[ 81 ] ( 51 ) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ح . وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ح . وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ح . وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : سَمِعْتُ قَيْسًا يَرْوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ ، فَقَالَ : أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ هَاهُنَا ، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ . [ 82 ] ( 52 ) - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ . [ 83 ] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ح . وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . [ 84 ] - وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ الْأَعْرَجِ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ ، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً ، الْفِقْهُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ . [ 85 ] - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ . [ 86 ] - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، وَقُتَيْبَةُ ، وَابْنُ حُجْرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ . [ 87 ] - وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ . [ 88 ] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . وَزَادَ : الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ . [ 89 ] - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَضْعَفُ قُلُوبًا ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغنم ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ . [ 90 ] - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ ، هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا ، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ . وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَلَمْ يَذْكُرْ : رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ . [ 91 ] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ح . وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ .. مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ . وَزَادَ : وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَصْحَابِ الشَّاءِ . [ 92 ] ( 53 ) - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ ، وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ . ( 21 ) بَاب تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِيهِ وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ ( أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقَالَ : أَلَّا إِنَّ الْإِيمَانَ هَاهُنَا ، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ) وَفِي رِوَايَةٍ جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيُمْنِ هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً الْفِقْهُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ . وَفِي رِوَايَةٍ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوُ الْمَشْرِقِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ . وَفِي رِوَايَةٍ : الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، وَرَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ . وَفِي رِوَايَةٍ : غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ ، وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ . قَدِ اخْتُلِفَ فِي مَوَاضِعِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ جَمَعَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وَنَقَّحَهَا مُخْتَصَرَةً بَعْدَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وَأَنَا أَحْكِي مَا ذَكَرَهُ . قَالَ : أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ نِسْبَةِ الْإِيمَانِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَدْ صَرَفُوهُ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَبْدَأَ الْإِيمَانِ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ مِنَ الْمَدِينَةِ حَرَسَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ إِمَامُ الْغَرْبِ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا : أَحَدُهَا : أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يُقَالُ : إِنَّ مَكَّةَ مِنْ تِهَامَةَ ، وَتِهَامَةُ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ هَذَا الْكَلَامَ وَهُوَ بِتَبُوكَ ، وَمَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمَنِ ، فَأَشَارَ إِلَى نَاحِيَةِ الْيَمَنِ ، وَهُوَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ ، فَقَالَ : الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَنَسَبَهُمَا إِلَى الْيَمَنِ لِكَوْنِهِمَا حِينَئِذٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْيَمَنِ ، كَمَا قَالُوا الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ وَهُوَ بِمَكَّةَ لِكَوْنِهِ إِلَى نَاحِيَةِ الْيَمَنِ . وَالثَّالِثُ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ أَحْسَنُهَا عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَنْصَارُ لِأَنَّهُمْ يَمَانُونَ فِي الْأَصْلِ فَنَسَبَ الْإِيمَانَ إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَنْصَارَهُ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَلَوْ جَمَعَ أَبُو عُبَيْدٍ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ طُرُقَ الْحَدِيثِ بِأَلْفَاظِهِ كَمَا جَمَعَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، وَتَأَمَّلُوهَا لَصَارُوا إِلَى غَيْرِ مَا ذَكَرُوهُ ، وَلَمَا تَرَكُوا الظَّاهِرَ ، وَلَقَضَوْا بِأَنَّ الْمُرَادَ الْيَمَنَ ، وَأَهْلَ الْيَمَنِ عَلَى مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ ; إِذْ مِنْ أَلْفَاظِهِ أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَالْأَنْصَارُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ فَهُمْ إِذَنْ غَيْرُهُمْ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ وَإِنَّمَا جَاءَ حِينَئِذٍ غَيْرُ الْأَنْصَارِ ثُمَّ إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَهُمْ بِمَا يَقْضِي بِكَمَالِ إِيمَانِهِمْ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ ( الْإِيمَانُ يَمَانٍ ) فَكَانَ ذَلِكَ إِشَارَةٌ لِلْإِيمَانِ إِلَى مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لَا إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ . وَلَا مَانِعَ مِنْ إِجْرَاءِ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَحَمْلِهِ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ حَقِيقَةً ; لِأَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ وَقَوِيَ قِيَامُهُ بِهِ ، وَتَأَكَّدَ اطِّلَاعُهُ مِنْهُ ، يُنْسَبُ ذَلِكَ الشَّيْءُ إِلَيْهِ إِشْعَارًا بِتَمَيُّزِهِ بِهِ ، وَكَمَالِ حَالِهِ فِيهِ ، وَهَكَذَا كَانَ حَالُ أَهْلِ الْيَمَنِ حِينَئِذٍ فِي الْإِيمَانِ ، وَحَالُ الْوَافِدِينَ مِنْهُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي أَعْقَابِ مَوْتِهِ كَأُوَيْسٍ الْقَرْنِيِّ ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَشِبْهِهِمَا مِمَّنْ سَلِمَ قَلْبُهُ ، وَقَوِيَ إِيمَانُهُ فَكَانَتْ نِسْبَةُ الْإِيمَانِ إِلَيْهِمْ لِذَلِكَ إِشْعَارًا بِكَمَالِ إِيمَانِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ نَفْيٌ لَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمَوْجُودُونَ مِنْهُمْ حِينَئِذٍ لَا كُلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَإِنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ . هَذَا هُوَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ وَنَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى هِدَايَتِنَا لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : وَأَمَّا مَا ذَكَرَ مِنَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ فَالْفِقْهُ هُنَا عِبَارَةٌ عَنِ الْفَهْمِ فِي الدِّينِ ، وَاصْطَلَحَ بَعْدَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ وَأَصْحَابُ الْأُصُولِ عَلَى تَخْصِيصِ الْفِقْهِ بِإِدْرَاكِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَعْيَانِهَا . وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فَفِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ مُضْطَرِبَةٌ قَدِ اقْتَصَرَ كُلٌّ مِنْ قَائِلِيهَا عَلَى بَعْضِ صِفَاتِ الْحِكْمَةِ . وَقَدْ صَفَا لَنَا مِنْهَا أَنَّ الْحِكْمَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِلْمِ الْمُتَّصِفِ بِالْأَحْكَامِ ، الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، الْمَصْحُوبِ بِنَفَاذِ الْبَصِيرَةِ وَتَهْذِيبِ النَّفْسِ ، وَتَحْقِيقِ الْحَقِّ ، وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَالصَّدِّ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْبَاطِلِ . وَالْحَكِيمُ مَنْ لَهُ ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ : كُلُّ كَلِمَةٍ وَعَظَتْكَ ، وَزَجَرَتْكَ ، أَوْ دَعَتْكَ إِلَى مَكْرُمَةٍ ، أَوْ نَهَتْكَ عَنْ قَبِيحٍ ، فَهِيَ حِكْمَةٌ وَحُكْمٌ . مِنْهُ قَوْلُه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الشَّعْرِ حِكْمَةً . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : حُكْمًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الشَّيْخُ : وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( يَمَانٍ وَيَمَانِيَةٌ ) هُوَ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الْأَلِفَ الْمَزِيدَةَ فِيهِ عِوَضٌ مِنْ يَاءِ النَّسَبِ الْمُشَدَّدَةِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا . وَقَالَ ابْنُ السَّيِّدِ فِي كِتَابِهِ ( الِاقْتِضَابُ ) : حَكَى الْمُبَرِّدُ وَغَيْرُهُ أَنَّ التَّشْدِيدَ لُغَةٌ . قَالَ الشَّيْخُ : وَهَذَا غَرِيبٌ . قُلْتُ : وَقَدْ حَكَى الْجَوْهَرِيُّ وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ عَنْ سِيبَوَيْهِ : أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْيَمَانِيُّ بِالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ ، وَأَنْشَدَ لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ : يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشِبُّ كِيرًا وَيَنْفُخُ دَائِمًا لَهَبَ الشُّوَاظِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الشَّيْخُ : وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً ) الْمَشْهُورُ أَنَّ الْفُؤَادَ هُوَ الْقَلْبُ . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَرَّرَ لَفْظَ الْقَلْبِ بِلَفْظَيْنِ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَكْرِيرِهِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ . وَقِيلَ : الْفُؤَادُ غَيْرُ الْقَلْبِ ، وَهُوَ عَيْنُ الْقَلْبِ ، وَقِيلَ : بَاطِنُ الْقَلْبِ ، وَقِيلَ : غِشَاءُ الْقَلْبِ . وَأَمَّا وَصْفُهَا بِاللِّينِ وَالرِّقَّةِ وَالضَّعْفِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا ذَاتُ خَشْيَةٍ وَاسْتِكَانَةٍ سَرِيعَةِ الِاسْتِجَابَةِ وَالتَّأْثِيرِ بِقَوَارِعِ التَّذْكِيرِ سَالِمَةً مِنَ الْغِلَظِ وَالشِّدَّةِ وَالْقَسْوَةِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا قُلُوبَ الْآخَرِينَ . قَالَ : وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فِي الْفَدَّادِينَ ) فَزَعَمَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ أَنَّهُ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَهُوَ جَمْعُ ( فَدَّانٍ ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْبَقَرِ الَّتِي يُحْرَثُ عَلَيْهَا . حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ . وَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَصْحَابُهَا فَحَذَفَ الْمُضَافَ . وَالصَّوَابُ فِي ( الْفَدَّادِينَ ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ جَمْعُ ( فَدَّادٍ ) بِدَالَيْنِ أُولَاهُمَا مُشَدَّدَةٌ . وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالْأَصْمَعِيِّ ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ . وَهُوَ مِنْ ( الْفَدِيدِ ) وَهُوَ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ . فَهُمُ الَّذِينَ تَعْلُو أَصْوَاتُهُمْ فِي إِبِلِهِمْ ، وَخَيْلِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى : هُمُ الْمُكْثِرُونَ مِنَ الْإِبِلِ الَّذِينَ يَمْلِكُ أَحَدُهُمُ الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا إِلَى الْأَلْفِ . وَقَوْلُهُ ( إِنَّ الْقَسْوَةَ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ ) مَعْنَاهُ الَّذِينَ لَهُمْ جَلَبَةٌ وَصِيَاحٌ عِنْدَ سَوْقِهِمْ لَهَا . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ) . قَوْلُهُ ( رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ) بَدَلٌ مِنَ الْفَدَّادِينَ ، وَأَمَّا قَرْنَا الشَّيْطَانِ فَجَانِبَا رَأْسِهِ ، وَقِيلَ : هُمَا جَمْعَاهُ اللَّذَانِ يُغْرِيهِمَا بِإِضْلَالِ النَّاسِ ، وَقِيلَ : شِيعَتَاهُ مِنَ الْكُفَّارِ . وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ اخْتِصَاصُ الْمَشْرِقِ بِمَزِيدٍ مِنْ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ وَمِنَ الْكُفْرِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ . وَكَانَ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ ذَلِكَ ، وَيَكُونُ حِينَ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ نحو الْمَشْرِقِ . وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مَنْشَأُ الْفِتَنِ الْعَظِيمَةِ ، وَمَثَارُ الْكَفَرَةِ التُّرْكِ الْغَاشِمَةِ الْعَاتِيَةِ الشَّدِيدَةِ الْبَأْسِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ ) فَالْفَخْرُ هُوَ الِافْتِخَارُ ، وَعَدُّ الْمَآثِرِ الْقَدِيمَةِ تَعْظِيمًا ، وَالْخُيَلَاءُ الْكِبْرُ وَاحْتِقَارُ النَّاسِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ) فَالْوَبَرُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْإِبِلِ دُونَ الْخَيْلِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ جَامِعِينَ بَيْنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالسُّكُونِ . عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ صِفَةِ الْفَدَّادِينَ . هَذَا آخِرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِيهِ كِفَايَةٌ فَلَا نُطَوِّلُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَسَانِيدُ الْبَابِ فَقَالَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ كُلُّهمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : سَمِعْتُ قَيْسًا يَرْوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ) ، هَؤُلَاءِ الرجال كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ إِلَّا يَحْيَى بْنَ حَبِيبٍ وَمُعْتَمِرًا فَإِنَّهُمَا بَصْرِيَّانِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اسْمَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَنَّ أَبَا أُسَامَةَ : حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، وَابْنُ إِدْرِيسَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَأَبُو خَالِدٍ هُرْمُزُ ، وَقِيلَ : سَعْدٌ ، وَقِيلَ : كَثِيرٌ . وَأَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - . وَفِي الْإِسْنَادِ الْآخَرِ الدَّارِمِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدٍّ لِلْقَبِيلَةِ اسْمُهُ دَارِمٌ ، وَفِيهِ أَبُو الْيَمَانِ وَاسْمُهُ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ، وَبَعْدَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَأَبُو صَالِحٍ ذَكْوَانُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ تَدْرُسَ . وَكُلُّ هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فَإِنَّمَا أَقْصِدُ بِتَكْرِيرِهِ وَذِكْرِهِ الْإِيضَاحَ لِمَنْ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ فَرُبَّمَا وَقَفَ عَلَى هَذَا الْبَابِ ، وَأَرَادَ مَعْرِفَةَ اسْمِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى مُطَالَعَةِ تَرْجَمَتِهِ ، وَمَعْرِفَةِ حَالِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ ، فَسَهَّلْتُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ بِعِبَارَةٍ مُخْتَصَرَةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِيهِ وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ · ص 223 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ · ص 236 ( 18 ) بَابٌ الإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ 51 - [ 41 ] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، قَالَ : أَشَارَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْو الْيَمَنِ ، فَقَالَ : أَلاَ إِنَّ الإِْيمَانَ هاهُنَا ، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِْبِلِ ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ . ( 18 ) وَمِنْ بَابِ الإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ( قوله : أَشَارَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْو الْيَمَنِ ، وَقَالَ : أَلاَ إِنَّ الإِْيمَانَ هاهُنَا ) قيل : إنَّ هذه الإشارة صدَرَتْ عنه - عليه الصلاة والسلام - وهو بتَبُوكَ ، وبينه وبين اليمن مكةُ والمدينة ؛ ويؤيِّد هذا قولُهُ في حديث جابر : الإِْيمَانُ فِي أهل الْحِجَازِ ، فعلى هذا : يكونُ المرادُ بأهلِ اليمن : أهلَ المدينة ومَنْ يليهم إلى أوائلِ اليمن . وقيل : كان بالمدينة ؛ ويؤيِّده أنَّ كونَهُ بالمدينة كان غالبَ أحوالِهِ ؛ وعلى هذا : فتكونُ الإشارة إلى سُبَّاقِ اليمن ، أو إلى القبائل اليمنيَّة الذين وَفَدُوا على أبي بكر لفتحِ الشامِ وأوائلِ العراق ؛ وإليهم الإشارةُ بقوله - عليه الصلاة والسلام - : إنِّي لأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمنِ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ ، أي : نَصْرَهُ في حياتِهِ وتنفيسَه عنه فيها ، وبعد مماته ، والله تعالى أعلم . وسُمِّيَ اليَمَنُ يَمَنًا ؛ لأنَّه عن يمين الكعبة ، وسُمِّيَ الشامُ شامًا ؛ لأنَّه عن يسارِ الكعبة ، مأخوذٌ من اليدِ الشُؤْمَى ، وهي اليُسْرَى . و ( قوله : إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِْبِلِ ) الْقَسْوَةُ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ : اسمان لمسمًّى واحدٍ ، وهو نحو قولِهِ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ، والبَثُّ : هو الحُزْن . قال المؤلِّف : وَيَحْتَمِلُ أن يقال : إِنَّ القسوةَ يرادُ بها : أنَّ تلك القلوبَ لا تَلِينُ لموعظة ولا تخشَعُ لِتَذْكار ، وغلظها : ألا تَفْهَمَ ولا تَعْقِل ، وهذا أولى من الأوَّل . والفَدَّادون مشدَّد الدال : جمعُ فَدَّاد ؛ قال أبو عُبَيْدٍ : هم المُكْثِرون من الإبل ، وهم جُفَاةٌ أهلُ خُيَلاَءَ ، واحدهم : فدَّاد ، وهو الذي يملكُ من المائتين إلى الألف . وقال أبو العبَّاس : هم الجَمَّالون والبَقَّارون ، والحَمَّارون والرُّعْيان . وقال الأصمعيُّ : هم الذين تعلو أصواتُهُمْ في حروثهم وأموالهم ومواشيهم ، قال : والفديدُ : الصوت ، وقد فَدَّ الرجلُ يَفِدُّ فديدًا ؛ وأنشد : أَعَاذِلُ مَا يُدْرِيكَ أَنْ رُبَّ هَجْمَةٍ لأَِخْفَافِهَا فَوْقَ المِتَانِ فَدِيدُ ورجلٌ فدَّاد : شديدُ الصوت . وأمَّا الفَدَادون بتخفيف الدال : فهي البَقَرُ التي تحرُثُ ، واحدها : فَدَّانُ بالتشديد ، عن أبي عمرو الشَّيْبانيِّ . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وأمَّا الحديثُ فليس فيه إلاَّ روايةُ التشديد ، وهو الصحيحُ على ما قاله الأصمعيُّ وغيره . و ( قوله : عِنْدَ أُُصولِ أَذْنَابِ الإِْبِلِ ) المراد به ، والله أعلم : الملازمون للإبِلِ ، السائقون لها . ويظهر لي : أنَّ الفَدَّادين هو العاملُ في غير مكانه . قال : المصوِّتون عند أذناب الإبِلِ سَوْقًا لها ، وحَدْوًا بها . و ( قوله : حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ) هذا تعيينٌ لمواضعهم ؛ كما قال في الرواية الأخرى : رَأسُ الكُفْرِ قِبَلَ المَشْرِقِ . واختُلِفَ في قَرْنَيِ الشيطان : فقيل : هما ناحيتا رأسِهِ العُلْيَا ، وهذا أصلُ هذا اللفظ وظاهره ؛ فإنَّ قَرْنَ الشيءِ أعلاه في اللغة ؛ فيكونُ معناه على هذا : أنَّ الشيطاَن ينتصبُ قائمًا مع طلوعِ الشمس لِمَنْ يسجد للشمس ؛ لِيُسْجَدَ له ، ويُعْبَدَ بعبادتها ، ويَفْعَلُ هذا في الوقت الذي يسجُدُ لها الكُفَّار ؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - : إنَّ الشمسَ تَطْلُعُ ومعها قَرْنُ الشَّيْطَان ، فإذا ارتفعَتْ فارَقَهَا ، ثُمَّ إذا استَوَتْ قارَنَهَا ، فإذا زالَتْ فارَقَهَا ، ثم إذا قارَبَتِ الغروبَ قارنَهَا ، ثم إذا غرَبَتْ فارَقَهَا . وقيل : القَرْنُ الجماعةُ من الناس والأُمَّة ؛ ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - : خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ . وعلى هذا فيكونُ معنى قَرْنَيِ الشيطان في الحديث : أنَّهما أُمَّتان عظيمتان يَعْبُدُونَ غيرَ الله ، ولعلَّهم في ذلك الوقت ربيعةُ ومُضَرُ المذكوران في الحديث ، أو أُمَّتَانِ من الفُرْسِ يعبدون الشمسَ ، ويَسْجُدُونَ لها مِنْ دون الله ؛ كما جاء في الحديث : وحينئذٍ يَسْجُدُ لها الكُفَّارُ . وقال الخَطَّابِي : قَرْنُ الشيطانِ ضَرَبَ به المَثَلَُ فيما لا يُحْمَدُ من الأمور . وقيل : المرادُ بهذا الحديث : ما ظهَرَ بالعراق من الفتنِ العظيمة ، والحروبِ الهائلة ؛ كوقعةِ الجَمَل ، وحروبِ صِفِّين ، وحَرُورَاء ، وفِتَنِ بني أميَّة ، وخُرُوجِ الخوارج ؛ فإنَّ ذلك كان أصلُهُ ، ومنبعُهُ العراقَ ومَشْرِقَ نَجْد ، وتلك مساكنُ ربيعةَ ومُضَرَ إذْ ذاك ، والله أعلم . 52 - [ 42 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : جَاءَ أَهلُ الْيَمَنِ ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا ، الإِْيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، السَّكِينَةُ فِي أهل الْغَنَمِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي الْفَدَّادِينَ أهل الْوَبَرِ قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ . وَفِي رِوَايَةٍ : رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ . 53 - [ 43 ] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ ، وَالإِيمَانُ فِي أهل الْحِجَازِ . و ( قوله في أهل اليمن : هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا ) يعني : مِنْ أهلِ المشرق ، لا مِنْ أهل الحجاز ؛ لأنَّه - عليه الصلاة والسلام - قد قال في الحديث الآخر : وَالإِْيمَانُ فِي أهل الْحِجَازِ ، واليَمَنُ من الحجاز ؛ كما سيأتي بيانُهُ إِنْ شاء الله تعالى . وقد وصَفَ أهلَ اليمنِ في هذا الحديث بضدِّ ما وصَفَ به أهلَ العراق ؛ فإنَّه قابَلَ وصفَي القسوةِ والغِلَظِ بوصفَيِ الرِّقَّةِ والضعف ؛ والرقَّةُ في مقابلة القسوة ، والضعفُ يقابلُ الغِلَظَ ، فمعنى أَرَقُّ : أخشَعُ ، ومعنى أضعَفُ : أسرَعُ فَهمًا وانفعالاً للخير . والأفئدة : جمعُ فؤاد ، وهو القلبُ ، وقيل : الفؤادُ داخلُ القلب ، أي : اللطيفةُ القابلةُ للمعاني مِنَ العلومِ وغيرها . وقوله : الإِْيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، قد تقدَّم القولُ في الإيمان . والحِكْمَةُ عند العرب : ما منَعَ من الجهل والجفاء ، والحكيم : مَنْ منعهُ عقلُهُ وحِلْمُهُ من الجهل ؛ حكاه ابنُ عَرَفة ، وهو مأخوذٌ من حَكَمَةِ الدابَّة ، وهي الحديدةُ التي في اللجام ، سُمِّيَتْ بذلك ؛ لأنّها تمنعها . وهذه الأحرف ح ك م حيثما تَصَرَّفَتْ فيها معنى المَنْع ، قال الشاعر : أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِموا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي خَشِيتُ عَلَيْكُمْ أن أَغْضَبَا وقيل في قوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ : إنَّها الإصابةُ في القولِ والفهم ؛ قال مالك : الحِكْمةُ الفِقْهُ في الدين . و ( قوله : وَالسَّكِينَةُ فِي أهل الْغَنَمِ ) أي : السكونُ والوَقَارُ والتواضع . والفَخْرُ : التفاخرُ بالآباءِ الأشراف وكثرةِ الأموال والخَوَل والجاه ، وغير ذلك مِنْ مراتب أهل الدنيا . والخُيَلاَء : ممدودة وزنُهُ عند سيبويه : فُعَلاَء ، وهي التكبُّرُ والتعاظم ؛ يقال : خالَ الرجلُ يَخُولُ ، فهو خَالٌ وذو خَالٍ ومَخِيلَةٍ ؛ ومنه قولُ طلحةَ لِعُمَرَ : إنَّا لاَ نَخُولُ عليك ، أي : لا نتكبَّر عليك ، ويقالُ : اختالَ يختالُ فهو مختالٌ ؛ ومنه قولُهُ تعالى : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وأهلُ الوَبَر ، يعني به : أهلَ ذات الوبر ، وهي الإبلُ ، والوَبَرُ للإبل كالصوفِ للغَنَمِ ، والشَّعْرِ للمَعْز ؛ ولذلك قال الله تعالى : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ . وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - إخبارٌ عن أكثرِ حالِ أهلِ الغنم ، وأهلِ الإبلِ وأغلبه . ورَأْسُ الْكُفْرِ : معظمُهُ ويريدُ : أنَّ كثرةَ أهلِهِ ورياستَهُمْ هناك . والحجاز سُمِّيَ بذلك ؛ لِحَجْزه بين نَجْدٍ وتِهَامَةَ ؛ قاله القتبي ، وقال ابنُ دُرَيْد : لحجزه بين نجد والسَّرَاة ، قال الأصْمعي : إذا انحدَرْتَ من ثنايا ذاتِ عِرْق ، فقد أَتْهَمْتَ إلى البحر ، فإذا استَقْبَلَكَ الحِرَارُ ، فذلك الحجاز ، سمِّيت بذلك ؛ لأنَّها حُجِزَتْ بالحِرَارِ الخَمْس ، وقيل : حَدُّ الحجاز مِنْ جهة الشام : شَعبٌ ، ومما يلي تِهَامَةَ : بَدْرٌ وعُكَاظ . قال بعضُ علمائنا : يجوزُ أن يكون المرادُ بالحجاز في هذا الحديث : المدينةَ فقطْ ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - قال : إِنَّ الإِْيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ .