[ 112 ] ( 61 ) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ، أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ ، وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ - أَوْ قَالَ : عَدُوَّ اللَّهِ - وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فِيمَنِ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ ، كَفَرَ ) ، فَقِيلَ : فِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِلِّ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ كُفْرُ النِّعْمَةِ وَالْإِحْسَانِ وَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحَقِّ أَبِيهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكُفْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ . وَهَذَا كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( يَكْفُرْنَ ) ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِكُفْرَانِهِنَّ الْإِحْسَانَ وَكُفْرَانِ الْعَشِيرِ . وَمَعْنَى ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ أَيِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ ، وَاتَّخَذَهُ أَبًا . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَهُوَ يَعْلَمُ ) تَقْيِيدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَإِنَّ الْإِثْمَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْعَالِمِ بِالشَّيْءِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا ) فَقَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى هَدْيِنَا وَجَمِيلِ طَرِيقَتِنَا ; كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِابْنِهِ : لَسْتَ مِنِّي ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) قَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْمُقَدِّمَةِ بَيَانَهُ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ فَلْيَنْزِلْ مَنْزِلَهُ مِنْهَا ، أَوْ فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلًا بِهَا ، وَأَنَّهُ دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ بِلَفْظِ الْأَمْرِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ وَمَعْنَاهُ : هَذَا جَزَاؤُهُ فَقَدْ يُجَازَى ، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ ، وَقَدْ يُوَفَّقُ لِلتَّوْبَةِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ دَعْوَى مَا لَيْسَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ أَمْ لَا . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ الْحَاكِمُ إِذَا كَانَ لَا يَسْتَحِقُّهُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ ، أَوْ قَالَ : عَدُوَّ اللَّهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ ) فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ قِيلَ إِنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى الْمَعْنَى . وَتَقْرِيرُهُ مَا يَدْعُوهُ أَحَدٌ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ) فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ جَارِيًا عَلَى اللَّفْظِ . وَضَبَطْنَا ( عَدُوَّ اللَّهِ ) عَلَى وَجْهَيْنِ : الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ . وَالنَّصْبُ أَرْجَحُ عَلَى النِّدَاءِ أَيْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ أَيْ هُوَ عَدُوُّ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ لِأَخِيهِ : ( كَافِرٌ ) فَإِنَّا ضَبَطْنَاهُ ( كَافِرٌ ) بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَسَانِيدُ الْبَابِ فَفِيهِ : ( ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ) . فَأَمَّا ( ابْنُ بُرَيْدَةَ ) فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيُّ وَلَيْسَ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ أَخَاهُ . وَهُوَ وَأَخُوهُ سُلَيْمَانُ ثِقَتَانِ سَيِّدَانِ تَابِعِيَّانِ جَلِيلَانِ وُلِدَا فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَأَمَّا ( يَعْمَرَ ) فَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بُرَيْدَةَ وَيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ فِي أَوَّلِ إِسْنَادٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ . وَأَمَّا ( أَبُو الْأَسْوَدِ ) فَهُوَ الدُّؤَلِيُّ وَاسْمُهُ ظَالِمُ بْنُ عَمْرٍو ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقِيلَ : عَمْرُو بْنُ ظَالِمٍ ، وَقِيلَ : عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقِيلَ : عَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : اسْمُهُ عُوَيْمِرُ بْنُ ظُوَيْلِمٍ ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ قَاضِيهَا ، وَكَانَ مِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ ، وَهُوَ الَّذِي وَضَعَ النَّحْوَ ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ . وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ جِلَّةٌ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ : ابْنُ بُرَيْدَةَ وَيَحْيَى ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ . وَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَالْمَشْهُورُ فِي اسْمِهِ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ بُرَيْرٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ ، وَاسْمُ أُمِّهِ رَمْلَةُ بِنْتُ الْوَقِيعَةِ كَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ ، وَقِيلَ : خَامِسَ خَمْسَةٍ ، مَنَاقِبُهُ مَشْهُورَةٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ · ص 238 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب إِثْمِ مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا أو كَفَرَ حَقَّهُ · ص 254 61 - [ 51 ] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ - وهو يَعْلَمُهُ - إِلاَّ كَفَرَ ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ ، فَلَيْسَ مِنَّا ، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ، وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ ، أو قَالَ : عَدُو اللهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ . و ( قوله : لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ ، وهو يَعْلَمُهُ ، إِلاَّ كَفَرَ ) أي : انتسَبَ لغير أبيه رغبةً عنه مع عِلْمِه به . وهذا إنَّما يفعله أهلُ الجفاءِ والجهلِ والكِبْر ؛ لِخِسَّةِ مَنْصِبِ الأب ودناءته ؛ فيرى الانتسابَ إليه عارًا ونقصًا في حقِّه . ولا شكَّ في أنَّ هذا محرَّمٌ معلومُ التحريمِ ، فمَنْ فعَلَ ذلك مستحلاًّ ، فهو كافرٌ حقيقةً ، فيبقى الحديثُ على ظاهره . وأمَّا إنْ كان غيرَ مستحلٍّ ، فيكونُ الكفرُ الذي في الحديثِ محمولاً على كفرانِ النِّعَمِ والحقوقِ ؛ فإنَّه قابَلَ الإحسانَ بالإساءة ، ومَنْ كان كذلك ، صدَقَ عليه اسمُ الكافر ، وعلى فِعْلِهِ أنَّهُ كُفْرٌ ؛ لغةً وشرعًا على ما قرَّرْناه ، ويحتملُ أن يقال : أُطْلِقَ عليه ذلك ؛ لأنَّه تَشَبَّهَ بالكُفَّار أهلِ الجاهليَّةِ ، أهلِ الكِبْرِ والأنفة ؛ فإنَّهم كانوا يفعلون ذلك ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ ، فَلَيْسَ مِنَّا ) ظاهره : التبرِّي المُطْلَقُ ، فيبقى على ظاهره في حقِّ المستحِلِّ لذلك ؛ على ما تقدَّم . ويُتأوَّلُ في حقِّ غير المستحلِّ بأنَّه ليس على طريقة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا على طريقةِ أهلِ دينه ؛ فإنَّ ذلك ظلمٌ ، وطريقةُ أهلِ الدِّينِ : العدلُ ، وتركُ الظلم ، ويكونُ هذا كما قال : لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ ، وَشَقَّ الجُيُوب ، ويقرُبُ منه : مَنْ لم يَأْخُذْ مِنْ شاربِهِ ، فليس مِنَّا . 63 - [ 52 ] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي بَكْرَةَ ، كِلاَهُمَا قَالَ : سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي ، مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وهو يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ . و ( قوله : سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي : مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - ) الضميرُ في سَمِعَتْهُ ضميرُ المصدر الذي دَلَّ عليه سَمِعَتْهُ ، أي : سَمِعَته سمعًا أُذْنَايَ ؛ كما تقولُ العربُ : ظننتُهُ زيدًا قائمًا ، أي : ظَنَنْتُ ظنًّا زيدًا قائمًا ، وهذا الوجهُ أحسنُ ما يقالُ فيه إنْ شاء الله تعالى . ويجوزُ : أن يكونَ الضميرُ عائدًا على معهودٍ متصوَّرٍ في نفوسهم ، ومحمّد بدلٌ منه ، والله أعلم . 64 - [ 53 ] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ . و ( قوله : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ) أي : خروجٌ عن الذي يجبُ من احترامِ المسلم ، وحرمةِ عِرْضِهِ وسَبِّه ، وقد تقدَّم القولُ في الفِسْق . و ( قوله : وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) القول فيه على نحو ما ذكرناه آنفا . 65- [ 54 ] وَعَنْ جَرِيرٍ ، قَالَ : قَالَ لِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : اسْتَنْصِتْ لِيَ النَّاسَ ، ثُمَّ قَالَ : لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ . و ( قوله : لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ) أي : لا تَتشَبَّهُوا بالكفَّار في المقاتلةِ والمقاطعة . وفيه : ما يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم ما يكونُ بعده في أمَّته من الفتن والتقاتل ، ويَدُلُّ أيضًا : على قربِ وقوعِ ذلك مِنْ زمانه ؛ فإنَّه خاطَبَ بذلك أصحابَهُ ، وظاهُرُه : أنَّه أرادهم ؛ لأنَّه بهم أعنَى ، وعليهم أحنَى ، ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك . 68 و 69 و 70 - [ 55] وَعَنْهُ ؛ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ ، فَقَدْ كَفَرَ ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ . وَفِي آخَرَ : أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ . وَفِي آخَرَ : إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ . و ( قوله : أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ ، فَقَدْ كَفَرَ ) محمولٌ على ما ذكرنا . و ( قوله : فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ ) أي : ذِمَّةُ الإيمان وعهدُهُ وخَفَارَتُهُ : إنْ كان مستحلاًّ للإباق ، فيجبُ قتلُهُ بعد الاستتابة ؛ لأنَّه مرتدٌّ ، وإنْ لم يكن كذلك ، فقد خرَجَ عن حُرْمة المؤمنين وذِمَّتهم ؛ فإنَّهُ تجوزُ عقوبتُهُ على إباقه ، وليس لأحدٍ أن يحولَ بين سيَّده وبين عقوبتِهِ الجائزةِ إذا شاءها السَّيِّد . ويقال : بَرِئْتُ مِنَ الرَّجُلِ والدَّيْنِ بَرَاءةً ، وبَرئتُ أَبْرَأُ إليه بُرْءًا وبُرُوءًا ، ويقالُ أيضًا : بَرُؤْتُ - بضمِّ الراء - أَبْرُؤُ . و ( قوله : لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ ) إنْ كان مستحلاًّ ، حُمِلَ الحديثُ على ظاهره ؛ لأنَّه يكون كافرًا ، ولا يُقْبَلُ لكافرٍ عملٌ . وإن لم يكنْ كذلك ، لم تصحَّ صلاتُهُ على مذهب المتكلِّمين في الصلاة في الدار المغصوبة ؛ لأنَّه منهيٌّ عن الكَوْنِ في المكانِ الذي يصلِّي فيه ، ومأمورٌ بالرجوع إلى سيِّده ، وأمَّا على مذهب الفقهاءِ المصحِّحين لتلك الصلاة ، فيمكنُ أن يُحْمَلَ الحديثُ على مذهبهم على أنَّ الإِثْمَ الذي يلحقه في إباقِه أكثَرُ من الثواب الذي يدخُلُ عليه من جهة الصلاة ؛ فكأنَّه صلاتَهُ لم تُقْبَلْ ؛ إذْ لم يتخلَّصْ بسببها من الإثم ، ولا حصَلَ له منها ثوابٌ يتخلَّصُ به من عقابِ الله على إباقه ؛ فكان هذا كما قلناه في قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنَّ شَارِبَ الخَمْرِ لاَ تُقْبَلُ منهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وقد كنا كتبنا في ذلك الحديثِ جزءًا حسنًا .