[57] 262 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، ح ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : قِيلَ لَهُ : قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ ؟ قَالَ : فَقَالَ : أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ . ( 17 - 21 ) ( بَابُ الِاسْتِطَابَةِ ) وَهُو مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الصَّحْرَاءِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، وَعَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ ، وَعَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ ، وَعَنِ التَّخَلِّي فِي الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ ، وَعَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَعَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالرَّجِيعِ وَالْعَظْمِ ، وَعَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ . فِي الْبَابِ حَدِيثُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : ( عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ : فَقَالَ : أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ ) ، وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ : ( إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا ) ، وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلَنَّ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا ) ، وَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : ( قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدًا عَلَى لَبِنْتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ ) ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ . أَمَّا الْخِرَاءَةَ فَبِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ ، وَهِيَ اسْمٌ لِهَيْئَةِ الْحَدَثِ ، وَأَمَّا نَفْسُ الْحَدَثِ فَبِحَذْفِ التَّاءِ وَبِالْمَدِّ مَعَ فَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا . قَوْلُهُ : ( أَجَلْ ) مَعْنَاهُ : نَعَمْ ، وَهِيَ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ ، وَمُرَادُ سَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ عَلَّمَنَا كُلَّ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي دِينِنَا ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ الَّتِي ذَكَرْتَ أَيُّهَا الْقَائِلُ ، فَإِنَّهُ عَلَّمَنَا آدَابَهَا فَنَهَانَا فِيهَا عَنْ كَذَا وَكَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وقَوْلُهُ : ( نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ ( لِغَائِطٍ ) بِاللَّامِ ، وَرُوِيَ فِي غَيْرِهِ ( بِغَائِطٍ ) ، وَرُوِيَ ( لِلْغَائِطِ ) بِاللَّامِ وَالْبَاءِ وَهُمَا بِمَعْنًى ، وَأَصْلُ الْغَائِطِ الْمُطْمَئِنُ مِنَ الْأَرْضِ ، ثُمَّ صَارَ عِبَارَةً عَنِ الْخَارِجِ الْمَعْرُوفِ مِنْ دُبُرِ الْآدَمِيِّ . وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ لِلْقِبْلَةِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ أَحَدُهَا : مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الصَّحْرَاءِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَالشَّعْبِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ . وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَا فِي الْبُنْيَانِ وَلَا فِي الصَّحْرَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمُجَاهِدٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ . وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ جَمِيعًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَرَبِيعَةَ شَيْخِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ . وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ : لَا يَجُوزُ الِاسْتِقْبَالُ لَا فِي الصَّحْرَاءِ ، وَلَا فِي الْبُنْيَانِ ، وَيَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ فِيهِمَا ، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - ، وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ مُطْلَقًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ مُطْلَقًا كَحَدِيثِ سَلْمَانَ الْمَذْكُورِ ، وَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا ، قَالُوا : وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا مُنِعَ لِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَائِلُ كَافِيًا لَجَازَ فِي الصَّحْرَاءِ ; لِأَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ جِبَالًا وَأَوْدِيَةً ... وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَائِلِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ مُطْلَقًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةِ ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَغَهُ أَنَّ أُنَاسًا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا حَوِّلُوا بِمَقْعَدِي أَيْ إِلَى الْقِبْلَةِ . رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ الِاسْتِدْبَارَ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ بِحَدِيثِ سَلْمَانَ . وَاحْتَجَّ مَنْ حَرَّمَ الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ فِي الصَّحْرَاءِ وَأَبَاحَهُمَا فِي الْبُنْيَانِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَبِحَدِيثِ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : بَلَى إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِالْجَوَازِ فِي الْبُنْيَانِ ، وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ ، وَسَلْمَانَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ وَرَدَتْ بِالنَّهْيِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الصَّحْرَاءِ لِيُجْمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ لَا يُصَارُ إِلَى تَرْكِ بَعْضِهَا ، بَلْ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَالْعَمَلُ بِجَمِيعِهَا ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي الْبُنْيَانِ فِي تَكْلِيفِهِ تَرْكَ الْقِبْلَةِ ، بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ ، وَأَمَّا مَنْ أَبَاحَ الِاسْتِدْبَارَ ، فَيُحْتَجُّ عَلَى رَدِّ مَذْهَبِهِ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالنَّهْيِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ جَمِيعًا ، كَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَغَيْرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَرْعٌ ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . إِحْدَاهَا الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ فِي الْبُنْيَانِ إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ سَاتِرٍ مِنْ جُدْرَانٍ وَنَحْوِهَا ، مِنْ حَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَهَا ، وَبِشَرْطٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَائِلُ مُرْتَفِعًا بِحَيْثُ يَسْتُرُ أَسَافِلَ الْإِنْسَانِ ، وَقَدَّرُوهُ بأخِرَةِ الرَّحْلِ ، وَهِيَ نَحْوُ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ ، فَإِنْ زَادَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، أَوْ قَصُرَ الْحَائِلُ عَنْ أخِرَةِ الرَّحْلِ فَهُوَ حَرَامٌ كَالصَّحْرَاءِ ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي بَيْتٍ بُنِيَ لِذَلِكَ ، فَلَا حَجْرَ فِيهِ كَيْفَ كَانَ ، قَالُوا : وَلَوْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ وَتَسَتَّرَ بِشَيْءٍ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ زَالَ التَّحْرِيمُ ، فَالِاعْتِبَارُ بِوُجُودِ السَّاتِرِ الْمَذْكُورِ وَعَدَمِهِ ، فَيَحِلُّ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُنَيَّانِ بِوُجُودِهِ ، وَيَحْرُمُ فِيهِمَا لِعَدَمِهِ . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنِ اعْتَبَرَ الصَّحْرَاءَ وَالْبُنْيَانَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَائِلَ ، فَأَبَاحَ فِي الْبُنْيَانِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَحَرَّمَ فِي الصَّحْرَاءِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ ، فَقَالُوا : لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّاتِرُ دَابَّةً أَوْ جِدَارًا أَوْ وَهْدَةً أَوْ كَثِيبَ رَمْلٍ أَوْ جَبَلًا ، لَوْ أَرْخَى ذَيْلَهُ فِي قُبَالَةِ الْقِبْلَةِ فَفِي حُصُولِ السِّتْرِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا ؛ أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُمْ وَأَشْهَرُهُمَا : أَنَّهُ سَاتِرٌ لِحُصُولِ الْحَائِلِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : حَيْثُ جَوَّزْنَا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : هُوَ مَكْرُوهٌ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ الْكَرَاهَةَ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ فِي تَكَلُّفِ التَّحَرُّفِ عَنِ الْقِبْلَةِ فَلَا كَرَاهَةَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشَقَّةٌ فَالْأَوْلَى تَجَنُّبُهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكَرَاهَةُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : يَجُوزُ الْجِمَاعُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ ؛ فَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَكَرِهَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَا يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا اسْتِدْبَارُهُ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ، لَكِنْ يُكْرَهُ . الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إِذَا تَجَنَّبَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا حَالَ خُرُوجِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ثُمَّ أَرَادَ الِاسْتِقْبَالَ أَوْ الِاسْتِدْبَارَ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ جَازَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ) هُوَ مِنْ أَدَبِ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ الْجَمَاهِيرُ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ وَأَدَبٍ ، لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ حَرَامٌ ، وَأَشَارَ إِلَى تَحْرِيمِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى إِشَارَتِهِمْ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الِاسْتِنْجَاءِ إِلَّا لِعُذْرٍ ، فَإِذَا اسْتَنْجَى بِمَاءٍ صَبَّهُ بِالْيُمْنَى وَمَسَحَ بِالْيُسْرَى ، وَإِذَا اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ فَإِنْ كَانَ فِي الدُّبُرِ مَسَحَ بِيَسَارِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُبُلِ وَأَمْكَنَهُ وَضْعَ الْحَجَرِ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ بَيْنَ قَدَمَيْهِ بِحَيْثُ يَتَأَتَّى مَسْحَهُ أَمْسَكَ الذَّكَرَ بِيَسَارِهِ وَمَسَحَهُ عَلَى الْحَجَرِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنهُ ذَلِكَ وَاضْطُرَّ إِلَى حَمْلِ الْحَجَرِ حَمَلَهُ بِيَمِينِهِ ، وَأَمْسَكَ الذَّكَرَ بِيَسَارِهِ ، وَمَسَحَ بِهَا ، وَلَا يُحَرِّكِ الْيُمْنَى ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَأْخُذُ الذَّكَرَ بِيَمِينِهِ ، وَالْحَجَرَ بِيَسَارِهِ ، وَيَمْسَحُ وَيُحَرِّكُ الْيُسْرَى ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ يَمَسُّ الذَّكَرَ بِيَمِينِهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ إِنَّ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ تَنْبِيهًا عَلَى إِكْرَامِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنِ الْأَقْذَارِ وَنَحْوِهَا ، وَسَنُوَضِّحُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَرِيبًا فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ) هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ فِي أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ ، وَاجِبٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فَمَذْهَبنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ مِنْ إِزَالَةِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ ، وَاسْتِيفَاءِ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ ، فَلَوْ مَسَحَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَزَالَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَجَبَ مَسْحُهُ ثَالِثَةً ، وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُدُ : الْوَاجِبُ الْإِنْقَاءُ ، فَإِنْ حَصَلَ بِحَجَرٍ أَجْزَأَهُ ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِنَا مَا قَدَّمْنَاهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوِ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ مَسَحَ بِكُلِّ حَرْفٍ مَسْحَةً أَجْزَأَهُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَسَحَاتُ ، وَالْأَحْجَارُ الثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ مِنْ حَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ ، وَلَوِ اسْتَنْجَى فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَجَبَ سِتُّ مَسَحَاتٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بِسِتَّةِ أَحْجَارٍ ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى حَجَرٍ وَاحِدٍ لَهُ سِتَّةُ أَحْرُفٍ أَجْزَأَهُ ، وَكَذَلِكَ الْخِرْقَةُ الصَّفِيقَةُ الَّتِي إِذَا مَسَحَ بِهَا لَا يَصِلُ الْبَلَلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ ، يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ بِجَانِبِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِذَا حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَلَا زِيَادَةَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِثَلَاثَةٍ وَجَبَ رَابِعٌ ، فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِهِ لَمْ تَجِبِ الزِّيَادَةُ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْإِيتَارُ بِخَامِسٍ ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِالْأَرْبَعَةِ وَجَبَ خَامِسٌ ، فَإِنْ حَصَلَ بِهِ فَلَا زِيَادَةَ ، وَهَكَذَا فِيمَا زَادَ ، مَتَى حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِوِتْرٍ فَلَا زِيَادَةَ ، وَإِلَّا وَجَبَ الْإِنْقَاءُ وَاسْتُحِبَّ الْإِيتَارُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا نَصُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَحْجَارِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَقَالُوا : الْحَجَرُ مُتَعَيِّنٌ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ ، وَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً مِنَ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا إِلَى أَنَّ الْحَجَرَ لَيْسَ مُتَعَيِّنًا ، بَلْ تَقُومُ الْخِرَقُ وَالْخَشَبُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مَقَامَهُ ، وَأَنَّ الْمَعْنِيُّ فِيهِ كَوْنُهُ مُزِيلًا ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ الْحَجَرِ ، وَإِنَّمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ ) لِكَوْنِهَا الْغَالِبَ الْمُتَيَسَّرَ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ وَنَظَائِرِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَعْيِينِ الْحَجَرِ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْعِظَامِ وَالْبَعْرِ وَالرَّجِيعِ ، وَلَوْ كَانَ الْحَجَرُ مُتَعَيِّنًا لَنَهَى عَنَّا سِوَاهُ مُطْلَقًا . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الْحَجَرِ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ لِلْعَيْنِ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ ، وَلَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ حَيَوَانٍ . قَالُوا : وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ جِنْسِهِ ؛ فَيَجُوزُ فِي الْقُبُلِ أَحْجَارٌ ، وَفِي الدُّبُرِ خِرَقٌ ، وَيَجُوزُ فِي أَحَدِهِمَا حَجَرٌ مَعَ خِرْقَتَيْنِ ، أَوْ مَعَ خِرْقَةٍ وَخَشَبَةٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالنَّجَاسَةِ ، وَنَبَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرَّجِيعِ عَلَى جِنْسِ النَّجَسِ ؛ فَإِنَّ الرَّجِيعَ هُوَ الرَّوْثُ ، وَأَمَّا الْعَظْمُ فَلِكَوْنِهِ طَعَامًا لِلْجِنِّ ، فَنَبَّهَ عَلَى جَمِيعِ الْمَطْعُومَاتِ ، وَتَلْتَحِقُ بِهِ الْمُحْتَرَمَاتُ كَأَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ وَأَوْرَاقِ كُتُبِ الْعِلْمِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا فَرْقَ فِي النَّجَسِ بَيْنَ الْمَائِعِ وَالْجَامِدِ ، فَإِنِ اسْتَنْجَى بِنَجَسٍ لَمْ يَصِحَّ اسْتِنْجَاؤُهُ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَلَا يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ ; لِأَنَّ الْمَوْضِعَ صَارَ نَجِسًا بِنَجَاسَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ ، وَلَوِ اسْتَنْجَى بِمَطْعُومٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُحْتَرَمَاتِ الطَّاهِرَاتِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِنْجَاؤُهُ ، وَلَكِنْ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَقَلَ النَّجَاسَةَ مِنْ مَوْضِعِهَا . وَقِيلَ : إِنَّ اسْتِنْجَاءَهُ الْأَوَّلَ يُجْزِئُهُ مَعَ الْمَعْصِيَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الِاسْتِطَابَةِ · ص 495 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما يُسْتَنْجَى به والنهي عن الاستنجاء باليمين · ص 515 ( 9 ) باب ما يُسْتَنْجَى به والنهي عن الاستنجاء باليمين 262 - [ 199 ] عَنْ سَلْمَانَ ؛ قَالَ : قِيلَ لَهُ : قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ ، قَالَ : فَقَالَ : أَجَلْ ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أو بَوْلٍ ، أو أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ، أو أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ ، أو أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أو بِعَظْمٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَنَهَانا عَنِ الرَّوْثِ وَالرمة . ( 9 ) ومن باب الاستنجاء ( قوله : قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة ) هو بكسر الخاء ممدود مهموز ، وهو اسم فعل الحدث ، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدود ، وتفتح خاؤه وتكسر ، ويقال : بفتحها وسكون الراء والقصر من غير مدٍّ . و ( قوله : أجل ) أي : نعم . قال الأخفش : إلا أنه أحسن من نعم في الخبر ، ونعم أحسن منه في الاستفهام ، وهما لتصديق ما قبلهما مطلقًا ، نفيًا كان أو إيجابًا ، فأما بلى فهو جواب بعد النفي عاريًا من حرف الاستفهام ، أو مقرونًا به . قال الجوهري : بلى ؛ إيجاب لما يقال لك ؛ لأنها ترد النفي ، وربما ناقضتها نعم . فإذا قال : ليس لك وديعة . فقولك : نعم ، تصديق له ، وبلى تكذيب له . و ( قوله : نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بولٍ ) دليل لمن ذهب إلى منع الاستقبال والاستدبار مطلقًا ، وهو أحمد وأبو ثور وأبو حنيفة في المشهور عنه ، وزاد النخعي وابن سيرين : منع استقبال القبلة المتقدمة واستدبارها . وكأن هؤلاء لم يبلغهم حديث ابن عمر الآتي ، أو لم يصلح عندهم للتخصيص ؛ لأنه فعل في خلوة . وذهب ربيعة وداود : إلى جواز ذلك مطلقًا ؛ متمسكين بحديث ابن عمر ، وبما رواه الترمذي عن جابر قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة ببولٍ ، فرأيته قبل أن يموت بعامٍ يستقبلها . قال : وقال فيه البخاري : هو صحيحٌ . وذهب الشافعي إلى التفريق بين القُرى والصحارى تعويلًا على أن حديث ابن عمر مخصص لأحاديث النهي . وأما مذهب مالك فهو أنه إذا كان ساتر وكنفٌ ملجئة إلى ذلك جاز ، وإن كان الساتر وحده فروايتان . وسبب هذا الاختلاف : اختلاف هذه الأحاديث ، وبناء بعضها على بعض . وقد أشرنا إلى ذلك . وقد تقدم القول على قوله : وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار . والضابط فيما يستنجى به عندنا : كل طاهر منق ، ليس بمطعوم ولا ذي حرمة ، ولا تخفى قيوده . و ( قوله : برجيع أو بعظم ) الرَّجيع : العذرة ، والأرواث ، ولا يستنجى بها لنجاستها ، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - لعبد الله بن مسعود حيث أتاه بالحجرين والروثة : إنها رجس ، ذكره البخاري . وقد جاء أيضًا من حديثه في كتاب أبي داود ما يدل على أنه إنما نهى عن الاستنجاء بها . وبالعظم ؛ لكونهما زادا للجن . قال : قدم وفد الجن على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا محمد ! انه أُمَّتَك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حُمَمَة ؛ فإن الله جاعل لنا فيها رزقًا . وكذلك جاء في البخاري من حديث أبي هريرة قال : فقلت : ما بال العظم والروثة ؟ قال : هما من طعام الجن ، وإنه أتاني وفد جن نصيبين ، ونعم الجن ، فسألوني الزاد ، فدعوت الله ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا ، وفي بعض الحديث : وأما الروث فعلف دوابهم . ويؤخذ من هذا الحديث : احترام أطعمة بني آدم وتنزيهها عن استعمالها في أمثال هذه القاذورات . ووجه هذا الأخذ أنه إذا منع من الاستنجاء بالعظم والروث ؛ لأنها زاد الجن وطعامهم ؛ فأحرى وأولى زاد الإنس وطعامهم . و الرِّمَّة العظم البالي ، وقد أطلق عليه أيضًا : الحائل ؛ أي : قد أتت عليه أحوالٌ فحال ، ويمكن جريان العلة المتقدمة في الرّمة من حيث هو عظم فيجدون عليها طعامًا ، كما قد صح . وقيل : لأنها تتفتت فلا تثبت عند الاستنجاء بها ، ولا يتأتى بها قلع ما هنالك . وقيل : لأنها تصير مثل الزجاج من حيث ملوستها فلا تقلع شيئًا . والْحُمم الفحم ، وعلل بأنه زاد الجن ، وهو أيضًا لا صلابة لأكثره ، فيتفتت عند الاستنجاء ، ويلوث الجسد ويسخمه ، والدين مبني على النظافة . تنبيه : إن وقع الاستنجاء والإنقاء بالطاهر المنقي المنهي عن الاستنجاء به فإنه يجزئه عندنا . وهل يعيد الصلاة في الوقت أو لا ؟ قولان ، وكذلك مسألة من بيمينه فإنه أساء وأجزأه . وقال أهل الظاهر : لا يجزئه لاقتضاء النهي فساد المنهي عنه . وعند الجمهور لا يقتضيه ، وأيضًا فإن الجمهور صرفوا هذا النهي إلى غير ذات المنهي عنه ، وهو احترام المطعوم واليمين ، والمطلوب - الذي هو الإنقاء - قد حصل ، فيجزئ عنه . ونهيه في حديث أبي قتادة عن إمساك الذكر باليمين ، وعن التمسح في الخلاء باليمين ، يلزم منهما تعذُّرٌ . اختلف علماؤنا في كيفية التخلص منه ؛ فقال المازري : يأخذ ذكره بشماله ثم يمسح به حجرًا ليسلم على مقتضى الحديثين . قال الشيخ - رحمه الله - : وهذا إن أمكنه حجر ثابت ، أو أمكنه أن يسترخي فيتمسح بالأرض ؛ فأما إذا لم يمكنه شيء من ذلك ؟ فقال الخطابي : يجلس على الأرض ويمسك برجليه الشيء الذي يتمسح به ويتناول ذكره بشماله . قال الشيخ : وقد يكون بموضع لا يتأتى له فيه الجلوس ، فقال عياض : الأولى من ذلك : أن يأخذ ذكره بشماله ، ثم يأخذ الحجر بيمينه ، فيمسكه أمامه ، ويتناول بالشمال تحريك رأس ذكره ، ويمسحه بذلك ، دون أن يستعمل اليمين في غير إمساك ما يتمسح به . قال الشيخ : وهذه الكيفية أحسنها لقلة تكلفها وتأتيها ، ولسلامتها عن ارتكاب منهي عنه ؛ إذ لم يمسك ذكره باليمين ولم تمسح به ، وإنما أمسك ما يتمسح به .