[ 12 ] 385 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ الثَّقَفِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسَافٍ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ) إِلَى آخِرِهِ مَعْنَاهُ قَالَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ هَذَا مَثْنًى كَمَا هُوَ الْمَشْرُوعُ ، فَاخْتَصَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كُلِّ نَوْعٍ شَطْرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى بَاقِيهِ ، وَمَعْنَى ( حَيَّ عَلَى كَذَا ) أَيْ تَعَالَوْا إِلَيْهِ ، وَالْفَلَاحُ الْفَوْزُ وَالنَّجَاةُ وَإِصَابَةُ الْخَيْرِ . قَالُوا : وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ أَجْمَعُ لِلْخَيْرِ مِنْ لَفْظَةِ ( الْفَلَاحِ ) ، وَيَقْرُبُ مِنْهَا النَّصِيحَةُ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي حَدِيثِ الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، فَمَعْنَى حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ أَيْ تَعَالَوْا إِلَى سَبَبِ الْفَوْزِ وَالْبَقَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَالْخُلُودِ فِي النِّعَمِ . وَالْفَلَاحُ وَالْفَلَحُ تُطْلِقُهُمَا الْعَرَبُ أَيْضًا عَلَى الْبَقَاءِ . وَقَوْلُهُ : ( لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) يَجُوزُ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مَشْهُورَةٌ أَحَدُهَا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ بِفَتْحِهِمَا بِلَا تَنْوِينٍ ، وَالثَّانِي فَتْحُ الْأَوَّلِ وَنَصْبُ الثَّانِي مُنَوَّنًا ، وَالثَّالِثُ رَفْعُهُمَا مُنَوَّنَيْنِ ، وَالرَّابِعُ فَتْحُ الْأَوَّلِ وَرَفْعُ الثَّانِي مُنَوَّنًا ، وَالْخَامِسُ عَكْسُهُ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ : ( الْحَوْلُ ) الْحَرَكَةُ أَيْ لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ . وَكَذَا قَالَ ثَعْلَبٌ وَآخَرُونَ ، وَقِيلَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ فِي تَحْصِيلِ خَيْرٍ إِلَّا بِاللَّهِ ، وَقِيلَ : لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَتِهِ ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إِلَّا بِمَعُونَتِهِ ، وَحُكِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ لُغَةً غَرِيبَةً ضَعِيفَةً أَنَّهُ يُقَالُ : لَا حَيْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ بِالْيَاءِ قَالَ : وَالْحَيْلُ وَالْحَوْلُ بِمَعْنًى ، وَيُقَالُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ قَوْلِهِمْ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ( الْحَوْقَلَةُ ) ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : ( الْحَوْلَقَةُ ) فَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْحَاءُ وَالْوَاوُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقَافُ مِنَ الْقُوَّةِ وَاللَّامُ مِنَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَعَلَى الثَّانِي الْحَاءُ وَاللَّامُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقَافُ الْقُوَّةُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِئَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَ الْحُرُوفِ . وَمِثْلُ الْحَوْقَلَةِ الْحَيْعَلَةُ فِي حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى كَذَا ، وَالْبَسْمَلَةُ فِي بِسْمِ اللَّهِ ، الْحَمْدَلَةُ فِي الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَالْهَيْلَلَةُ فِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَالسَّبْحَلَةُ فِي سُبْحَانَ اللَّهِ . أَمَّا أَحْكَامُ الْبَابِ فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ قَوْلِ سَامِعِ الْمُؤَذِّنِ مِثْلَ مَا يَقُولُ إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقُولُ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ لِحَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ يَقُولُ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ مُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّنِ ، وَاسْتِحْبَابُ سُؤَالِ الْوَسِيلَةِ لَهُ . وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ السَّامِعُ كُلَّ كَلِمَةٍ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنْهَا وَلَا يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ مِنْ كُلِّ الْأَذَانِ . وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا . وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَغَّبَ غَيْرَهُ فِي خَيْرٍ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ شَيْئًا مِنْ دَلَائِلِهِ لِيُنَشِّطَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ، وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَعْمَالَ يُشْتَرَطُ لَهَا الْقَصْدُ وَالْإِخْلَاصُ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مِنْ قَلْبِهِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ بِالْقَوْلِ مِثْلَ قَوْلِهِ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ مُتَطَهِّرٍ وَمُحْدِثٍ وَجُنُبٍ وَحَائِضٍ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا مَانِعَ لَهُ مِنَ الْإِجَابَةِ ، فَمِنْ أَسْبَابِ الْمَنْعِ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَلَاءِ ، أَوْ جِمَاعِ أَهْلِهِ ، أَوْ نَحْوِهِمَا . وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةٍ ، فَمَنْ كَانَ فِي صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ فَسَمِعَ الْمُؤَذِّنَ لَمْ يُوَافِقْهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِذَا سَلَّمَ أَتَى بِمِثْلِهِ . فَلَوْ فَعَلَهُ فِي الصَّلَاةِ فَهَلْ يُكْرَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ إِعْرَاضٌ عَنِ الصَّلَاةِ لَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إِنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهَا أَذْكَارٌ ، فَلَوْ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَوِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ كَلَامُ آدَمِيٍّ . وَلَوْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ فِي قِرَاءَةٍ أَوْ تَسْبِيحٍ أَوْ نَحْوِهِمَا قَطَعَ مَا هُوَ فِيهِ وَأَتَى بِمُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّنِ . وَيُتَابِعُهُ فِي الْإِقَامَةِ كَالْأَذَانِ إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ فِي لَفْظِ الْإِقَامَةِ : أَقَامَهَا اللَّهُ ، وَأَدَامَهَا ، وَإِذَا ثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَقَالَ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ قَالَ سَامِعُهُ : صَدَقْتَ ، وَبَرَرْتَ . هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَحْكِي الْمُصَلِّي لَفْظَ الْمُؤَذِّنِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ . أَمْ لَا يَحْكِيهِ فِيهِمَا ، أَمْ يَحْكِيهِ فِي النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِمَا . وَهَلْ هَذَا الْقَوْلُ مِثْلُ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَمْ مَنْدُوبٌ؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ ، الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَقُولُهُ عِنْدَ سَمَاعِ كُلِّ مُؤَذِّنٍ أَمْ لِأَوَّلِ مُؤَذِّنٍ فَقَطْ قَالَ : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ هَلْ يُتَابَعُ الْمُؤَذِّنُ فِي كُلِّ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ أَمْ إِلَى آخِرِ الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ ، وَمَا بَعْدَهُ بَعْضُهُ لَيْسَ بِذِكْرٍ ، وَبَعْضُهُ تَكْرَارٌ لِمَا سَبَقَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . " فَصْلٌ " قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَى آخِرِهِ ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ تَوْحِيدٌ ، وَثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَانْقِيَادٌ لِطَاعَتِهِ ، وَتَفْوِيضٌ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، فَمَنْ حَصَلَ هَذَا فَقَدْ حَازَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَكَمَالَ الْإِسْلَامِ ، وَاسْتَحَقَّ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا . قَالَ : وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَذَانَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِعَقِيدَةِ الْإِيمَانِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى نَوْعَيْهِ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ ، فَأَوَّلُهُ إِثْبَاتُ الذَّاتِ ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْكَمَالِ وَالتَّنْزِيهِ عَنْ أَضْدَادِهَا ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ( اللَّهُ أَكْبَرُ ) ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعَ اخْتِصَارِ لَفْظِهَا دَالَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، ثُمَّ صَرَّحَ بِإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَنَفْيِ ضِدِّهَا مِنَ الشَّرِكَةِ الْمُسْتَحِيلَةِ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَهَذِهِ عُمْدَةُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ الْمُقَدَّمَةُ عَلَى كُلِّ وَظَائِفِ الدِّينِ ، ثُمَّ صَرَّحَ بِإِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ وَالشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ، وَمَوْضِعُهَا بَعْدَ التَّوْحِيدِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ الْجَائِزَةِ الْوُقُوعِ ، وَتِلْكَ الْمُقَدِّمَاتُ مِنْ بَابِ الْوَاجِبَاتِ ، وَبَعْدَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ كَمُلَتِ الْعَقَائِدُ الْعَقْلِيَّاتُ فِيمَا يَجِبُ وَيَسْتَحِيلُ وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، ثُمَّ دَعَا إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَعَقَّبَهَا بَعْدَ إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ وُجُوبِهَا مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ، ثُمَّ دَعَا إِلَى الْفَلَاحِ وَهُوَ الْفَوْزُ وَالْبَقَاءُ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ مِنَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ ، وَهِيَ آخِرُ تَرَاجِمِ عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِلْإِعْلَامِ بِالشُّرُوعِ فِيهَا ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِتَأْكِيدِ الْإِيمَانِ وَتَكْرَارِ ذِكْرِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعِبَادَةِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ ، وَلِيَدْخُلَ الْمُصَلِّي فِيهَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِ وَبَصِيرَةٍ مِنْ إِيمَانِهِ ، وَيَسْتَشْعِرُ عَظِيمَ مَا دَخَلَ فِيهِ وَعَظَمَةَ حَقِّ مَنْ يَعْبُدُهُ ، وَجَزِيلَ ثَوَابِهِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَهُوَ مِنَ النَّفَائِسِ الْجَلِيلَةِ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب اسْتِحْبَابِ الْقَوْلِ مِثْلِ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ لِمَنْ سَمِعَهُ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَسْأَلُ لَهُ الْوَسِيلَةَ · ص 68 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب إذا سَمِعَ المؤذن قال مثل ما قال وفضل ذلك · ص 11 ( 3 ) باب إذا سَمِعَ المؤذن قال مثل ما قال ، وفضل ذلك ، وما يقول بعد الأذان ( 384 ) [301] - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ، واسألوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيهُ الشَّفَاعَةُ . ( 385 ) [302] - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ - قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ - قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ - قَالَ : لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ - قَالَ : لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ - قَالَ : اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ قَالَ : لا إِلهَ إِلا اللهُ - قَالَ : لا إِلهَ إِلا اللهُ ؛ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ . ( 386 ) [303] - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا وَبِالإِسْلامِ دِينًا - غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ . ( 3 ) ومن باب : إذا سمعتم الأذان قوله إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، حكى الطحاوي أنه اختُلف في حكمه ؛ فقيل واجب ، وقيل مندوب إليه ، والصحيح أنه مندوب ، وهو الذي عليه الجمهور . ثم هل يقوله عند سماع كل مؤذن ؟ أم لأول مؤذن فقط ؟ واختُلف في الحدّ الذي يحاكى فيه المؤذن ؛ هل إلى التشهدين الأخيرين ؟ أم لآخر الأذان ؟ فنُقل القولان عن مالك ، ولكنه في القول الآخر إذا حيعل المؤذن فيقول السامع لا حول ولا قوة إلا بالله - كما جاء في الأم وكما رواه أبو داود عن معاوية ، واختلف في المصلي : هل يحاكي المؤذن وهو في الصلاة ؟ فقيل : يحاكيه في الفريضة والنافلة ، وقيل : لا يحاكيه فيهما ، وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة . وقيل : يحاكيه في النافلة خاصة ، وبه قال الشافعي - والثلاثة الأقوال في مذهبنا . قال المطرِّز في كتاب اليواقيت وفي غيره : إن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة ؛ وهي : بسمل إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم ، وسبحل إذا قال سبحان الله ، وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله ، وحيعل إذا قال حي على الفلاح ، ويجيء على القياس الحيصلة إذا قال حي على الصلاة - ولم يذكره غيره . وحمدل إذا قال الحمد لله ، وهلل إذا قال لا إله إلا الله ، وجعفل إذا قال جعلت فداك . وزاد الثعالبي الطبقلة إذا قال أطال الله بقاءك ، والدمعزة إذا قال أدام الله عزك . قال ابن الأنباري رحمه الله : ومعنى حَيّ في كلام العرب هلمّ وأقبل . قال الشيخ رحمه الله : يقال بلفظ واحد للواحد والجميع ، وهي من أسماء الأفعال ، وفتحت الياء من حَيَّ لسكونها وسكون الياء التي قبلها ، كما قالوا ليت . وفيها لغات ؛ يقال : حيّ ، وحَيَّهَلًا ، وحَيَّهَلا غير مُنَوَّن ، وحَيَّهَلْ ساكنة اللام ، ومنه قول عبد الله بن مسعود : إذا ذُكر الصالحون فحيَّهَلا بعمرَ ؛ أي : فأقبلوا على ذكر عمر ، وقد تقدم ذكر الفلاح . وقيل : قياس المطرز الحيصلة على الحيعلة غير صحيح ، بل الحيعلة تطلق على حي على الفلاح وعلى حي على الصلاة ؛ وإنما هي من قوله حي على كذا فقط ، ولو كان على قياسه في الحيعلة لكان الذي يقال في حي على الفلاح الحيفلة ، وهذا لم يقل ، والباب مسموع . وقوله واسألوا الله لي الوسيلة قد فسرها في هذا الحديث بأنها منزلة في الجنة ، قال أهل اللغة : الوسيلة المنزلة ، وهي مشتقة من توسّل الرجل إذا تقرّب . وقوله وأرجو أن أكون أنا هو ، قال هذا - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يُبان له أنه صاحبها ، إذ قد أخبر أنه يقوم مقامًا لا يقومه أحد غيره ويحمد الله بمحامد لم يُلْهمها أحد غيره ، ولكن مع ذلك فلا بد من الدعاء فيها ؛ فإن الله تعالى يزيده بكثرة دعاء أمته رفعة كما زاده بصلاتهم ، ثم إنه يرجع ذلك عليهم بنيل الأجور ووجوب شفاعته صلى الله عليه وسلم . وقوله حلَّت وجبت ، يقال حَلَّ يَحِلُّ وجب ، وحَلَّ يُحِلّ نزل ، وكأنها لازمة ولم تنفصل عنه ، ولذلك عدّاه بـ عَلَى . تنبيه : واعلم أن الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة ؛ وذلك أنه - عليه الصلاة والسلام - بدأ بالأكبريَّة وهي تتضمن وجود الله تعالى ووجوبه وكماله ، ثم ثنّى بالتوحيد ، ثم ثلّث برسالة رسوله ، ثم ناداهم لِمَا أراد من طاعته ، ثم ضمّن ذلك بالفلاح وهو البقاء الدائم ، فأشعر بأن ثمَّ جزاء ، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا .