريض والمرضع . وقد اختلف في جمع المريض بين الصلاتين : فرخص فيه طائفة ، منهم : عطاء والنخعي والليث وأحمد وإسحاق . وكذلك جوزه مالك للمضطر في [رمضة] ، فإن جمع لغير ضرورة أعاد في الوقت عنده ، وعند أبي حنيفة . والشافعي لا يبيح من المرض الجمع بين الصلاتين بحال . واستدل من أباح الجمع للمريض ، بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد ؛ لمشقة الغسل عليها لكل صلاة ، وذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث حمنة بنت جحش وعائشة وأسماء بنت عميس ، وفي أسانيدها بعض شيء . وأمر به : علي وابن عباس ، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق . والمسلك السابع : أن جمعه كان لشغل ، وفي رواية حبيب بن أبي حبيب ، عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أنه جمع من شغل ، كما خرجه النسائي وقد سبق . وكذلك في حديث عبد الرحمن بن علقمة ، أن وفد ثقيف شغلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرج النسائي من رواية سالم ، عن ابن عمر ، أنه لما استصرخ على امرأته صفية أسرع السير ، وجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا حضر أحدكم أمرا يخشى فوته فيصلي هذه الصلاة . وخرجه النسائي ، وفي رواية له : إذا حضر أحدكم الأمر الذي يخاف فواته ، فليصل هذه الصلاة . وقد نص أحمد على جواز الجمع بين الصلاتين للشغل . قال القاضي وغيره من أصحابنا : مراده : الشغل الذي يباح معه ترك الجمعة والجماعة . وفي ذلك نظر . وعن ابن سيرين : لا بأس بالجمع بين الصلاتين للحاجة والشيء ما لم يتخذ عادة . المسلك الثامن : حمل الحديث على ظاهره ، وأنه يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر بالكلية ، وحكي ذلك عن ابن عباس وابن سيرين ، وعن أشهب صاحب مالك . وروى ابن وهب وغيره ، عن مالك أن آخر وقت الظهر والعصر غروب الشمس . قال ابن عبد البر : وهذا محمول عند أصحابه على أهل الضرورات كحائض تطهرت ، ومغمى عليه يفيق . وحكى - أيضا - عن طاوس : امتداد الظهر والعصر إلى غروب الشمس . وعن عطاء : امتدادهما إلى أن تصفر الشمس . وكذلك روي عن عطاء وطاوس أن وقت المغرب والعشاء لا يفوت حتى يطلع الفجر . وحكي معنى ذلك عن ربيعة ، وأن الوقتين مشتركان ، وأن وقت الصلاتين يمتد إلى غروب الشمس . وحكي عن أهل الحجاز جملة . وعده الأوزاعي مما يجتنب من أقوالهم ، فروى الحاكم ، عن الأصم : أخبرنا العباس بن الوليد البيروتي : ثنا أبو عبد الله بن بحر ، قال : سمعت الأوزاعي يقول : يجتنب من قول أهل العراق : شرب المسكر ، والأكل عند الفجر في رمضان ، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار ، وتأخير صلاة العصر حتى يكون ظل كل شيء أربعة أمثاله ، والفرار يوم الزحف . ومن قول أهل الحجاز : استماع الملاهي ، والجمع بين الصلاتين من غير عذر ، والمتعة بالنساء ، والدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين ، وإتيان النساء في أدبارهن . قال الأثرم في كتاب العلل : قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد - أي شيء تقول في حديث ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ثمانيا جميعا وسبعا جميعا ، من غير خوف ولا سفر ؟ فقال : ابن عباس كما ترى قد أثبت هذا - أو صححه - ، وغيره يقول - ابن عمر ومعاذ وغير واحد - ، يقولون : إنه في السفر . فقلت : أيفعله الإنسان ؟ فقال : إنما فعله لئلا يحرج أمته . وذكر الأثرم نحوه في كتاب مسائله لأحمد ، وزاد : قال أحمد : أليس قال ابن عباس : أن لا يحرج أمته ، إن قدم رجل أو أخر - نحو هذا . وهذا الذي زاده في كتاب المسائل يبين أن أحمد حمله على تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها ، وتقديم الثانية إلى أول وقتها ، كما حمله على ذلك أبو الشعثاء وعمرو بن دينار وغيرهما كما سبق . والله أعلم . وقول ابن عباس : من غير خوف ولا سفر ، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف والسفر ، فأما الجمع للسفر فيأتي الكلام فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى - ، وأما الجمع للخوف للحضر فظاهر حديث ابن عباس جوازه . وقد اختلف العلماء في جواز تأخير الصلاة عن وقتها بالكلية ، وإن لم تكن مما تجمع ، كتأخير صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، والعصر حتى تغرب الشمس ، إذا اشتد الخوف . وفيه عن أحمد روايتان . فتأخير الصلاتين المجموعتين إلى وقت الثانية وتقديمها في أول وقت الأولى إذا احتيج إلى ذلك في الخوف أولى بالجواز ، بل لا ينبغي أن يكون في جوازه خلاف عند من يبيح الجمع للسفر والمرض والمطر ، ونحو ذلك من الأعذار الخفيفة . وعن أحمد روايتان في جواز الفطر في الحضر للقتال ، ومن أصحابنا من طردهما في قصر الصلاة أيضا . وقد حكى أبو عبيد في غريبه عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - جواز قصر الصلاة في الحضر للخوف . فالجمع أولى بالجواز . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تأخير الظهر إلى العصر · ص 30 ( باب تأخير الظهر إلى العصر ) أي هذا باب في بيان تأخير صلاة الظهر إلى أول وقت العصر ، والمراد أنه لما فرغ من صلاة الظهر دخل وقت صلاة العصر ، وليس المراد أنه جمع بينهما في وقت واحد . 20 - ( حدثنا أبو النعمان ، قال : حدثنا حماد هو ابن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، فقال أيوب : لعله في ليلة مطيرة ، قال : عسى ) . مطابقته للترجمة في قوله : ( سبعا وثمانيا ) ؛ لأن المراد من قوله : سبعا المغرب والعشاء ، ومن قوله : ( ثمانيا ) الظهر والعصر على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وذلك أنه أخر المغرب إلى آخر وقته فحين فرغ منه دخل وقت العشاء ، وكذلك أخر الظهر إلى آخر وقته ، فلما صلاها خرج وقته ودخل وقت العصر صلى العصر ، فهذا الجمع الذي قاله أصحابنا إنه جمع فعلا لا وقتا ، وقيل : أشار البخاري إلى إثبات القول باشتراك الوقتين ، ( قلت ) : لا نسلم ذلك ؛ لأن من تأخير الظهر إلى العصر لا يفهم ذلك ولا يستلزمه . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول أبو النعمان محمد بن الفضل . الثاني حماد بن زيد . الثالث عمرو بن دينار . الرابع جابر بن زيد أبو الشعثاء . تقدم في باب الغسل بالصاع . الخامس أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته بصريون ما خلا عمرو بن دينار ، فإنه مكي . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ، أخرجه أيضا في صلاة الليل ، عن علي بن عبد الله ، وأخرجه مسلم فيه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن سفيان به ، وعن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن سليمان بن حرب ، ومسدد وعمرو بن عون ، ثلاثتهم عن حماد به ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة ، عن سفيان به ، وعن حماد به ، وعن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار نحوه ، وعن أبي عاصم . ذكر معناه ، قوله : ( سبعا ) ، أي : سبع ركعات ، ثلاثا للمغرب وأربعا للعشاء ، وثمان ركعات للظهر والعصر ، وفي الكلام لف ونشر ، قوله : ( الظهر ) وما عطف عليه منصوبات ، إما بدل أو عطف بيان ، أو على الاختصاص أو على نزع الخافص ، أي : للظهر والعصر ، قوله : ( أيوب ) هو أيوب السختياني ، والمقول له هو جابر بن زيد ، قوله : ( لعله ) ، أي : لعل هذا التأخير كان في ليلة مطيرة بفتح الميم وكسر الطاء ، أي : كثيرة المطر ، قوله : ( قال عسى ) ، أي : قال جابر بن زيد عسى ذلك كان في الليلة المطيرة ، فاسم عسى وخبره محذوفان . ( ذكر ما يستفاد منه ) : تكلمت العلماء في هذا الحديث ، فأوله بعضهم على أنه جمع بعذر المطر ، ويؤيد هذا ما رواه أبو داود حدثنا القعنبي ، عن مالك ، عن أبي الزبير المكي ، عن سعيد بن جبير ، عن عبد الله بن عباس قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعا ، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ، ولا سفر ، قال مالك : أرى ذلك كان في مطر ، وأخرجه مسلم والنسائي وليس فيه كلام مالك رحمه الله . وقال الخطابي : وقد اختلف الناس في جواز الجمع بين الصلاتين للمطر في الحضر ، فأجازه جماعة من السلف ، روي ذلك ، عن ابن عمر ، وفعله عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهم ، وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وأبو سلمة ، وعامة فقهاء المدينة ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل غير أن الشافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر قائما في وقت افتتاح الصلاتين معا ، وكذلك قال أبو ثور ولم يشترط ذلك غيرهما ، وكان مالك يرى أن يجمع الممطور في الطين ، وفي حالة الظلمة ، وهو قول عمر بن عبد العزيز . وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي : يصلي الممطور كل صلاة في وقتها ، ( قلت ) : هذا التأويل ترده الرواية الأخرى من غير خوف ولا مطر ، وأوله بعضهم على أنه كان في غيم فصلى الظهر ، ثم انكشف وبان أن أول وقت العصر دخل فصلاها وهذا باطل ؛ لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر ، فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء ، وأوله آخرون : على أنه كان بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار . وقال النووي ، وهو قول أحمد والقاضي حسين من أصحابنا ، واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا ، وهو المختار لتأويله لظاهر الحديث ولأن المشقة فيه أشق من المطر ، ( قلت ) : هذا أيضا ضعيف ؛ لأنه مخالف لظاهر الحديث ، وتقييده بعذر المطر ترجيح بلا مرجح ، وتخصيص بلا مخصص ، وهو باطل ، وأحسن التأويلات في هذا وأقربها إلى القبول أنه على تأخير الأولى إلى آخر وقتها ، فصلاها فيه فلما فرغ عنها دخلت الثانية فصلاها ، ويؤيد هذا التأويل ويبطل غيره ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع ، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع ، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها ، وهذا الحديث يبطل العمل بكل حديث فيه جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، سواء كان في حضر أو سفر أو غيرهما ، فإن قلت : في حديث ابن عمر إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ، رواه أبو داود وغيره ، وهذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصلاتين . وقال النووي : وفيه إبطال تأويل الحنفية في قولهم : إن المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها ، وتقديم الثانية إلى أول وقتها ، ومثله في حديث أنس إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ، ثم نزل فجمع بينهما ، وهو صريح في الجمع بين الصلاتين في وقت الثانية ، والرواية الأخرى أوضح دلالة ، وهي قوله : ( إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ) ، ثم يجمع بينهما ، وفي الرواية الأخرى : ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق ، ( قلت ) : الجواب عن الأول : أن الشفق نوعان أحمر وأبيض ، كما اختلف العلماء من الصحابة وغيرهم فيه ، ويحتمل أنه جمع بينهما بعد غياب الأحمر ، فتكون المغرب في وقتها على قول من يقول الشفق هو الأبيض ، وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول الشفق هو الأحمر ، ويطلق عليه أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق ، والحال أنه صلى كل واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في تفسير الشفق ، وهذا مما فتح لي من الفيض الإلهي . وفيه إبطال لقول من ادعى بطلان تأويل الحنفية في الحديث المذكور ، والجواب عن الثاني أن معنى قوله : ( أخر الظهر إلى وقت العصر ) أخره إلى وقته الذي يتصل به وقت العصر فصلى الظهر في آخر وقته ، ثم صلى العصر متصلا به في أول وقت العصر ، فيطلق عليه أنه جمع بينهما لكنه فعلا لا وقتا ، والجواب عن الثالث : أن أول وقت العصر مختلف فيه ، كما عرف ، وهو إما بصيرورة ظل كل شيء مثله ، أو مثليه ، فيحتمل أنه أخر الظهر إلى أن صار ظل كل شيء مثله ، ثم صلاها وصلى عقيبها العصر ، فيكون قد صلى الظهر في وقتها على قول من يرى أن آخر وقت الظهر بصيرورة ظل كل شيء مثله ، ويكون قد صلى العصر في وقتها على قول من يرى أن أول وقتها بصيرورة ظل كل شيء مثليه ، ويصدق على من فعل هذا أنه جمع بينهما في أول وقت العصر ، والحال أنه قد صلى كل واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في أول وقت العصر ، ومثل هذا لو فعل المقيم يجوز ، فضلا عن المسافر الذي يحتاج إلى التخفيف ، فإن قلت : قد ذكر البيهقي في باب الجمع بين الصلاتين في السفر ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه سار حتى غاب الشفق ، فنزل فجمع بينهما ، رواه أبو داود وغيره ، وفيه : أخر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هو ، أي : ساعة من الليل ، ثم نزل فصلى المغرب والعشاء ، ( قلت ) : لم يذكر سنده حتى ينظر فيه ، وروى النسائي خلاف هذا ، وفيه : كان - صلى الله عليه وسلم - إذا جد به أمر أو جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ، فإن قلت : قد قال البيهقي ورواه يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع فذكر أنه سار قريبا من ربع الليل ، ثم نزل فصلى ، ( قلت ) : أسنده في ( الخلافيات ) من حديث يزيد بن هارون بسنده المذكور ولفظه : فسرنا أميالا ثم نزل فصلى ، قال يحيى : فحدثني نافع هذا الحديث مرة أخرى ، فقال : سرنا حتى إذا كان قريبا من ربع الليل نزل فصلى ، فلفظه مضطرب ، كما ترى قد روي على وجهين فاقتصر البيهقي في ( السنن ) على ما يوافق مقصوده ، واستدل جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث على جواز الجمع في الحضر للحاجة ، لكن بشرط أن لا يتخذ عادة ، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير ، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث ، واستدل لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير قال : فقلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أحد من أمته ، وللنسائي من طريق عمرو بن هرم ، عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء ، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء ، فعل ذلك من شغل ، وروى مسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة ، وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم ، ثم جمع بين المغرب والعشاء والذي ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج جاء مثله ، عن ابن مسعود مرفوعا أخرجه الطبراني ولفظه : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ، فقيل له في ذلك ، فقال : صنعت هذا لئلا تحرج أمتي ، ( قلت ) : قال الخطابي في هذا الحديث : رواه مسلم ، عن ابن عباس هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء . وقال الترمذي : ليس في كتابي حديث أجمعت العلماء على ترك العمل به ، إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر ، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة ، وأما الذي أخرجه الطبراني فيرده ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة لغير وقتها ، الحديث ، وقد ذكرناه عن قريب .