[327] 194 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَاتَّفَقَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْحَرْفِ بَعْدَ الْحَرْفِ - قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بِلَحْمٍ ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ - وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ - فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ، فَقَالَ : أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَيُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي ، وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ : أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ : ائْتُوا آدَمَ ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ، فَيَقُولُونَ : يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ آدَمُ : إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ ، فَعَصَيْتُهُ ، نَفْسِي نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ ، فَيَأْتُونَ نُوحًا ، فَيَقُولُونَ : يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا ؛ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي ؛ نَفْسِي نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ : أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ؛ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ - نَفْسِي نَفْسِي ؛ اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى ، فَيَأْتُونَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ : يَا مُوسَى ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ ؛ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا ؛ نَفْسِي نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَأْتُونَ عِيسَى ، فَيَقُولُونَ : يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ ؛ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا - نَفْسِي نَفْسِي ؛ اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَأْتُونِّي فَيَقُولُونَ : يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ؛ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ، سَلْ تُعْطَهْ ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي ، فَأَقُولُ : يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَيُقَالُ : يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى . [328] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ وَلَحْمٍ فَتَنَاوَلَ الذِّرَاعَ - وَكَانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيْهِ ، فَنَهَسَ نَهْسَةً فَقَالَ : أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ نَهَسَ أُخْرَى فَقَالَ : أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابَهُ لَا يَسْأَلُونَهُ قَالَ : أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَهْ ؟ قَالُوا : كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ : وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ هَذَا رَبِّي وَقَوْله لِآلِهَتِهِمْ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وَقَوْله : إِنِّي سَقِيمٌ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ إِلَى عِضَادَتَيْ الْبَابِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ ، قَالَ : لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ ، وَمَعْنَاهُ تَقْرُبُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ أَيْ : قَرُبَتْ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ ) قَالَ صَاحِبُ ( التَّحْرِيرِ ) : هَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ ، أَيْ : لَسْتُ بِتِلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ ، قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ لِي مَعْنًى مَلِيحٌ فِيهِ ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَكَارِمَ الَّتِي أُعْطِيتُهَا كَانَتْ بِوَسَاطَةِ سِفَارَةِ جِبْرِيلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى ; فَإِنَّهُ حَصَلَ لَهُ سَمَاعُ الْكَلَامِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، قَالَ : وَإِنَّمَا كَرَّرَ وَرَاءَ وَرَاءَ لِكَوْنِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَصَلَ لَهُ السَّمَاعُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَحَصَلَ لَهُ الرُّؤْيَةُ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَا وَرَاءُ مُوسَى الَّذِي هُوَ وَرَاءُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ . هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ ( التَّحْرِيرِ ) وَأَمَّا ضَبْطُ ( وَرَاءَ وَرَاءَ ) فَالْمَشْهُورُ فِيهِ الْفَتْحُ فِيهِمَا بِلَا تَنْوِينٍ ، وَيَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِنَاؤُهُمَا عَلَى الضَّمِّ ، وَقَدْ جَرَى فِي هَذَا كَلَامٌ بَيْنَ الْحَافِظِ أَبِي الْخَطَّابِ بْنِ دِحْيَةَ وَالْإِمَامُ الْأَدِيبُ أَبِي الْيُمْنِ الْكِنْدِيُّ ، فَرَوَاهُمَا ابْنُ دِحْيَةَ بِالْفَتْحِ ، وَادَّعَى أَنَّهُ الصَّوَابُ ، فَأَنْكَرَهُ الْكِنْدِيُّ ، وَادَّعَى أَنَّ الضَّمَّ هُوَ الصَّوَابُ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : الصَّوَابُ الضَّمُّ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ شَيْءٍ آخَرَ ، قَالَ : فَإِنْ صَحَّ الْفَتْحُ قَبْلُ ، وَقَدْ أَفَادَنِي هَذَا الْحَرْفَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أُمَيَّةَ أَدَامَ اللَّهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : الْفَتْحُ صَحِيحٌ ، وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ مُؤَكَّدَةً كَشَذَرَ مَذَرَ ، وَشَغَرَ بَغَرَ ، وَسَقَطُوا بَيْنَ بَيْنَ ، فَرَكَّبَهُمَا وَبَنَاهُمَا عَلَى الْفَتْحِ ، قَالَ : وَإِنْ وَرَدَ مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا جَازَ جَوَازًا جَيِّدًا ، قُلْتُ : وَنَقَلَ الْجَوْهَرِيُّ فِي ( صِحَاحِهِ ) عَنِ الْأَخْفَشِ أَنَّهُ يُقَالُ : ( لَقِيتُهُ مِنْ وَرَاءُ ) مَرْفُوعٌ عَلَى الْغَايَةِ كَقَوْلِكَ ( مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) قَالَ : وَأَنْشَدَ الْأَخْفَشُ شِعْرًا : إِذَا أَنَا لَمْ أُومَنْ عَلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ لِقَاؤُكَ إِلَّا مِنْ وَرَاءُ وَرَاءُ بِضَمِّهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ ) أَمَّا ( تَقُومَانِ ) فَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانُ ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْمُؤَنَّثَتَيْنِ الْغَائِبَتَيْنِ تَكُونَانِ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ . وَأَمَّا ( جَنَبَتَا الصِّرَاطِ ) فَبِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ ، وَمَعْنَاهُمَا جَانِبَاهُ . وَأَمَّا ( إِرْسَالُ الْأَمَانَةِ وَالرَّحِمِ ) فَهُوَ لِعِظَمِ أَمْرِهِمَا ، وَكثير مَوْقِعِهِمَا ، فَتُصَوَّرَانِ مُشَخَّصَتَيْنِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُرِيدُهَا اللَّهُ تَعَالَى ، قَالَ صَاحِبُ ( التَّحْرِيرِ ) : فِي الْكَلَامِ اخْتِصَارٌ ، وَالسَّامِعُ فَهِمَ أَنَّهُمَا تَقُومَانِ لِتُطَالِبَا كُلَّ مَنْ يُرِيدُ الْجَوَازَ بِحَقِّهِمَا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَيَمُرُّ أَوَّلُهُمْ كَالْبَرْقِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الرِّيحَ ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ ، وَشَدِّ الرِّجَالِ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ ) أَمَّا ( شَدُّ الرِّجَالِ ) فَهُوَ بِالْجِيمِ - جَمْعُ رَجُلٍ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الْمَشْهُورُ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ بِالْحَاءِ . قَالَ الْقَاضِي : وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى وَشَدُّهَا عَدْوُهَا الْبَالِغُ وَجَرْيُهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ ) فَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ . . . إِلَى آخِرِهِ ) مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي سُرْعَةِ الْمُرُورِ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ ) هُوَ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَهُمَا جَانِبَاهُ ، وَأَمَّا الْكَلَالِيبُ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ ) هُوَ بِالدَّالِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ هُنَا ( مُكَرْدَسٌ ) بِالرَّاءِ ثُمَّ الدَّالِ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْمَكْدُوسِ . قَوْلُهُ : ( وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ ( لَسَبْعُونَ ) بِالْوَاوِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ ، وَفِيهِ حَذْفُ تَقْدِيرِهِ : إِنَّ مَسَافَةَ قَعْرِ جَهَنَّمَ سَيْرُ سَبْعِينَ سَنَةً ، وَوَقَعَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ : ( لَسَبْعِينَ ) بِالْيَاءِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا ، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَحْذِفُ الْمُضَافُ وَيُبْقِي الْمُضَافَ إِلَيْهِ عَلَى جَرِّهِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : سَيْرُ سَبْعِينَ ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ مَصْدَرِ يُقَالُ : قَعَرْتَ الشَّيْءَ إِذَا بَلَغْتَ قَعْرَهُ ، وَيَكُونُ ( سَبْعِينَ ) ظَرْفُ زَمَانٍ ، وَفِيهِ خَبَرٌ إِنَّ ، التَّقْدِيرَ أَنَّ بُلُوغَ قَعْرِ جَهَنَّمَ لَكَائِنٌ فِي سَبْعِينَ خَرِيفًا ، وَالْخَرِيفُ : السَّنَةُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ · ص 432 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما خُصَّ به نبينا محمد من الشفاعة العامة لأهل المحشر · ص 425 ( 60 ) باب ما خُصَّ به نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - من الشفاعة العامة لأهل المحشر 194 - [ 146 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا بِلَحْمٍ ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهسَةً ، فَقَالَ : أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذلكَ ؟ يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لا يُطِيقُونَ وَما لا يَحْتَمِلُونَ ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ : أَلا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ ؟ أَلا تَرَوْن مَا قَدْ بَلَغَكُمْ ؟ أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ : ائْتُوا آدَمَ ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ، فَيَقُولُونَ : يَا آدَمُ ! أَنْتَ أبو الْبَشَرِ ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ آدَمُ : إِنَّ رَبِّي - عَزَّ وَجَّلَّ - قَد غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ ، نَفْسِي ، نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ . فَيَأْتُونَ نُوحًا ، فَيَقُولُونَ : يَا نُوحُ ! أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرْضِ ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنا ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ . وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي ، نَفْسِي ، نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ . فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ : أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أهل الأَرْضِ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا ، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ - نَفْسِي . نَفْسِي ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي ، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى . فَيَأْتُونَ مُوسَى ، فَيَقُولُونَ : يَا مُوسَى ! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالاتِهِ وَبِكْلامِهِ عَلَى النَّاسِ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ . أَلا تَرَى مَا إلى نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى إلى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا ، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا ، نَفْسِي . نَفْسِي . اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى . فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ : يَا عِيسَى! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهدِ ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليوم غَضَبًا ، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ . وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا ، نَفْسِي . نَفْسِي . اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي . اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - . فَيَأْتُونِّي ، فَيَقُولُونَ : يَا مُحَمَّدُ ! أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ ، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ . اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لأَحَدٍ قَبْلِي ، ثُمَّ يقَالُ : يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ ، سَلْ تُعْطَهِ ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ . فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ! أُمَّتِي . أُمَّتِي . فَيُقَالُ : يَا مُحَمَّدُ! أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ ، مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِ ، مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ بسائر الأَبْوَابِ . وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ! إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ . أو كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى . زَادَ فِي رِوَايَة - فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ : وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ : هَذَا رَبِّي وَقَوْله لآلِهَتِهِمْ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ، وقوله : إِنِّي سَقِيمٌ . ( 60 ) ومن باب ما خصّ به نبينا - صلى الله عليه وسلم - من الشفاعة العامة ( قوله : فنهس منها نهسة ) النهس بالسين المهملة أخذ اللحم بمقدم الأسنان ، وقد يقال عليه أيضًا نهش بالمثلثة ، حكاه الجوهري ، وقيل : النهش بالأضراس ، قاله أبو العباس ، وقال غيره : هو نثر اللحم . و ( قوله : أنا سيّد الناس ) أي : المقدم عليهم . و السيّد هو الذي يسود قومه ؛ أي : يفوقهم بما جمع من الخصال الحميدة ، بحيث يلجأون إليه ويعوّلون عليه في مهماتهم ، قال الشاعر : فإن كنتَ سيِّدَنا سدتَنا وإن كنت للخال فاذهب فخِل وقد تحقق كمال تلك المعاني كلها لنبيِّنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - في ذلك المقام الذي يحمده ويغبطه فيه الأولون والآخرون ، ويشهد له بذلك النبيُّون والمرسلون . وهذه حكمة عرض الشفاعة على خيار الأنبياء ، فكلّهم تبرّأ منها . ودلّ على غيره ، إلى أن بلغت محلّها ، واستقرَّت في نصابها . ومحبّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذراع ؛ لنضج لحمها وسُرعة استمرائها وزيادة لذتها ، ولبعدها عن موضع الأثفال . و الصعيد المستوي من الأرض . الثرى هو التراب . ثعلب : هو وجه الأرض . و ( قوله : فيسمعهم الداعي وينفُذهم البصر ) معناه : أنهم مجتمعون مهتمُّون بما هم فيه لا يخفى منهم أحد ، بحيث إن دعاهم داعٍ سمعوه ، وإن نظر إليهم ناظر أدركهم . ويحتمل أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب أو أمر آخر ، كقوله تعالى : يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ . و ( قوله : خلقك الله بيده ) اعلم أنّ الله تعالى منزّه عن يد الجارحة كما قد قدمناه . واليد في كلام العرب تطلق على القدرة والنعمة والملك . واللائق هنا حمْلُها على القدرة ، وتكون فائدة الاختصاص لآدم : أنّه تعالى خلقه بقدرته ابتداءً من غير سبب ولا واسطة خلق ولا أطوار قلبه فيها ، وذلك بخلاف غيره من ولده ، ويحتمل أن يكون شرّفه بالإضافة إليه ، كما قال : بَيْتِيَ . وقد قدّمنا أن التسليم في المشكلات أسلم . و ( قوله : ونفخ فيك من روحه ) الروح هنا هو المذكور في قوله : تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ و نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ وشرّفه بالإضافة كما قال : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وهو جبريل على قول أكثر المفسرين ؛ أي : كان كل واحد منهما من نفخة الملك ، فصار المنفوخ فيه ذا روح من ريح نفخته ، ولا يلتفت إلى ما يقال غير هذا . وقد تقدم أنّ غضب الله عبارة عن انتقامه وحلول عذابه . والشفاعة أصلها : الضم والجمع ، ومنه ناقة شَفُوع ، إذا جمعت بين حلبتين في حلبة واحدة ، وناقة شافع ، إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها . و الشفع ضمُّ واحدٍ إلى واحدٍ . و الشفعة ضمُّ ملك الشريك إلى ملكك . فالشفاعة إذن ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك ، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفِّع وإيصال منفعةٍ إلى المشفوع له ، وسيأتي ذكر أقسامها . و الشكور الكثير الشكر ، وهو من أبنية المبالغة ، وأصل الشكر الظهور ، ومنه دابة شَكور ، إذا كانت يظهر عليها من السمن فوق ما تأكله من العلف ، وأشكر الضرع ، إذا ظهر امتلاؤه باللبن ، والسماء بالمطر ، فكأنّ الشاكر يظهر القيام بحق المنعم ، ولذلك قيل : الشكور هو : الذي ظهر منه الاعتراف بالنعمة ، والقيام بالخدمة ، وملازمة الحرمة . و ( قوله : كانت لي دعوة دعوت بها على قومي ) يريد قوله : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا وإبراهيم بالسريانية هو الأب الرحيم ، حكاه المفسرون . والخليل الصديق المخلص ، والخُلَّة بضم الخاء الصداقة والمودة ، ويقال فيها أيضًا . خلالة بالضم والفتح والكسر ، والخَلة بفتح الخاء . الفقر والحاجة ، والخِلة بكسرها واحدة خِلل السيوف وهي بطائن أغشيتها ، والخلل الفرجة بين الشيئين ، والجمع الخلال . واختُلِف في الخليل اسم إبراهيم - عليه السلام - من أي هذه المعاني والألفاظ أخذ ؟ فقيل : إنّه مأخوذ من الخُلّة بمعنى الصداقة ، وذلك أنه صدق في محبة الله تعالى ، وأخلص فيها حتى آثر محبته على كل محبوباته ، فبذل ماله للضيفان وولده للقربان ، وجسده للنيران . وقيل : من الخَلَّة التي بمعنى الفقر والحاجة ، وذلك أنه افتقر إلى الله في حوائجه ولجأ إليه في فاقته ، حتى لم يلتفت إلى غيره ، بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حين رمي في المنجنيق : ألك حاجة ؟ فقال : أمّا إليك ، فلا . وقيل : من الْخَلَل بمعنى الفرجة بين الشيئين ، ذلك لما تخلل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته ، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك . وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء ، فقال : قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلاً ولقد جمع هذه المعاني وأحسن من قال في الخلة : إنها صفاء المودّة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار ، والغنى عن الأغيار . و ( قوله : إنما كنت خليلاً من وراء وراء ) أي : إنما كنت خليلاً متأخرًا عن غيري ؛ إشارة إلى أن كمالَ الخلّة ، إنما تصح لمن يصحّ له في ذلك اليوم المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون ، وذلك لم يصح ولا يصح إلاَّ لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - . وراءَ وراءَ صحيح الرواية فيه بالمد والفتح ، وكأنه مبني على الفتح ؛ لتضمنه الحرف ، كما قالت العرب : هو جاري بيتَ بيتَ ؛ أي : بيته إلى بيتي ، فكأنه قال في الحديث : من ورائي إلى ورائي . ونحوه : خمسة عشر ، وسائر الأعداد المركبة ، ومنه قولهم : هي همزة بين بين ، وأتيتك صباح مساء ، ويوم يوم ، وتركوا البلاد حيثَ بيث ، وحاث باث ؛ ونحو ذلك . وقد زعم بعض النحويين المتأخرين أن الصواب الضم فيهما ، واستدلّ على ذلك بما أنشده الجوهري في الصحاح : إذا أنا لم أُومن عليك ولم يكُن لِقاؤُكَ إلاَّ من وَراءُ وراءُ قلت : ولا شك أن السماع في هذا البيت بالضم فيهما ، ووجهه ما نبّه عليه الأخفش ؛ حيث قال : لقيته من وراء ، فترفعه على الغاية ، كقولك : من قبلُ ومن بعدُ ، فنبّه على أن : وراء الأولى ، إنما بنيت لقطعها عن الإضافة ، وأما الثانية : فيحمل أن تكون كالأولى على تقدير حذف من لدلالة الأولى عليها ، ويحتمل أن تكون الثانية تأكيدًا لفظيًّا للأولى . ويجوز أن تكون بدلاً منها ، أو عطف بيان عليها . كما قالوا : يا نصرُ نصرٌ على تكلف . وقد وجدت في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي : مِن وراءَ ، مِن وراءَ بتكرار مِن وفتح الهمزتين . وكان رحمه الله تعالى قد اعتنى بهذا الكتاب غاية الاعتناء ، وقيده تقييدًا حسنًا . فلا يصح أن يقال : إن ذلك بناء على الوجه الأول ، لوجود من المضمنة في الوجه الأول ، وإنما محمله على أن وراء قطعت عن الإضافة ، ولم تقصد قصد مضاف بعينه ، فصارت كأنها اسم علم ، وهي مؤنثة ، فيجتمع فيها التعريف والتأنيث ، فيمتنع الصرف . وإنما قلنا : إن وراء مؤنثة ؛ لما قال الجوهري : إنها مؤنثة لأنهم قالوا في تصغيرها : وُريِّئة . وعلى هذا : فهمزتها ليست للتأنيث ، ولأن همزة التأنيث لا تقع ثالثة . وقد وجدت في بعض المعلقات بخط معتبر . قال الفراء : تقول العرب : فلان يكلمني من وراءَ وراءَ ، بالنصب على الظرف ، ومن وراء وراء ، بجعل الأولى ظرفًا والثانية غاية . ومن وراء وراء بجعلهما غايتين . ومِن وراءِ وراء تضيف الأولى إلى الثانية وتمنع الثانية من الجر . ومن وراءِ وراءِ على البناء . وحكى ثعلب عن بعض الناس : أنهم قالوا : من وراء وراء بالتنوين فيهما . و ( قوله : وذكر كذباته ) قد فسّرها في الرواية الأخرى ، بما ليس كذبًا على التحقيق ، ونحن نذكرها ونبيّنها إن شاء الله تعالى . فمنها قوله في الكوكب : هَذَا رَبِّي ذكر المفسرون أنّ ذلك كان منه في حال الطفولية في أول حال استدلاله ، ثم إنه لَمّا تكامل نظره ؛ وتمّ على السداد وضح له الحق ، قال : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا . قال الشيخ - رحمه الله - : وهذا لا يليق بالأنبياء ؛ لأن الله تعالى خصهم بكمال العقل والمعرفة بالله عز وجل ، وسلامة الفطرة والحماية عن الجهل بالله تعالى والكفر من أول نشوئهم وإلى تناهي أمرهم ، إذ لم يُسمع عن واحد منهم أنه اعتقد مع الله إلَهًا آخر ، ولا اعتقد محالاً على الله تعالى ، ولا ارتكب شيئًا من قبائح أممهم الذين أرسلوا إليهم ، لا قبل النبوة ولا بعدها . ولو كان شيء من ذلك لقَرَّعهم بذلك أممهم لَمَّا دعوهم إلى التوحيد ، ولاحتجوا عليهم بذلك ، ولم ينقل شيء من ذلك . وأما بعد إرسالهم فكل ذلك محال عليهم عقلاً على ما نبينه . وقيل : إنه - عليه الصلاة والسلام - قال ذلك لقومه على جهة الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ لهم ، والإنكار عليهم ، وحذفت همزة الاستفهام اتساعًا ، كما قالت العرب : لعمرك ما أدري وإني لحاسب بسبعٍ رميتُ الجمرَ أم بثمانِ وقال آخر : رفوني وقالوا : يا خويلد لم ترع فقلت : وأنكرت الوجوه هُم هُم أي : أهم أهم . وقيل : إنما قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه ؛ تنبيهًا على أن ما يتغير لا يصلح للربوبية . ومنها قوله لآلهتهم : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا إنما قاله ممهدًا للاستدلال على أنها ليست آلهة ، وقطعا لقومه في قولهم : إنها تضرُّ وتنفع . وهذا الاستدلال والذي قبله يتحرّر من الشرط المتصل ، ولذلك أردف على قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ، قوله : فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ، وعند ذلك قالوا : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ فقَالَ لهم : أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية ، فحقت كلمته وظهرت حجته . ومنها قوله : إِنِّي سَقِيمٌ هذا تعريض ، وحقيقته أنه سيسقم ، واسم الفاعل بمعنى المستقبل كثير ، ويحتمل أن يريد به أنه سقيم الحجة على الخروج معكم ؛ إذ كان لا يصح على جواز ذلك حجة . ومنها ما جاء في حديث إبراهيم أنّه قال قوله لزوجه سارة حين دخل أرض الجبار فسئل عنها فقال : إنها أختي . وصدق ، فإنها أخته في الإسلام ، وكذلك جاء عنه منصوصًا أنّه قال : إنما أنتِ أختي في الإسلام . وعلى الجملة فأوجه هذه الأمور واضحة وصدقها معلوم على الأوجه المذكورة ، فليس في شيء منها ما يقتضي عتابًا ولا عقابًا ، لكن هول المقام وشدة الأمر حمله على ذلك الخوف منها ، وأيضًا فلنتبيّن درجة من يقول : نفسي نفسي من درجة من يقول : أمتي أمتي . و موسى سمي بذلك ؛ لأنه وجد بين موشِى بالعبرية ؛ أي : الماء والشجر فعرب ، والجمع موسَون في الرفع ، وبالياء في النصب والجر عند البصريين ، وعند الكوفيين موسُون بضم السين وموسِين بكسرها . و ( قوله : وفضلك الله برسالاته وبكلامه ) هذه إشارة إلى قوله تعالى : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ولا خلاف بين أهل السنة في أن موسى سمع كلام الله الذي لا يشبهه كلام البشر الذي ليس بصوت ولا حرف ، ولو سمعه بالحرف والصوت لما صحّت خصوصية الفضيلة لموسى بذلك ؛ إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف والصوت المشترِك ، كما قال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ واستيفاء الكلام على هذه المسألة سؤالاً وجوابًا في كتب الكلام . و ( قوله : وكلَّمتَ الناسَ في المهد ) أي : صغيرًا في الحال الذي تمهد له فيها موضعه ليضجع عليه لصغره . و ( قوله : وكلمة منه ) قال ابن عباس : سماه كلمة ؛ لأنه كان بكلّمة كن من غير أن يتقلب في أطوار الخلق كما تقلّب غيره . وألقاها إلى مريم أي : أبلغها إليها . وقد تقدم الكلام في وصفه - عليه السلام - بأنه روح الله . و ( قوله : غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) اختلف الناس في عصمة الأنبياء من الذنوب اختلافا كثيرا . والذي ينبغي أن يقال : إنّ الأنبياء معصومون مما يناقض مدلولَ المعجزة عقلاً ، كالكفر بالله تعالى ، والكذب عليه ، والتحريف في التبليغ والخطأ فيه ، ومعصومون من الكبائر وعن الصغائر التي تزْري بفاعلها ، وتحطّ منزلته وتسقط مروءته إجماعًا عند القاضي أبي بكر ، وعند الأستاذ أبي بكر أن ذلك مقتضى دليل المعجزة . وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم . واختلف أئمتنا في وقوع الصغائر منهم ، فمِن قائل : بالوقوع ، ومِن قائل بمنع ذلك . والقول الوسط في ذلك : أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها ، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها واستغفروا وتابوا . وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها ، وإن قبل ذلك آحادها . لكن الذي ينبغي أن يقال : إنّ الذي أضيف إليهم من الذنوب ليس من قبيل الكبائر ولا مما يُزري بمناصبهم على ما تقدم ، ولا كثر منهم وقوع ذلك ، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم ، وعوتبوا عليها يخف أمرها بالنسبة إلى غيرهم ، وإنما عُددت عليهم وعوتبوا عليها بالنسبة إلى مناصبهم وإلى علو أقدارهم ؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يُثاب عليه السائس . ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهم وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم ، فلم يُخِلّ ذلك بمناصبهم ، ولا قدح ذلك في رتبتهم ، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ، ومدحهم وزكّاهم واختارهم واصطفاهم - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى يوم الدين - والكلام على هذه المسألة تفصيلا يستدعي تطويلا ، وفيما ذكرناه كفاية ، والله الموفق للهداية . و ( قوله : فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا ) قد زاد عليه في حديث أنس : فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي ، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد ، ثم أخِرّ ساجدًا . وبمجموع الحديثين يكمل المعنى ، ويعلم مراعاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لآداب الحضرة العليّة . ثم اعلم أن هذا الانطلاق من النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو إلى جنة الفردوس التي هي أعلى الجنة ، وفوقها عرش الرحمن كما جاء في الصحيح ؛ بناء على أن لا محل هناك إلا الجنة والنار ، وعلى أنّ العرش محيط بأعلى الجنة ، والله تعالى أعلم . ولا شكّ في أن دخول الجنة هو المحلّ الكريم ، لا بد فيه من استئذان الخزنة ، وعن هذا عبّر بقوله - عليه الصلاة والسلام - : فأستأذن على ربي ، ولا يُفهم من هذا ما جرت به عاداتنا في أن المستأذَن عليه قد احتجب بداره وأحاطت به جهاته ، فإذا استؤذن عليه فأذِن ، دخل المستأذن معه فيما أحاط به ؛ إذ كل ذلك على الله محال ، فإنه منزّه عن الجسمية ولوازمها على ما تقدم . والعرش في أصل اللغة الرفع ، ومنه قوله : مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ؛ أي : مرفوعات القضبان ، قاله ابن عباس ، أو مرفوعات الحيطان على قول غيره ، ومنه سمي السرير وسقف البيت عرشًا ، ويقال : لما يُستظَلُّ به عرْش وعريش ، وإضافته إلى الله تعالى على جهة الملك أو التشريف ، لا لأنّ الله استقرّ عليه أو استظلّ به كما قد توهمه بعض الجُهّال في الاستقرار ، وذلك على الله محال ؛ إذ يستحيل عليه الجسمية ولواحقها . تنبيه : في حديث أبي هريرة : إن المحامد كانت بعد السجود ، وفي حديث أنس قبل السجود في حالة القيام ، وذلك يدل على أنه - عليه الصلاة والسلام - أكثر من التحميد والثناء في هذا المقام كله في قيامه وسجوده إلى أن أسعف في طلبته . و ( قوله : فأقول يا ربِّ أمتي أمتي ، فيقال : يا محمدُ ، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه ) هذا يدل على أنه شفع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل الموقفِ ، فإنه لما أُمِر بإدخال من لا حساب عليه من أمته ، فقد شُرِع في حساب من عليه حِساب من أمته وغيرهم ، ولذلك قال في الرواية الأخرى : فيؤذن له وتُرسَل الأمانة والرحم ، فيقومان جنبتي الصراط . هذا المساق أحسن من مساق حديث معبد عن أنس ، فإنه ذكر فيه عقيب استشفاعه لأهل الموقف أنه أجيب بشفاعته لأمته ، وليست الشفاعة العامة التي طلب منه أهل الموقف . وكأن هذا الحديث سُكِت فيه عن هذه الشفاعة فذُكِرت شفاعته لأمته ؛ لأن هذه الشفاعة هي التي طلبت من أنس أن يحدّث بها في ذلك الوقت ، وهي التي أنكرها أهل البدع ، والله أعلم . قال القاضي عياض : شفاعات سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة أربعٌ : الأولى : شفاعته العامة لأهل الموقف ؛ ليعجِّل حسابهم ويُراحوا من هول موقفهم ، وهي الخاصة به - صلى الله عليه وسلم - . الثانية : في إدخال قوم الجنة دون حساب . الثالثة : في قوم من موحدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم ، فيخرجون من النار ويدخلون الجنة بشفاعته ، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعةُ الخوارج والمعتزلة ، فمنعتها على أصولهم الفاسدة ، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح العقليَّين ، وتلك الأصول قد استأصلها أئمتنا في كتبهم أنها مصادمة لأدلة الكتاب والسنة الدالة على وقوع الشفاعة في الآخرة . ومن تصفح الشريعة والكتاب والسنة وأقوال الصحابة وابتهالهم إلى الله تعالى في الشفاعة علم على الضرورة صحة ذلك وفساد قول من خالف في ذلك . الرابعة : في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها . و ( قوله : أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه ) يعني به - والله أعلم - : السبعين ألفًا الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون . ومن الباب الأيمن هو الذي عن يمين القاصد إلى الجنة بعد جواز الصراط - والله أعلم - وكأنه أفضل الأبواب . و ( قوله : هم شركاء الناس بسائر الأبواب ) يحتمل أن يعود هذا الضمير إلى الذين لا حساب عليهم ، وهو الظاهر ويكون معناه أنهم لا يلجؤون إلى الدخول من الباب الأيمن ، بل من أي باب شاؤوا ، كما جاء في حديث أبي بكر ، حيث قال : فهل على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - : لا ، وأرجو أن تكون منهم . وكما قال - عليه الصلاة والسلام - فيمن أسبغ الوضوء وهلّل بعده : أدخله الله من أي أبواب الجنّة الثمانية شاء . ويحتمل أن يعود على الأمة ، وفيه بعد . و المصْرَعان ما بين عضادتي البابين ، والباب : المغلقُ . و ( قوله : لكما بين مكة وهجر ، أو كما بين مكة وبصرى ) يحتمل أن يكون شكًّا من بعض الرواة ، ويحتمل أن يكون تنويعًا ، كأنه - عليه الصلاة والسلام - قال : إذا رأى ما بينهما ، قدره راءٍ بكذا ، وقدّره آخر بكذا ، ويصح أن يقال : سلك بها مسلك التخيير ، فكأنه قال : قدِّروها إن شئتم بكذا ، وإن شئتم بكذا ، وإن شئتم بكذا .