76 - بَاب الْحَذَرِ مِنْ الْغَضَبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَقَوْلِهِ عز وجل : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 6114 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْحَذَرِ مِنَ الْغَضَبِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ الْآيَةَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ : الْمُحْسِنِينَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي الْبَابِ فَعِنْدَ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِقَوْمٍ يَصْطَرِعُونَ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : فُلَانٌ مَا يُصَارِعُ أَحَدًا إِلَّا صَرَعَهُ ، قَالَ : أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ ؟ رَجُلٌ كَلَّمَهُ رَجُلٌ فَكَظَمَ غَيْظَهُ فَغَلَبَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَ صَاحِبِهِ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنَ الْغَضَبِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ مَنْ يَكْظِمُ غَيْظَهُ إِلَى مَنْ يَجْتَنِبُ الْفَوَاحِشَ كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَقْصُودِ . قَوْلُهُ : ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ : الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ ، وَالصُّرْعَةُ بِسُكُونِ الرَّاءِ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْرُهُ كَثِيرًا ، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَبِالسُّكُونِ فَهُوَ كَذَلِكَ كَهُمْزَةٍ وَلُمْزَةٍ وَحُفْظَةٍ وَخُدْعَةٍ وَضُحْكَةٍ ، وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَوَّلُهُ مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ ؟ قَالُوا : الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ قَالَ ابْنُ التِّينِ : ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ . وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِسُكُونِهَا ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ عَكْسُ الْمَطْلُوبِ ، قَالَ : وَضُبِطَ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ - كَرَّرَهَا ثَلَاثًا - الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْحَذَرِ مِنْ الْغَضَبِ · ص 535 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الحذر من الغضب · ص 163 باب الحذر من الغضب . أي : هذا باب في بيان الحذر من أجل الغضب ، وهو غليان دم القلب لإرادة الانتقام . لقول الله تعالى : وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وقوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ احتج للحذر من الغضب بالآيتين الكريمتين ، كذا سوق الآيتين في رواية كريمة ، وفي رواية أبي ذر ساق إلى قوله : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ثم قال الآية ، وقال بعضهم : وليس في الآيتين دلالة على التحذر من الغضب إلا أنه لما ضم من يكظم غيظه إلى من يجتنب الفواحش كان في ذلك إشارة إلى المقصود ، قلت : ليس كما قال ، بل في كل منهما دلالة على التحذر من الغضب ، أما الآية الأولى ففي مدح الذين يجتنبون كبائر الإثم ، قال ابن عباس : هو الشرك والفواحش ، قال السدي : يعني الزنا ، وقال مقاتل : يعني موجبات الحدود . وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ بمعنى يتجاوزون ، ويحلمون ، وقد قيل : إن هذه وما قبلها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، فإذا كان ما ذكر فيها مدحا يكون ضده أن لا يتجاوز الشخص إذا غضب ، فدل ذلك بالضرورة على التحذر من الغضب المذموم ، وأما الآية الأخرى ففي مدح المتقين الذين وصفهم الله بهذه الأوصاف المذكورة فيها ، فيدل ضد هذه الأوصاف على الذم ، ومن الذم عدم كظم الغيظ ، وعدم العفو عن الناس ، وعدم كظم الغيظ هو عين الغضب ، فدل ذلك أيضا على التحذر من الغضب فافهم ، والله أعلم . 138 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الإغراء على الحذر من الغضب . والحديث أخرجه مسلم في الأدب عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن الحارث بن مسكين . قوله : بالصرعة بضم الصاد المهملة ، وفتح الراء الذي يصرع الرجال مكثرا فيه ، وهو بناء المبالغة كالحفظة بمعنى كثير الحفظ ، وقال ابن التين ضبطناه بفتح الراء ، وقرأه بعضهم بسكونها ، وليس بشيء ؛ لأنه عكس المطلوب قال : وضبط أيضا في بعض الكتب بفتح الصاد ، وليس بشيء ؛ لأنه عكس المطلوب ؛ لأن الصرعة بسكون الراء من يصرعه غيره كثيرا ، وهذا غير مقصود هاهنا .