6087 - حَدَّثَنَا مُوسَى ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلَكْتُ ؛ وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ قَالَ : أَعْتِقْ رَقَبَةً . قَالَ : لَيْسَ لِي ، قَالَ : فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ . قَالَ : فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا . قَالَ : لَا أَجِدُ ، فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ : الْعَرَقُ الْمِكْتَلُ - فَقَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ ، تَصَدَّقْ بِهَا ، قَالَ : عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي ، وَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، قَالَ : فَأَنْتُمْ إِذًا . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ ) هَذَا إِنَّمَا سَمِعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ بَيْنَهُمَا . وَقِصَّةُ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ ، وَقَوْلُهُ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فِيهِ بَيَانٌ لِمَا أَدْرَجَهُ غَيْرُهُ فَجَعَلَ تَفْسِيرَ الْعَرَقِ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَالنَّوَاجِذُ جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ هِيَ الْأَضْرَاسُ ، وَلَا تَكَادُ تَظْهَرُ إِلَّا عِنْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي الضَّحِكِ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ ثَامِنِ أَحَادِيثِ الْبَابِ : مَا رَأَيْتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَأَقْوَى مِنْهُ أَنَّ الَّذِي نَفَتْهُ غَيْرُ الَّذِي أَثْبَتَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالنَّوَاجِذِ الْأَنْيَابَ مَجَازًا أَوْ تَسَامُحًا وَبِالْأَنْيَابِ مَرَّةً فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي مُعْظَمِ أَحْوَالِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّبَسُّمِ ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَضَحِكَ ، وَالْمَكْرُوهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْإِكْثَارُ مِنْهُ أَوِ الْإِفْرَاطُ فِيهِ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْوَقَارَ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ فِعْلِهِ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب التَّبَسُّمِ وَالضَّحِكِ · ص 521 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب التبسم والضحك · ص 150 112 - حدثنا موسى ، حدثنا إبراهيم ، أخبرنا ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت ؛ وقعت على أهلي في رمضان قال : أعتق رقبة ، قال : ليس لي ، قال : فصم شهرين متتابعين قال : لا أستطيع ، قال : فأطعم ستين مسكينا قال : لا أجد ، فأتي بعرق فيه تمر ، قال إبراهيم : العرق المكتل ، فقال : أين السائل ؟ تصدق بها قال : على أفقر مني ، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه قال : فأنتم إذا . مطابقته للترجمة في قوله : فضحك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى بدت نواجذه . وموسى هو ابن إسماعيل ، وإبراهيم هو ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، روى هنا عن ابن شهاب الزهري بلا واسطة ، ويروي عنه أيضا بواسطة مثل صالح بن كيسان وغيره ، وحميد بن عبد الرحمن الحميري . والحديث مضى في كتاب الصوم في باب المجامع في رمضان . قوله : قال إبراهيم هو إبراهيم بن سعد وهو موصول بالسند الأول ، وفيه بيان لما أدرجه غيره ، فجعل تفسير العرق من نفس الحديث ، والعرق بفتح العين المهملة والراء السعيفة المنسوجة من الخوص ، قال الكرماني : فإن صحت الرواية بالفاء فالمعنى أيضا صحيح إذا العرق مكيال يسع خمسة عشر رطلا ، قوله : لابتيها ، أي لابتي المدينة ، واللابة بتخفيف الباء الموحدة ، الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وهي أرض ذات حجارة سود ، والمدينة بين الحرتين ، قوله : تصدق بها أمر ، قوله : حتى بدت نواجذه النواجذ بالذال المعجمة أخريات الأسنان ، والأضراس أولها في مقدم الفم : الثنايا ، ثم الرباعيات ، ثم الأنياب ، ثم الضواحك ، ثم النواجذ . فإن قلت : بين هذا وبين حديث عائشة الذي يأتي عن قريب : ما رأيته صلى الله تعالى عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته تعارض ومنافاة ، قلت : لا تعارض ولا منافاة ؛ لأن عائشة إنما نفت رؤيتها ، وأبو هريرة أخبر بما شاهده ، والمثبت مقدم على النافي ، أو نقول : عدم رؤية عائشة رضي الله تعالى عنها لا تستلزم نفي رؤية أبي هريرة ، وكل واحد منهما أخبر بما شاهده ، والخبران مختلفان ليس بينهما تضاد . وفيه وجه آخر أن من الناس من يسمي الأنياب والضواحك النواجذ ، ووقع في الصيام حتى بدت أنيابه ، فزال الاختلاف بذلك ، وهذا يرد ما روي عن الحسن البصري أنه كان لا يضحك ، وكان ابن سيرين يضحك ، ويحتج على الحسن ويقول الله : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وكانت الصحابة يضحكون ، وروي عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : سئل ابن عمر هل كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يضحكون ؟ قال : نعم ، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال انتهى . ولا يوجد أحد زهده كزهد سيد الخلق ، وقد ثبت عنه أنه ضحك ، وفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه المهديين الأسوة الحسنة . وأما المكروه من هذا الباب فهو الإكثار من الضحك كما قال لقمان عليه السلام لابنه : إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب ، والإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه ، وهو من أهل السفه والبطالة ، قوله : فأنتم إذا جواب وجزاء ، أي إن لم يكن أفقر منكم فكلوا أنتم حينئذ منه .