[ 192 ] ( 121 ) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ ، يَعْنِي أَبَا عَاصِمٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ : حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ ، فَبَكَى طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ : يَا أَبَتَاهُ ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا ، قَالَ : فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، إِنِّي قد كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدْ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ . فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ ، قَالَ : فَقَبَضْتُ يَدِي ، قَالَ : مَا لَكَ يَا عَمْرُو ، قَالَ : قُلْتُ : أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ ، قَالَ : تَشْتَرِطُ بِمَاذَا ؟ قُلْتُ : أَنْ يُغْفَرَ لِي ، قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا ، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ . وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ . ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا ، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي . ( 54 ) بَابُ كَوْنِ الْإَسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ وَكَذَا الْحَجُّ وَالْهِجْرَةُ فِيهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقِصَّةُ وَفَاتِهِ ، وَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : " وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ " ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : " يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ " . فَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرٍو فَنَتَكَلَّمُ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ثُمَّ نَعُودُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - . أَمَّا إِسْنَادُهُ فَفِيهِ ( مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالنُّونِ ، وَ ( أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَ ( أَبُو عَاصِمٍ ) هُوَ النَّبِيلُ وَاسْمُهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، وَ ( ابْنُ شَمَاسَةَ الْمَهْرِيُّ ) وَشَمَاسَةُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فِي أَوَّلِهِ بِفَتْحِهَا وَضَمِّهَا ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَالْمِيمِ مُخَفَّفَةٌ وَآخِرُهُ سِينٍ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ هَاءٌ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَمَاسَةَ بْنِ ذِئْبٍ أَبُو عَمْرٍو ، وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ وَ ( الْمَهْرِيُّ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَبِالرَّاءِ . وَأَمَّا أَلْفَاظُ مَتْنِهِ فَقَوْلُهُ : ( فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ حَالَ حُضُورِ الْمَوْتِ . وقَوْلُهُ : ( أَفْضَلُ مَا نُعِدُّ ) هُوَ بِضَمِّ النُّونِ . وقَوْلُهُ : ( كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ ) أَيْ عَلَى أَحْوَالٍ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ فَلِهَذَا أَنَّثَ ثَلَاثًا إِرَادَةً لِمَعْنَى أَطْبَاقٍ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( تَشْتَرِطُ بِمَاذَا ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِمَا بِإِثْبَاتِ الْبَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ كَمَا فِي نَظَائِرِهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلَى مَعْنَى تَشْتَرِطُ وَهُوَ تَحْتَاطُ أَيْ تَحْتَاطُ بِمَاذَا . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ) أَيْ يُسْقِطُهُ وَيَمْحُو أَثَرَهُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ عَيْنَيَّ عَلَى التَّثْنِيَةِ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا ) ضَبَطْنَاهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُعْجَمَةِ ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي : إِنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ . قَالَ : وَهُوَ الصَّبُّ ، وَقِيلَ : بِالْمُهْمَلَةِ الصَّبُّ فِي سُهُولَةٍ ، وَبِالْمُعْجَمَةِ التَّفْرِيقُ . وَقَوْلُهُ : ( قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٍ ) هِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهِيَ مِنَ الْإِبِلِ . أَمَّا أَحْكَامُهُ فَفِيهِ عِظَمُ مَوْقِعِ الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْمَعَاصِي ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَنْبِيهِ الْمُحْتَضَرِ عَلَى إِحْسَانِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَذِكْرِ آيَاتِ الرَّجَاءِ وَأَحَادِيثِ الْعَفْوِ عِنْدَهُ ، وَتَبْشِيرِهِ بِمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ وَذِكْرِ حُسْنِ أَعْمَالِهِ عِنْدَهُ لِيَحْسُنَ ظَنُّهُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَيَمُوتَ عَلَيْهِ . وَهَذَا الْأَدَبُ مُسْتَحَبٌّ بِالِاتِّفَاقِ . وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ لَهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ ابْنِ عَمْرٍو لِأَبِيهِ : أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَذَا ؟ وَفِيهِ مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَيْهِ مِنْ تَوْقِيرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْلَالِهِ . وَفِي قَوْلِهِ : ( فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ ) امْتِثَالٌ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ . وَقَدْ كَرِهَ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ . فَأَمَّا النِّيَاحَةُ فَحَرَامٌ . وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْمَيِّتِ بِالنَّارِ فَمَكْرُوهٌ لِلْحَدِيثِ . ثُمَّ قِيلَ : سَبَبُ الْكَرَاهَةِ كَوْنُهُ مِنْ شِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ : كَرِهَ تَفَاؤُلًا بِالنَّارِ . وَفِي قَوْلِهِ ( فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ ) اسْتِحْبَابُ صَبِّ التُّرَابِ فِي الْقَبْرِ ، وَأَنَّهُ لَا يُقْعَدُ عَلَى الْقَبْرِ بِخِلَافِ مَا يُعْمَلُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ . وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي ) فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا إِثْبَاتُ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ ، وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ الْمُكْثِ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ لَحْظَةً نَحْوَ مَا ذُكِرَ لِمَا ذُكِرَ . وَفِيهِ أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ حِينَئِذٍ مَنْ حَوْلَ الْقَبْرِ ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ لِجَوَازِ قِسْمَةِ اللَّحْمِ الْمُشْتَرَكِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ كَالْعِنَبِ . وَفِي هَذَا خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا مَعْرُوفٌ . قَالُوا : إِنْ قُلْنَا بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْقِسْمَةَ تَمْيِيزُ حَقٍّ لَيْسَتْ بِبَيْعٍ جَازَ ، وَإِنْ قُلْنَا : بَيْعٌ ، فَوَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : لَا يَجُوزُ لِلْجَهْلِ بِتَمَاثُلِهِ فِي حَالِ الْكَمَالِ فَيُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا ، وَالثَّانِي : يَجُوزُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْحَالِ ، فَإِذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ فَطَرِيقُهَا أَنْ يُجْعَلَ اللَّحْمُ وَشِبْهُهُ قِسْمَيْنِ ثُمَّ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ نَصِيبَهُ مِنْ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا ، ثُمَّ يَبِيعُ الْآخَرُ نَصِيبَهُ مِنَ الْقِسْمِ الْآخَرِ لِصَاحِبِهِ بِذَلِكَ الدِّرْهَمَ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَيَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِسْمٌ بِكَمَالِهِ . وَلَهَا طُرُقٌ غَيْرُ هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَى الْإِطَالَةِ بِهَا هُنَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب كَوْنِ الْإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ وَكَذَا الْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ · ص 303 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الإْسْلاَمُ إِذَا حَسُنَ هَدَمَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الآثَامِ وَأَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْبِرِّ · ص 328 121 - [ 95] وَعَنِ ابْنِ شُمَاسَةَ الْمَهرِيِّ ، قَالَ : حَضَرْنَا عمرو بْنَ الْعَاصِ وهو فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ ، فَبَكَى طَوِيلاً ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ : يَا أَبَتَاهُ ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِكَذَا ؟! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِكَذَا ؟! قَالَ : فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ : إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ : شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاَثَةٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنِّي ، وَلاَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ ، فَلَو مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أهل النَّارِ ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِْسْلاَمَ فِي قَلْبِي ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ : ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُِبَايِعْكَ ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ ، قَالَ : فَقَبَضْتُ يَدِي ، قَالَ : مَا لَكَ يَا عَمْرُو ؟! ، قَالَ : قُلْتُ : أَرَدتُّ أَنْ أَشْتَرِطَ ، قَالَ : تَشْتَرِطُ بمَاذَا ؟! ، قُلْتُ : أَنْ يُغْفَرَ لِي ، قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟! وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا ؟! وَأَنَّ الْحَجَّ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟! ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلاَ أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ ؛ إِجْلاَلاً لَهُ ، وَلَو سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ ، مَا أَطَقْتُ ؛ لأَِنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ ، وَلَو مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أهل الْجَنَّةِ ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا ، فَإِذَا أَنَا مُتُّ ، فَلاَ تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلاَ نَارٌ ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي ، فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا ، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي . و ( قولُ عمرو بن العاص : إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ : شَهَادَةُ : أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ) أي : أفضلُ ما نتخذه عُدَّةً لِلِقَاءِ الله تعالى : الإيمانُ بالله تعالى ، وتوحيدُهُ ، وتصديقُ رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، والنطقُ بذلك . وقد تقدَّم أنَّ الإيمانَ أفضلُ الأعمالِ كلِّها ، ويتأكَّدُ أمرُ النطق بالشهادتَيْنِ عند الموت ؛ ليكونَ ذلك خَاتِمَةَ أمره ، وآخِرَ كلامه . و ( قوله : إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاَثَةٍ ) أي : أحوالٍ ومنازلَ ، ومنه قوله تعالى : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أي : حالاً بعد حال . و ( قوله : ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُِبَايِعْكَ ) بكسر اللام وإسكان العين على الأمر ، أي : أَمْرِ المتكلِّمِ لنفسه ، والفاءُ جوابٌ لما تضمَّنه الأمرُ الذي هو ابسُطْ من الشرط . ويصحُّ أن تكون اللامُ لامَ كي ، وبنصبَ أُبَايِعَكَ ، وتكونَ اللامُ سببية ، والله أعلم . و ( قوله : إِنَّ الإِْسْلاَمَ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا ، وَإِنَّ الْحَجَّ يَهدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ) الهَدْمُ هنا : استعارةٌ وتوسُّع ، يعني به : الإذهابَ والإزالة ؛ لأنَّ الجدار إذا انهدم ، فقد زالَ وضعُهُ ، وذهَبَ وجودُهُ ، وقد عبَّر عنه في الرواية الأخرى بالْجَبِّ ، فقال : يَجُبُّ ، أي : يَقْطَعُ ، ومنه المجبوبُ ، وهو المقطوعُ ذَكَرُهُ . ومعنى العبارتَيْنِ واحد ، ومقصودُهُمَا : أنَّ هذه الأعمالَ الثلاثةَ تُسْقِطُ الذنوبَ التي تقدَّمَتْهَا كلَّها ، صغيرَهَا وكبيرها ؛ فإنَّ ألفاظَهَا عامَّةٌ خرجَتْ على سؤالٍ خاصٍّ ؛ فإنَّ عَمْرًا إنما سأل أن يغْفَرَ له ذنوبُهُ السابقةُ بالإسلام ، فأُجِيبَ على ذلك ؛ فالذنوبُ داخلةٌ في تلك الألفاظِ العامَّةِ قطعًا ، وهي بحكم عمومها صالحةٌ لتناوُلِ الحقوقِ الشرعيَّة ، والحقوقِ الآدميَّة ؛ وقد ثبَتَ ذلك في حَقِّ الكافر الحربيِّ إذا أسلَمَ ؛ فإنَّه لا يُطَالَبُ بشيء مِنْ تلك الحقوق ، ولو قَتَلَ وأَخَذَ الأموالَ ، لم يُقْتَصَّ منه بالإجماع ، ولو خرجَتِ الأموالُ مِنْ تحت يده ، لم يطالَبْ بشيء منها . ولو أسلَمَ الحربيُّ وبيده مالُ مسلمٍ ؛ عَبِيدٌ ، أو عُرُوضٌ ، أو عَيْنٌ ؛ فمذهبُ مالك : أنَّه لا يجبُ عليه رَدُّ شيء من ذلك ؛ تمسُّكًا بعمومِ هذا الحديث ، وبأنَّ للكفَّارِ شبه مِلْكٍ فيما حازُوهُ من أموال المسلمين وغيرهم ؛ لأنَّ الله تعالى قد نسَبَ لهم أموالاً وأولادًا ؛ فقال تعالى : فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ . وذهَبَ الشافعيُّ : إلى أنَّ ذلك لا يَحِلُّ لهم ، وأنَّه يجبُ عليهم ردُّها إلى مَنْ كان يملكها مِنَ المسلمين ، وأنَّهم كالغُصَّاب ؛ وهذا يُبْعِده : أنَّهم لو استَهلَكُوا ذلك في حالةِ كُفْرهم ثُمَّ أسلموا ، لم يَضْمَنوا بالإجماعِ ؛ على ما حكاه أبو محمَّدٍ عبدُ الوهَّاب . فأمَّا أسر المسلمين الأحرارِ : فيجبُ عليهم رفعُ أيديهم عنهم ؛ لأنَّ الحُرَّ لا يُمْلَكُ . وأما مَنْ أسلم مِنْ أهل الذمَّة : فلا يُسْقِطُ الإسلامُ عنه حقًّا وجب عليه لأحدٍ مِنْ مالٍ أو دمٍ أو غيرهما ؛ لأنَّ أحكام الإسلامِ جاريةٌ عليهم . واستيفاءُ الفروعِ في كتب الفقه . وأما الهجرةُ ، والحَجُّ : فلا خلافَ في أنهما لا يُسْقِطان إلا الذنوبَ والآثامَ السابقة ، وهل يُسْقِطان الكبائرَ والصغائر ، أو الصغائرَ فقطْ ؟ موضعُ نظرٍ سيأتي في كتاب الطهارة ، إن شاء الله تعالى . و ( قوله : فَإِذَا مُتُّ ، فَلاَ تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلاَ نَارٌ ) إنَّما وصَّى باجتنابِ هذَيْن الأمرَيْن ؛ لأنَّهما مِنْ عَمَلِ الجاهليَّة ، ولِنَهيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك . و ( قوله : فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي ، فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ) رُوِيَ هذا الحديث بالسِّين المهملة ، والمعجمة ، فقيل : هما بمعنًى واحدٍ ، وهو الصَّبُّ ، وقيل : هو بالمهملة : الصَّبُّ في سهولة ، وبالمعجمةِ : صَبٌّ في تفريق . وهذه سُنَّةٌ في التراب على الميِّت في القبر ؛ قاله عِيَاضٌ ، وقد كره مالكٌ في العُتْبِيَّةِ الترصيصَ على القَبْرِ بالحجارة والطُّوب . و ( قوله : ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا ) الجَزُورُ بفتح الجيم : من الإبل ، والجَزَرَةُ : من غيرها ، وفي كتاب العين : الجَزَرَةُ من الضَّأْنِ والمَعْز خاصَّةً ، وهي مأخوذةٌ من الجَزْرِ ، وهو القَطْع .