6045 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ الْحُسَيْنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ . الحديث الثاني : قَوْلُهُ : ( عَنِ الْحُسَيْنِ ) هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ ، وَالْإِسْنَادُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ بَصْرِيُّونَ ، وَقَدْ دَخَلَهَا هُوَ أَيْضًا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي ذَرٍّ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ : عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِالسَّنَدِ إِلَى أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ . قَوْلُهُ : ( لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَمَا قَالَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ : إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ ، وَفِي أُخْرَى : إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ ، يَعْنِي رَجَعَتْ عَلَيْهِ ، وَ حَارَ بِمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ رَجَعَ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ قَالَ لِآخَرَ : أَنْتَ فَاسِقٌ ، أَوْ قَالَ لَهُ : أَنْتَ كَافِرٌ ، فَإِنْ كَانَ لَيْسَ كَمَا قَالَ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْوَصْفِ الْمَذْكُورِ ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَمَا قَالَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِكَوْنِهِ صَدَقَ فِيمَا قَالَ ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ فَاسِقًا وَلَا كَافِرًا أَنْ لَا يَكُونَ آثِمًا فِي صُورَةِ قَوْلِهِ لَهُ أَنْتَ فَاسِقٌ ، بَلْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَفْصِيلٌ : إِنْ قَصَدَ نُصْحَهُ أَوْ نُصْحَ غَيْرِهِ بِبَيَانِ حَالِهِ جَازَ ، وَإِنْ قَصَدَ تَعْيِيرَهُ وَشُهْرَتَهُ بِذَلِكَ وَمَحْضَ أَذَاهُ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ وَتَعْلِيمِهِ وَعِظَتِهِ بِالْحُسْنَى ، فَمَهْمَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِالرِّفْقِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِالْعُنْفِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِإِغْرَائِهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ كَمَا فِي طَبْعِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْأَنَفَةِ ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْآمِرُ دُونَ الْمَأْمُورِ فِي الْمَنْزِلَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ . ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ فِي ذَمِّ مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهُ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ هُنَا ، فَهُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَرَّقَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَيْنِ ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَتْنُ فِي بَابِ مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ بِمَعْنَى رَجَعَ أَيْضًا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الرُّجُوعِ فَقِيلَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا ، وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ سِيَاقِ الْخَبَرِ ، وَقِيلَ : مَحْمُولٌ عَلَى الْخَوَارِجِ لِأَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَكَذَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ ، عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ . لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْخَوَارِجَ لَا يَكْفُرُونَ بِبِدْعَتِهِمْ . قُلْتُ : وَلِمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَجْهٌ ، وَهُوَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُكَفِّرُ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَنَّةِ وَبِالْإِيمَانِ ، فَيَكُونُ تَكْفِيرُهُمْ مِنْ حَيْثُ تَكْذِيبِهِمْ لِلشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ صُدُورِ التَّكْفِيرِ مِنْهُمْ بِتَأْوِيلٍ كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي بَابِ مَنْ أَكْفَرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ لِزَجْرِ الْمُسْلِمِ عَنْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِ فِرْقَةِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ نَقِيصَتُهُ لِأَخِيهِ وَمَعْصِيَته تَكْفِيرِهِ ، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ . وَقِيلَ : يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَؤولَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْكُفْرِ ، كَمَا قِيلَ : الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ ، فَيُخَافُ عَلَى مَنْ أَدَامَهَا وَأَصَرَّ عَلَيْهَا سُوءُ الْخَاتِمَةِ ، وَأَرْجَحُ مِنَ الْجَمِيعِ أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ يُعْرَفُ مِنْهُ الْإِسْلَامُ وَلَمْ يَقُمْ لَهُ شُبْهَةٌ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ ، فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ فَقَدْ رَجَعَ عَلَيْهِ تَكْفِيرُهُ ، فَالرَّاجِعُ التَّكْفِيرُ لَا الْكُفْرُ ، فَكَأَنَّهُ كَفَّرَ نَفْسَهُ لِكَوْنِهِ كَفَّرَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ ، وَمَنْ لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا كَافِرٌ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ دِينِ الْإِسْلَامِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ؛ وَجَبَ الْكُفْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : حَيْثُ جَاءَ الْكُفْرُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ فَهُوَ جَحْدُ الْمَعْلُومِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَقَدْ وَرَدَ الْكُفْرُ فِي الشَّرْعِ بِمَعْنَى جَحْدِ النِّعَمِ وَتَرْكِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي بَابِ كُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : يَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، قَالَ : وَقَوْلُهُ : بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا أَيْ رَجَعَ بِإِثْمِهَا وَلَازَمَ ذَلِكَ ، وَأَصْلُ الْبَوْءِ اللُّزُومُ ، وَمِنْهُ : أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ أَيْ أُلْزِمُهَا نَفْسِي وَأُقِرُّ بِهَا ، قَالَ : وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ : بِهَا رَاجِعٌ إِلَى التَّكْفِيرَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي هِيَ أَقَلُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا لَفْظُ كَافِرٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْكَلِمَةِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقُولَ لَهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا كُفْرًا شَرْعِيًّا فَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ وَذَهَبَ بِهَا الْمَقُولُ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجَعَتْ لِلْقَائِلِ مَعَرَّةُ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَإِثْمُهُ ، كَذَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي رَجَعَ ، وَهُوَ مِنْ أَعْدَلِ الْأَجْوِبَةِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ رَفَعَهُ أن الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا ، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ فَتَأْخُذُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ ، فَإِنْ كَانَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَآخَرُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، وَلَكِنَّهُ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُنْهَى مِنْ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ · ص 480 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما ينهى عنه من السباب واللعن · ص 124 73 – حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، عن الحسين ، عن عبد الله بن بريدة ، حدثني يحيى بن يعمر أن أبا الأسود الديلي ، حدثه ، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المقعدي البصري ، وعبد الوارث بن سعيد ، والحسين المعلم ، وعبد الله بن بريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء ابن حصيب الأسلمي قاضي مرو ، ويحيى بن يعمر بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح الميم وبالراء ، كان على قضاء مرو ، وأبو أسود ظالم بن عمرو الدؤلي بضم الدال وفتح الهمزة ، شهد مع علي رضي الله تعالى عنه صفين ، وولي البصرة لابن عباس ، ومات بها ، وقد أسن ، وهو أول من تكلم بالنحو ، وأبو ذر اسمه جندب بن جنادة ، وقيل غير ذلك . والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن زهر بن حرب . قوله : لا يرمي رجل رجلا بالفسوق أي لا ينسبه إلى الفسق بأن قال : يا فاسق ، أو الكفر بأن قال : يا كافر ، قوله : إلا ارتدت عليه أي إلا رجعت عليه بأن يصير هو فاسقا أو كافرا ، والضمير في ارتدت يرجع إلى الرمية التي يدل عليها ، قوله : لا يرمي وفي رواية الإسماعيلي : إلا حار عليه بالحاء المهملة : أي إلا رجع عليه ، أي قوله ذلك رجع عليه ، وفي رواية لمسلم ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك حار عليه إلا رجع عليه أي وهذا يقتضي أن من قال لآخر : أنت فاسق ، أو قال : أنت كافر ، أو يا كافر ، فإن كان ليس كما قال كان هو المستحق للوصف المذكور ، وإن كان كما قال لا يرجع عليه شيء لكونه صدق فيما قال ، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون آثما ، لكن في تفصيل ، فإن كان قصده بذلك نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز ، وإن قصد تعييره وشهرته بذلك أو محض أذاه لم يجز لأنه مأمور بالستر عليه وموعظته بالحسنى مهما أمكنه ذلك ، وقال النووي : اختلف في تأويل هذا الرجوع فقيل : رجع عليه الكفر إن كان مستحلا ، وهذا بعيد من سياق الخبر ، وقيل : محمول على الخوارج لأنهم يكفرون المؤمنين ، هكذا نقله عياض عن مالك ، وهو ضعيف لأن الصحيح عند الأكثرين أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم ، والأصح الأرجح في ذلك أن من قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر فإنه يكفر بذلك ، فعلى هذا معنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره فالراجع التكفير لا الكفر ، فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله ، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام ، ويؤيده أن في بعض طرقه وجب الكفر على أحدهما .