[ 53 ] ( 32 ) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ : يَا مُعَاذُ . قَالَ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : يَا مُعَاذُ . قَالَ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : يَا مُعَاذُ . قَالَ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا ؟ قَالَ : إِذًا يَتَّكِلُوا . فَأَخْبَرَ بِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا . قَوْلُ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ نَيْسَابُورِيٌّ ، فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ بَيْنِي وَبَيْنَ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ نَيْسَابُورِيَّيْنِ وَبَاقِيهِ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ الْمُشَدَّدَةِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : تَأَثَّمَ الرَّجُلُ إِذَا فَعَلَ فِعْلًا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْإِثْمِ ، وَتَحَرَّجَ أَزَالَ عَنْهُ الْحَرَجَ ، وَتَحَنَّثَ أَزَالَ عَنْهُ الْحِنْثَ . وَمَعْنَى تَأَثُّمِ مُعَاذٌ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ عِلْمًا يَخَافُ فَوَاتَهُ وَذَهَابَهُ بِمَوْتِهِ فَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ كَتَمَ عِلْمًا وَمِمَّنْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَبْلِيغِ سُنَّتِهِ فَيَكُونُ آثِمًا ، فَاحْتَاطَ وَأَخْبَرَ بِهَذِهِ السُّنَّةِ مَخَافَةً مِنَ الْإِثْمِ وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَهُ عَنِ الْإِخْبَارِ بِهَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَعَلَّ مُعَاذًا لَمْ يَفْهَمْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيَ ، لَكِنْ كَسَرَ عَزْمَهُ عَمَّا عَرَضَ لَهُ مِنْ بُشْرَاهُمْ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " مَنْ لَقِيتَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ . قَالَ : أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ بَلَغَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَخَافَ أَنْ يَكْتُمَ عِلْمًا عَلِمَهُ فَيَأْثَمَ ، أَوْ يَكُونَ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى إِذَاعَتِهِ . وَهَذَا الْوَجْهُ ظَاهِرٌ ، وَقَدِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ : مَنَعَهُ مِنَ التَّبْشِيرِ الْعَامِّ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ وَلَا عِلْمَ فَيَغْتَرَّ وَيَتَّكِلَ . وَأَخْبَرَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُصُوصِ مَنْ أَمِنَ عَلَيْهِ الِاغْتِرَارَ وَالِاتِّكَالَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ مُعَاذًا فَسَلَكَ مُعَاذٌ هَذَا الْمَسْلَكِ فَأَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْخَاصَّةِ مَنْ رَآهُ أَهْلًا لِذَلِكَ . قَالَ : وَأَمَّا أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالتَّبْشِيرِ فَهُوَ مِنْ تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ . وَقَدْ كَانَ الِاجْتِهَادُ جَائِزًا لَهُ وَوَاقِعًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَلَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ بِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الْخَطَأِ فِي اجْتِهَادِهِ . وَمَنْ نَفَى ذَلِكَ وَقَالَ : لَا يَجُوزُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَوْلُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ مُخَاطَبَتِهِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَحْيٌ بِمَا أَجَابَهُ بِهِ نَاسِخٌ لِوَحْيٍ سَبَقَ بِمَا قَالَهُ أَوَّلًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ - وَهِيَ اجْتِهَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ . فَأَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى جَوَازِ اجْتِهَادِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا وَوُقُوعُهُ مِنْهُ . وَأَمَّا أَحْكَامُ الدِّينِ فَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لِغَيْرِهِ فَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى . وَقَالَ جَمَاعَةٌ : لَا يَجُوزُ لَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ يَجُوزُ فِي الْحُرُوبِ دُونَ غَيْرِهَا . وَتَوَقَّفَ فِي كُلِّ ذَلِكَ آخَرُونَ ، ثُمَّ الْجُمْهُورُ الَّذِينَ جَوَّزُوهُ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ ؛ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ : وُجِدَ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يُوجَدْ . وَتَوَقَّفَ آخَرُونَ . ثُمَّ الْأَكْثَرُونَ الَّذِينَ قَالُوا بِالْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ اخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ الْخَطَأُ جَائِزًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَهَبَ كَثِيرُونَ إِلَى جَوَازِهِ وَلَكِنْ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِقْصَاءِ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ قَطْعًا · ص 194 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب لاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنِ اسْتِيقَانِ الْقَلْبِ · ص 208 32 - [ 26 ] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ! قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ ! قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ! قَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - فِي البُخَارِيِّ : صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ - إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار ، قَالَ : يَا رسولَ الله ، أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا ؟ قَالَ : إِذَنْ يَتَّكِلُوا ؛ فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا . و ( قوله في حديث معاذ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار ) هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم عن جميع رواته فيما عَلِمْتُهُ ، وقد زاد البخاريُّ فيه : صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ ، وهي زيادةٌ حسنةٌ تنُصُّ على صحَّةِ ما تضمَّنَتْهُ الترجمة المتقدِّمة ، وعلى فساد مذهب المرجئة ؛ كما قد قدَّمناه . ومعنى صدق القلب : تصديقُهُ الجازمُ بحيث لا يخطُرُ له نقيضُ ما صدَّق به ، وذلك إمَّا عن برهان ، فيكونُ عِلْمًا ، أو عن غيره ، فيكونُ اعتقادًا جَزْمًا . ويجوز : أن يحرِّم اللهُ مَنْ مات على الشهادتين على النار مطلقًا ، ومَنْ دخلَ النارَ مِنْ أهل الشهادتين بكبائرِهِ ، حرَّم على النارِ جميعَهُ أو بعضَهُ ؛ كما قال في الحديث الآخر : فَيحَرَّمُ صُوَرُهُمْ على النارِ ، وقال : حرَّم اللهُ على النار أنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السجود . ويجوز أن يكون معناه : إنَّ الله يحرِّمه على نارِ الكفَّار التي تُنْضِجُ جلودَهُمْ ، ثمَّ تُبَدَّل بعد ذلك ؛ كما قال تعالى : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا الآية . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : أمَّا أهلُ النار الذين هُمْ أهلُهَا ، فإنَّهم لا يموتون فيها ولا يَحْيَوْنَ ، ولكن ناسا أصابتهم النارُ بذنوبهم ، فأماتَهُمْ اللهُ إماتةً ، حتى إذا كانوا فَحَمًا ، أُذِنَ لهم في الشفاعة .. الحديثَ ، وسيأتي . و ( قوله : فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا ) أي : تحرُّجًا من الإثم ، وخوفًا منه ؛ قال الهرويُّ وغيره . وتَفَعَّل كثيرًا ما يأتي لإلقاء الرَّجُل الشيءَ عن نفسه ، وإزالتِهِ عنه ؛ يقال : تحنَّت ، وتحرَّج ، وتحوَّب : إذا ألقَى عن نفسه ذلك ، ومنه : فلانٌ يَتهجَّدُ ، أي : يُلْقِي الهُجُودَ عن نفسه ، ومنه : امرأةٌ قَذُوّرٌ : إذا كانتْ تتَجَنَّبُ الأقذارَ ؛ حكاه الثعالبيُّ .