بسم الله الرحمن الرحيم [ 56 ] ( 34 ) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا . ( 11 ) بَاب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَإِنْ ارْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ الْكَبَائِرَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ) قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَعْنَى رَضِيتُ بِالشَّيْءِ قَنَعْتُ بِهِ وَاكْتَفَيْتُ بِهِ ، وَلَمْ أَطْلُبْ مَعَهُ غَيْرَهُ . فَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَمْ يَطْلُبْ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَمْ يَسْعَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يَسْلُكْ إِلَّا مَا يُوَافِقُ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فَقَدْ خَلَصَتْ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ إِلَى قَلْبِهِ ، وَذَاقَ طَعْمَهُ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَعْنَى الْحَدِيثِ صَحَّ إِيمَانُهُ وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ وَخَامَرَ بَاطِنَهُ ; لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْمَذْكُورَاتِ دَلِيلٌ لِثُبُوتِ مَعْرِفَتِهِ وَنَفَاذِ بَصِيرَتِهِ وَمُخَالَطَةِ بَشَاشَتِهِ قَلْبَهُ ; لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ أَمْرًا سَهُلَ عَلَيْهِ . فَكَذَا الْمُؤْمِنُ إِذَا دَخَلَ قَلْبَهُ الْإِيمَانَ سَهَّلَ عَلَيْهِ طَاعَاتُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَذَّتْ لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْإِسْنَادِ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ . وَفِيهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ . هَكَذَا يَقُولهُ الْمُحَدِّثُونَ الْهَادِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِيهِ وَفِي نَظَائِرهِ بِالْيَاءِ كَالْعَاصِي وَابْنِ أَبِي الْمَوَالِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَرْوِهِ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي صَحِيحِهِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَإِنْ ارْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ الْكَبَائِرَ · ص 198 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب مَنْ يَذُوقُ طَعْمَ الإِْيمَانِ وَحَلاَوَتَهُ · ص 209 ( 12 ) بَابُ مَنْ يَذُوقُ طَعْمَ الإِْيمَانِ وَحَلاَوَتَهُ 34 - [ 27] عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا ، وَبِالإِسْلامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً . ( 12 ) وَمِنْ بَابِ مَنْ يَذُوقُ طَعْمَ الإِْيمَانِ وَحَلاَوَتَهُ ( قوله : ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ ) أي : وَجَدَ حَلاَوَتَهُ ، كما قال في حديث أنس : ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِْيمَانِ ، وهي عبارةٌ عمَّا يجده المؤمنُ المحقِّقُ في إيمانه ، المطمئنُّ قلبه به ؛ من انشراحِ صدره ، وتنويرِهِ بمعرفةِ الله تعالى ، ومعرفةِ رسوله ، ومعرفةِ مِنَّةِ الله تعالى عليه : في أنْ أنعَمَ عليه بالإسلامْ ، ونظَمَهُ في سلك أمَّةِ محمَّدٍ خيرِ الأنامْ ، وحبَّب إليه الإيمانَ والمؤمنينْ ، وبَغَّض إليه الكُفْرَ والكافرينْ ، وأنْجَاهُ من قبيح أفعالهمْ ، ورَكَاكةِ أحوالهمْ . وعند مطالعةِ هذه الْمِنَن ، والوقوفِ على تفاصيل تلك النِّعَم ، تطيرُ القلوبُ فرحًا وسرورَا ، وتمتلئُ إشراقًا ونورَا ، فيا لها مِنْ حلاوةٍ ما ألذَّها ، وحالةٍ ما أشرفَها!! فنسأله - الله - تعالى أنْ يَمُنَّ بدوامها وكمالِهَا ، كما مَنَّ بابتدائها وحُصُولِهَا ؛ فإنَّ المؤمن عند تذكُّرِ تلك النِّعَمِ والمِنَن لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة ؛ غير أنَّ المؤمنين في تمكُّنها ودوامها متفاوتون ، وما منهم إلا وله منها شِرْبٌ مَعْلُوم ، وذلك بِحَسَبِ ما قُسِمَ لهم من هذه المجاهدة الرياضيّة ، والمِنَحِ الربَّانيَّة ، وللكلام في تفاصيلِ ما أجملناه مَقَامٌ آخرُ . و ( قوله : مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا . . . ) الحديثَ ؛ الرضا بهذه الأمورِ الثلاثة على قسمَيْن : رِضًا عامٌّ : وهو ألا يَتَّخِذَ غيرَ الله ربًّا ، ولا غيرَ دين الإسلام دينًا ، ولا غيرَ محمَّد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً ؛ وهذا الرضا لا يخلو عنه مسلم ؛ إذ لا يَصِحُّ التديُّنُ بدين الإسلام إلا بذلك الرضا . والرضا الخاصُّ : هو الذي تكلَّم فيه أربابُ القلوب ، وهو ينقسم على قسمَيْن : رضًا بهذه الأمور ، ورضًا عن مُجْرِيها تعالى ؛ كما قال أبو عبد الله بنُ خَفِيف : الرضا قسمان : رضًا به ، ورضًا عنه ؛ فالرضا به مدبِّرًا ، والرضا عنه فيما قضى ، وقال أيضًا : هو سكونُ القلب إلى أحكامِ الرَّبّ ، وموافقتُهُ على ما رَضِيَ واختار ، وقال الجُنَيْد : الرضا رفعُ الاختيار ، وقال المُحَاسِبِيُّ : هو سكونُ القلب تحتَ مجاري الأحكام ، وقال أبو عليٍّ الرُّوذْبَارِيُّ : ليس الرضا ألاَّ يُحِسَّ بالبلاء ، إنما الرضا ألاَّ يَعْتَرِضَ على الحكم . قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : وما ذكره هؤلاءِ المشايخُ هو مبدأُ الرضا عندهم ، وقد ينتهي الرضا إلى ما قاله النُّورِيُّ : هو سرورُ القلبِ بِمُرِّ القضاء ، وَسُئِلَتْ رابعةُُ عن الرضا ؟ فقالتْ : إذا سرَّتْهُ المصيبةُ كما سرَّتْهُ النعمةُ . وقد غلا بعضهم وهو أبو سُلَيْمَانَ الداراني ، فقال : أرجو أنْ أكونَ عَرَفْتُ طَرَفًا من الرضا ، لو أنَّه أدخلني النارَ ، لَكُنْتُ به راضيًا . وقال رُوَيْم : الرضا هو : لو جعَلَ جهنَّمَ عن يمينه ، ما سَأَلَ أن يحَوَّلَ عن شماله . قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : وهذا غلو ، وفيه إشكالٌ ، والكلامُ فيه يُخْرِجُ عن مقصودِ كتابنا . وعلى الجملة : فالرضا بابُ اللهِ الأعظمُ ، وفيه جماعُ الخيرِ كلِّه ؛ كما قال عمر لأبي موسى فيما كتب إليه : أما بعدُ ! فإنَّ الخَيْرَ كلَّه في الرضا ؛ فإنِ استطَعَتَ أنْ ترضَى ، وإلاَّ فاصبر .