2 - كتاب الطهارة [1] 223 - حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ، حَدَّثَنَا أَبَانُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا . كِتَابُ الطَّهَارَةِ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ : يُقَالُ : الْوُضُوءُ والطُّهُورُ - بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا - إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ ، وَيُقَالُ : الْوَضُوءُ وَالطَّهُورُ - بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا - إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ . هَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَذَهَبَ الْخَلِيلُ وَالْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ وَالْأَزْهَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : وَحُكِيَ الضَّمُّ فِيهِمَا جَمِيعًا . وَأَصْلُ الْوُضُوءِ مِنَ الْوَضَاءَةِ ، وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ ، وَسُمِّيَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ وُضُوءًا ؛ لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْمُتَوَضِّئَ وَيُحَسِّنُهُ ، وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ أَصْلُهَا النَّظَافَةُ وَالتَّنَزُّهُ ، وَأَمَّا الْغُسْلُ فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ فَهُوَ مَضْمُومُ الْغَيْنِ ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَصْدَرُ فَيَجُوزُ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : إِنْ كَانَ مَصْدَرًا لِغَسَلْتُ فَهُوَ بِالْفَتْحِ كَضَرَبْتُ ضَرْبًا ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الِاغْتِسَالِ فَهُوَ بِالضَّمِّ ، كَقَوْلِنَا : غُسْلُ الْجُمُعَةِ مَسْنُونٌ ، وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَاجِبٌ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مَنْ صَنَّفَ فِي لَحْنِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ وَشِبْهُهُمَا بِالضَّمِّ لَحْنٌ فَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُ ، بَلِ الَّذِي قَالُوهُ صَوَابٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَمَّا ( الْغِسْلُ ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ فَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خَطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( 1 ) باب فضل الوضوء قَالَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى : أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ) هَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا تَكَلَّمَ فِيهِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا : سَقَطَ فِيهِ رَجُلٌ بَيْنَ أَبِي سَلَّامٍ وَأَبِي مَالِكٍ ، وَالسَّاقِطُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ ، قَالُوا : وَالدَّلِيلُ عَلَى سُقُوطِهِ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ سَلَّامٍ رَوَاهُ عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ لِمُسْلِمٍ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ عَلِمَ سَمَاعَ أَبِي سَلَّامٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَبِي مَالِكٍ ، فَيَكُونُ أَبُو سَلَّامٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَسَمِعَهُ أَيْضًا مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ; فَرَوَاهُ مَرَّةً عَنْهُ ، وَمَرَّةً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَكَيْفَ كَانَ فَالْمَتْنُ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ) فَبِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ . وَأَمَّا ( أَبَانٌ ) فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ وَتَرْكُ صَرْفِهِ ، وَأَنَّ الْمُخْتَارَ صَرْفُهُ . وَأَمَّا أَبُو سَلَّامٍ فَاسْمُهُ ( مَمْطُورٌ ) الْأَعْرَجُ الْحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ، نُسِبَ إِلَى حَيٍّ مِنْ حِمْيَرَ مِنَ الْيَمَنِ ، لَا إِلَى الْحَبَشَةِ . وَأَمَّا ( أَبُو مَالِكٍ ) فَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ ؛ فَقِيلَ : الْحَارِثُ ، وَقِيلَ : عُبَيْدٌ ، وَقِيلَ : كَعْبُ ابْنُ عَاصِمٍ ، وَقِيلَ : عَمْرٌو ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الشَّامِيِّينَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو ؛ فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ) هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ ، قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى مُهِمَّاتٍ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ ، فَأَمَّا ( الطُّهُورُ ) فَالْمُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ فَهُوَ مَضْمُومُ الطَّاءِ عَلَى الْمُخْتَارِ ، وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَصْلُ الشَّطْرِ النِّصْفُ ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ، فَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَجْرَ فِيهِ يَنْتَهِي تَضْعِيفُهُ إِلَى نِصْفِ أَجْرِ الْإِيمَانِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْخَطَايَا ، وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ ، فَصَارَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِيمَانِ فِي مَعْنَى الشَّطْرِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هُنَا الصَّلَاةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، فَصَارَتْ كَالشَّطْرِ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ فِي الشَّطْرِ أَنْ يَكُونَ نِصْفًا حَقِيقِيًّا ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ وَانْقِيَادٌ بِالظَّاهِرِ ، وَهُمَا شَطْرَانِ لِلْإِيمَانِ ، وَالطَّهَارَةُ مُتَضَمِّنَةٌ الصَّلَاةَ ، فَهِيَ انْقِيَادٌ فِي الظَّاهِرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ ) فَمَعْنَاهُ : عِظَمُ أَجْرِهَا ، وَأَنَّهُ يَمْلَأُ الْمِيزَانَ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وَزْنِ الْأَعْمَالِ وَثِقَلِ الْمَوَازِينِ وَخِفَّتِهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ، فَضَبَطْنَاهُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ فِي تَمْلَآنِ وَتَمْلَأُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ ، فَالْأَوَّلُ ضَمِيرُ مُؤَنَّثَتَيْنِ غَائِبَتَيْنِ ، وَالثَّانِي ضَمِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ : يَجُوزُ ( تَمْلَآنِ ) بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ جَمِيعًا ، فَالتَّأْنِيثُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَالتَّذْكِيرُ عَلَى إِرَادَةِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْكَلَامِ أَوِ الذِّكْرَيْنِ ، قَالَ : وَأَمَّا تَمْلَأُ فَمُذَكَّرٌ عَلَى إِرَادَةِ الذِّكْرِ ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَوْ قُدِّرَ ثَوَابُهُمَا جِسْمًا لَمَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَسَبَبُ عِظَمِ فَضْلِهِمَا مَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنَ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) ، وَالتَّفْوِيضِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَالصَّلَاةُ نُورٌ ) ، فَمَعْنَاهُ : أَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْمَعَاصِي ، وَتَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، وَتَهْدِي إِلَى الصَّوَابِ ، كَمَا أَنَّ النُّورَ يُسْتَضَاءُ بِهِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ أَجْرُهَا نُورًا لِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِإِشْرَاقِ أَنْوَارِ الْمَعَارِفِ ، وَانْشِرَاحِ الْقَلْبِ ، وَمُكَاشَفَاتِ الْحَقَائِقِ لِفَرَاغِ الْقَلْبِ فِيهَا ، وَإِقْبَالِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكُونُ نُورًا ظَاهِرًا عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا عَلَى وَجْهِهِ الْبَهَاءُ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ) ، فَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ : مَعْنَاهُ : يَفْزَعُ إِلَيْهَا كَمَا يَفْزَعُ إِلَى الْبَرَاهِينِ ، كَأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا سُئِلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، عَنْ مَصْرِفِ مَالِهِ كَانَتْ صَدَقَاتُهُ بَرَاهِينَ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ ، فَيَقُولُ : تَصَدَّقْتُ بِهِ ، قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يُوسَمَ الْمُتَصَدِّقُ بِسِيمَاءَ يُعْرَفُ بِهَا ، فَيَكُونُ بُرْهَانًا لَهُ عَلَى حَالِهِ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ مَصْرِفِ مَالِهِ . وَقَالَ غَيْرُ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ : مَعْنَاهُ الصَّدَقَةُ حُجَّةٌ عَلَى إِيمَانِ فَاعِلِهَا ، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَمْتَنِعُ مِنْهَا لِكَوْنِهِ لَا يَعْتَقِدُهَا ؛ فَمَنْ تَصَدَّقَ اسْتُدِلَّ بِصَدَقَتِهِ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ ) ، فَمَعْنَاهُ الصَّبْرُ الْمَحْبُوبُ فِي الشَّرْعِ ، وَهُوَ الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّبْرُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَالصَّبْرُ أَيْضًا عَلَى النَّائِبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَكَارِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الصَّبْرَ مَحْمُودٌ ، وَلَا يَزَالُ صَاحِبُهُ مُسْتَضِيئًا مُهْتَدِيًا مُسْتَمِرًّا عَلَى الصَّوَابِ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَوَاصُّ : الصَّبْرُ هُوَ الثَّبَاتُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ : الصَّبْرُ الْوُقُوفُ مَعَ الْبَلَاءِ بِحُسْنِ الْأَدَبِ . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : حَقِيقَةُ الصَّبْرِ أَنْ لَا يَعْتَرِضَ عَلَى الْمَقْدُورِ ، فَأَمَّا إِظْهَارُ الْبَلَاءِ لَا عَلَى وَجْهِ الشَّكْوَى فَلَا يُنَافِي الصَّبْرَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ مَعَ أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ ) ، فَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ ، أَيْ : تَنْتَفِعُ بِهِ إِنْ تَلَوْتَهُ وَعَمِلْتَ بِهِ ، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو ؛ فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ) ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ إِنْسَانٍ يَسْعَى بِنَفْسِهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُهَا لِلَّهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ فَيُعْتِقُهَا مِنَ الْعَذَابِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُهَا لِلشَّيْطَانِ وَالْهَوَى بِاتِّبَاعِهِمَا فَيُوبِقُهَا أَيْ يُهْلِكُهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( 2 ) بَابُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فِي إِسْنَادِهِ ( أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ ، وَاسْمُهُ : الْفُضَيْلُ ابْنُ حُسَيْنٍ ، مَنْسُوبٌ إِلَى جَدٍّ لَهُ ، اسْمُهُ جَحْدَرٌ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ . وَفِيهِ ( أَبُو عَوَانَةَ ) ، وَاسْمُهُ : الْوَضَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ ) هَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَاخْتَلَفُوا مَتَى فُرِضَتِ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ ؛ فَذَهَبَ ابْنُ الْجَهْمِ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ كَانَ سُنَّةً ، ثُمَّ نَزَلَ فَرْضُهُ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ ، قَالَ الْجُمْهُورُ : بَلْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَرْضًا ، قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْوُضُوءَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إِلَى الصَّلَاةِ أَمْ عَلَى الْمُحْدِثِ خَاصَّةً ؟ فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَرْضٌ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الْآيَةَ ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ ، ثُمَّ نُسِخَ ، وَقِيلَ : الْأَمْرُ بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى النَّدْبِ ، وَقِيلَ : بَلْ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا لِمَنْ أَحْدَثَ . وَلَكِنَّ تَجْدِيدَهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مُسْتَحَبٌّ ، وَعَلَى هَذَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْفَتْوَى بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمْ فِيهِ خِلَافٌ ، وَمَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَهُمْ : إِذَا كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُوجِبِ لِلْوُضُوءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ يَجِبُ بِالْحَدَثِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا ، وَالثَّانِي : لَا يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَالثَّالِثُ : يَجِبُ بِالْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالنَّافِلَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ مِنْ قَوْلِهِمَا : تَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَلَوْ صَلَّى مُحْدِثًا مُتَعَمِّدًا بِلَا عُذْرٍ أَثِمَ وَلَا يَكْفُرُ عِنْدنَا وَعِنْدَ الْجَمَاهِيرِ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى أَنَّهُ يَكْفُرُ لِتَلَاعُبِهِ . وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْكُفْرَ لِلِاعْتِقَادِ وَهَذَا الْمُصَلِّي اعْتِقَادُهُ صَحِيحٌ ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَلِّي مُحْدِثًا عُذْرٌ . أَمَّا الْمَعْذُورُ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى ، وَهِيَ مَذَاهِبُ لِلْعُلَمَاءِ ؛ قَالَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا قَائِلُونَ ، أَصَحُّهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا : يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَالِهِ ، وَيَجِبُ أَنْ يُعِيدَ إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الطَّهَارَةِ ، وَالثَّانِي : يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ ، وَالثَّالِثُ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ ، وَالرَّابِعُ : يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ ، وَهُوَ أَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا ، فَأَمَّا وُجُوبُ الصَّلَاةِ فَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَأَمَّا الْإِعَادَةُ فَإِنَّمَا تَجِبُ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ . وَكَذَا يَقُولُ الْمُزَنِيُّ : كُلُّ صَلَاةٍ أُمِرَ بِفِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب فَضْلِ الْوُضُوءِ · ص 454 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب فضل الطهارة وشرطها في الصلاة · ص 472 ( 2 ) كتاب الطهارة ( 1 ) باب فضل الطهارة وشرطها في الصلاة 223 - [ 166 ] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ - أَو تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَالصَّلاةُ نُورٌ ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أو عَلَيْكَ ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو ، فَبَائعٌ نَفْسَهُ ، فَمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا . ( 2 ) كتاب الطهارةِ ( 1 ) باب : فضل الطهارة ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : الطهور شطر الإيمان ) الطَّهُور بفتح الطاء : الاسم ، وبضمها : المصدر ، ومنه قوله تعالى : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا . وكذلك الوضوء والوقود والوَجور والفطور الفتح للاسم ، والضم للمصدر . وحكي عن الخليل في الوضوء الفتح فيهما ، ولم يعرف الضم ، قال ابن الأنباري : والأول هو المعروف والذي عليه أهل اللغة . فأما الغسل فالفتح للمصدر ، والضم للماء ، عكس الوضوء ، على ما حكاه الجوهري ، وقد قيل في الغسل ما قيل في الوضوء . والطهور والطهارة مصدران بمعنى : النظافة . تقول العرب : طَهَرَ الشيء : بفتح الهاء وضمها ، يطهُر بضَمِّها لا غير طهارةً وطهورًا ، كما تقول : نظف ينظف نظافةً ، ونزه ينزه نزاهَةً ، بضمها لا غير ، وهي التنزه عن المستخبثات المحسوسة والمعنوية ، كما قال تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا . والشطر : النصفُ ، وقد تقدم ، والشطر أيضًا : النحو والقَصد ، ومنه : شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وقول الشاعِر : أقول لأم زنباع أقيمي صدُور العيس شطرَ بني تميم أي : نحوهم ، ويقال : شطر عنه ؛ أي : بعُدَ ، وشطر إليهِ ؛ أي : أقبل . والشاطر من الشبان : البعيد من الخير . وقد اختُلِف في معنى قوله - عليه الصلاة والسلام - : الطَهُور شطر الإيمان ؛ على أقوالٍ كثيرةٍ ؛ أولاها : أن يقال : إنه أراد بالطهور الطهارةَ من المستخبثات الظَاهرِة والباطنةِ . والشطرُ : النصف ، والإيمان هنا : هو بالمعنى العام ، كما قد دللنا عليه بقوله - عليه الصلاة والسلام - : الإيمان تصديق بالقلب ، وإقرارٌ باللسان ، وعملٌ بالأركان . ولا شك أن هذا الإيمان ذو خصال كثيرة ، وأحكام متعددةٍ ، غير أنها منحصرةٌ فيما ينبغي التنزه والتطَهر منه ، وهي كل ما نهى الشرع عنه ، وفيما ينبغي التلبس والاتصاف به ، وهي : كل ما أمر الشَّرعُ به ، فهذان الصنفان عبر عن أحدهما بالطهارة على مستعمل اللغة ، وهذا كما قد روي مرفُوعًا : الإيمان نصفان : نصف شكر ونصف صبر ، وقد قيل : إن الطهارة الشرعية لما كانت تكفر الخطايا السابقة كانت كالإيمان الذي يجبُّ ما قبله ؛ فكانت شطر الإيمان بالنسبة إلى محو الخطايا ، وهذا فيه بعدٌ ؛ إذ الصلاة وغيرها من الأعمال الصالحة تكفر الخطايا ؛ فلا يكون لخصوصية الطهارة بذلك معنًى . ثم لا يصح أيضًا معنى كون الطهارة نصف الإيمان بذلك الاعتبار ؛ لأنها إنما تكون مثلاً له في التكفير ، ولا يقال على المثل للشيء : شطره ، وقيل : إن الإيمان هنا يراد به الصلاة ، كما قال الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ؛ أي : صلاتكم على قول المفسرين ، ومعناه على هذا : أن الصلاة لما كانت مفتقرة إلى الطَّهارة كانت كالشطر لها ، وهذا أيضًا فاسد ؛ إذ لا يكون شرط الشيء شطره لا لغة ولا معنًى ، فالأولى التأويل الأول ، والله أعلم . فإن قيل : كل ما ذكرتم مبني على أن المراد بالطهور : الطهارة ، وذلك لا يصح ؛ لأنه لم يروه أحدٌ فيما علمناه : الطُّهور ، بالضم ، وإنما روي بالفتح ، فإذا هو الاسم على ما تقدم . قلنا : يصح أن يقال : يحمل هذا على مذهب الخليل كما تقدَّم ، ويُمكن حمله على المعروف ، ويراد به استعمال الطَّهور شطر الإيمان . و ( قوله : والحمد لله تملأ الميزان ) قد تقدم معنى الحمد ، وأنه راجعٌ إلى الثناء على مُثنى مَّا بأوصاف كماله ، فإذا حمد الله حامدٌ مستحضرًا معنى الحمد في قلبه امتلأ ميزانه من الحسنات ، فإن أضاف إلى ذلك : سبحان الله ، الذي معناه تبرئة الله ، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من النقائص ، ملأت حسناته وثوابها زيادة على ذلك ما بين السماوات والأرض ؛ إذ الميزان مملوء بثواب التحميد ، وذكر السماوات والأرض على جهة الإغياء على العادة العربية ، والمرادُ : أن الثواب على ذلك كثيرٌ جدًّا ، بحيث لو كان أجسامًا لَمَلأ ما بين السماوات والأرض . و ( قوله : والصلاة نور ) معناه : أن الصلاةَ إذا فعلت بشروطها : المصححة والمكملة نوّرت القلب ؛ بحيث تشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف ، حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول : وجعلت قرة عيني في الصلاة . وأيضًا : فإنها تنوِّر بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك الظلم ، وأيضًا : تنوَّر وجه المصلي يوم القيامة ، فيكون ذا غرةٍ وتحجيل ، كما قد ورد في حديث عبد الله بن بسر مرفوعًا : أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء . و ( قوله : والصدقة برهان ) أي : على صحة إيمان المتصدق ، أو على أنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات ، أو على صحة محبةِ المتصدق لله تعالى ، ولما لديه من الثواب ؛ إذ قد آثر محبة الله تعالى وابتغاء ثوابه ، على ما جُبل عليه من حُبّ الذهب والفضّة ؛ حتى أخرَجُه لله تعالى . و ( قوله : والصبر ضياء ) كذا صحت روايتنا فيه ، وقد رَوَاهُ بعض المشايخ : والصوم ضياء بالميم ، ولم تقع لنا تلك الرواية ، على أنه يصح أن يُعبر بالصبر عن الصوم ، وقد قيل ذلك في قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ فإن تنزلنا على ذلك ؛ فيقال في كون الصبر ضياء ؛ كما قيل في كون الصلاة نورًا ، وحينئذ لا يكون بين النور والضياء فرق معنوي بل لفظي . والأولى أن يقال : إن الصبر في هذا الحديث غير الصوم ؛ بل هو الصَّبر على العبادات والمشاق والمصائب ، والصبر عن المخالفات ، والمنهيات ، كاتباع هوى النفس والشهوات وغير ذلك ، فمن كان صابرًا في تلك الأحوال ، متثبتًا فيها ، مقابلاً لكُلِّ حالٍ بما يليق به ضاءت له عواقب أحواله ، ووضحت له مصالح أعماله ، فظفر بمطلوبه ، وحصل له من الثواب على مرغوبه ، كما قيل : فَقَل من جدَّ في أمر تطلبه واستعمل الصبر إلا فاز بالظفر و ( قوله : والقرآن حجة لك أو عليك ) يعني : أنك إذا امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه كان حجَّة لك في المواقف التي تسأل فيها عنه ، كمسألة الملكين في القبر ، والمسألة عند الميزان ، وفي عقبات الصراط ، وإن لم تمتثل ذلك احتجّ به عليك ، ويحتمل أن يراد به : أن القرآن هو الذي يُنتهى إليه عند التَنازُع في المباحث الشرعيَّة والوقائع الحكمية ، فبه تَستَدلُّ على صحة دعواك ، وبه يستدل عليك خصمك . و ( قوله : كل الناس يغدو . . الحديث ) يغدو بمعنى : يبكر ، يقال : غدا إذا خرج صباحًا في مصالحه ، يغدو . وراح : إذا رجع بعشي ، ومعنى ذلك أن كل إنسان يصبح ساعيًا في أموره مُتصرفًا في أغراضه ، ثم إما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الشرع والحق ، فهو الذي يبيع نفسه من الله ، وهو بيع آيل إلى عتق وحرية ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ . وإما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الهوى والشيطان ، فهو الذي باع نفسه من الشيطان فأوبقها ؛ أي : أهلكها ، ومنه : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا . ومنه قول ابن مسعود : الناس غاديان ، فبائع نفسه فموبقها ، أو مفاديها فمعتقها .