[311] ( 681 ) - وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ . قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ قَالَ : فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، قَالَ : ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ قَالَ : فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَالَ : ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ : أَبُو قَتَادَةَ . قَالَ : مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي ؟ قُلْتُ : مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ . قَالَ : حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ ؟ ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ ؟ قُلْتُ : هَذَا رَاكِبٌ ، ثُمَّ قُلْتُ : هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ ، قَالَ : فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الطَّرِيقِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ : احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ ، قَالَ : فَقُمْنَا فَزِعِينَ ، ثُمَّ قَالَ : ارْكَبُوا ، فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ نَزَلَ ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ قَالَ : فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ ، قَالَ : وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ : احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ : وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ قَالَ : فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا ؟ ثُمَّ قَالَ : أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ ؟ ثُمَّ قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا ، ثُمَّ قَالَ : مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا ؟ قَالَ : ثُمَّ قَالَ : أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ ، وَقَالَ النَّاسُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ يَرْشُدُوا ، قَالَ : فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ وَهُمْ يَقُولُونَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكْنَا عَطِشْنَا ، فَقَالَ : لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ ، ثُمَّ قَالَ : أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي ، قَالَ : وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحْسِنُوا الْمَلَأَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى ، قَالَ : فَفَعَلُوا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : اشْرَبْ ، فَقُلْتُ : لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا ، قَالَ : فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً ، قَالَ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ : إِنِّي لَأُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ إِذْ قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ : انْظُرْ أَيُّهَا الْفَتَى كَيْفَ تُحَدِّثُ فَإِنِّي أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، قَالَ : قُلْتُ : فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ ، فَقَالَ : مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : مِنْ الْأَنْصَارِ ، قَالَ : حَدِّثْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ ، قَالَ : فَحَدَّثْتُ الْقَوْمَ فَقَالَ عِمْرَانُ : لَقَدْ شَهِدْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحَ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ) رَبَاحٌ هَذَا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ . وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ . قَوْلُهُ : ( خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ ) فِيهِ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ إِذَا رَأَى مَصْلَحَةً لِقَوْمِهِ فِي إِعْلَامِهِمْ بِأَمْرٍ أَنْ يَجْمَعَهُمْ كُلَّهُمْ وَيُشِيعَ ذَلِكَ فِيهِمْ لِيُبَلِّغَهُمْ كُلَّهُمْ وَيَتَأَهَّبُوا لَهُ ، وَلَا يَخُصُّ بِهِ بَعْضَهُمْ وَكِبَارَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا خَفِيَ عَلَى بَعْضِهِمْ فَيَلْحَقُهُ الضَّرَرُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ قَوْلِ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، وَهُوَ مُرافِقٌ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ . قَوْلُهُ : ( لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ) أَيْ لَا يَعْطِفُ . قَوْلُهُ : ( ابْهَارَّ اللَّيْلُ ) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيِ انْتَصَفَ . قَوْلُهُ : ( فَنَعَسَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَالنُّعَاسُ مُقَدِّمَةُ النَّوْمِ ، وَهُوَ رِيحٌ لَطِيفَةٌ تَأْتِي مِنْ قِبَلِ الدِّمَاغِ تُغَطِّي عَلَى الْعَيْنِ وَلَا تَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى الْقَلْبِ كَانَ نَوْمًا ، وَلَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالنُّعَاسِ مِنَ الْمُضْطَجِعِ ، وَيُنْتَقَضُ بِنَوْمِهِ ، وَقَدْ بَسَطْتُ الْفَرْقَ بَيْنَ حَقِيقَتِهِمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ . قَوْلُهُ : ( فَدَعَمْتُهُ ) أَيْ أَقَمْتُ مَيْلَهُ مِنَ النَّوْمِ وَصِرْتُ تَحْتَهُ كَالدِّعَامَةِ لِلْبِنَاءِ فَوْقَهَا . قَوْلُهُ : ( تَهَوَّرَ اللَّيْلُ ) أَيْ ذَهَبَ أَكْثَرُهُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ تَهَوَّرَ الْبِنَاءُ وَهُوَ انْهِدَامُهُ ، يُقَالُ : تَهَوَّرَ اللَّيْلُ وَتَوَهَّرَ . قَوْلُهُ : ( يَنْجَفِلُ ) أَيْ يَسْقُطُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ : أَبُو قَتَادَةَ ) فِيهِ : أَنَّهُ إِذَا قِيلَ لِلْمُسْتَأْذِنِ وَنَحْوِهِ : مَنْ هَذَا ؟ يَقُولُ : فُلَانٌ بِاسْمِهِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ : أَبُو فُلَانٍ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا بِكُنْيَتِهِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ ) أَيْ بِسَبَبِ حِفْظِكَ نَبِيَّهُ . وَفِيهِ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ أَنْ يَدْعُوَ لِفَاعِلِهِ . وَفِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ . قَوْلُهُ : ( سَبْعَةُ رَكْبٍ ) هُوَ جَمْعُ رَاكِبٍ ، كَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَنَظَائِرِهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ ) هِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِهَمْزَةٍ بَعْدَ الضَّادِ ، وَهِيَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ كَالرَّكْوَةِ . قَوْلُهُ : ( فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ ) مَعْنَاهُ : وُضُوءًا خَفِيفًا مَعَ أَنَّهُ أَسْبَغَ الْأَعْضَاءَ . وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ الْمُرَادَ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِمَاءٍ بَلِ اسْتَجْمَرَ بِالْأَحْجَارِ ، وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ هَذَا الْقَائِلُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ ، وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ ) هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ ) فِيهِ : اسْتِحْبَابُ الْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ . وَفِيهِ : قَضَاءُ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ هُمَا سُنَّةُ الصُّبْحِ . وَقَوْلُهُ : ( كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ ) فِيهِ : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صِفَةَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ كَصِفَةِ أَدَائِهَا ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ فَائِتَةَ الصُّبْحِ يُقْنَتُ فِيهَا . وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ : يَجْهَرُ فِي الصُّبْحِ الَّتِي يَقْضِيهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا ، وَأَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ يُسِرُّ بِهَا ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : كَمَا كَانَ يَصْنَعُ ، أَيْ فِي الْأَفْعَالِ . وَفِيهِ : إِبَاحَةُ تَسْمِيَةِ الصُّبْحِ غَدَاةً ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْأَحَادِيثِ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَهُوَ الْكَلَامُ الْخَفِيُّ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ النَّائِمَ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَجِبُ الْقَضَاءُ بِالْخِطَابِ السَّابِقِ ، وَهَذَا الْقَائِلُ يُوَافِقُ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ النَّوْمِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ . وَأَمَّا إِذَا أَتْلَفَ النَّائِمُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَعْضَائِهِ شَيْئًا فِي حَالِ نَوْمِهِ فَيَجِبُ ضَمَانَهُ بِالِاتِّفَاقِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا لِلنَّائِمِ ؛ لِأَنَّ غَرَامَةَ الْمُتْلَفَاتِ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا التَّكْلِيفُ بِالْإِجْمَاعِ ، بَلْ لَوْ أَتْلَفَ الصَّبِيُّ أَوِ الْمَجْنُونُ أَوِ الْغَافِلُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ شَيْئًا وَجَبَ ضَمَانُهُ بِالِاتِّفَاقِ ، وَدَلِيلُهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ فَرَتَّبَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَلَى الْقَتْلِ خَطَأً الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ بِالْإِجْمَاعِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا ، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا ) فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْخَمْسِ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى ، وَهَذَا مُسْتَمِرٌّ عَلَى عُمُومِهِ فِي الصَّلَوَاتِ إِلَّا الصُّبْحَ فَإِنَّهَا لَا تَمْتَدُّ إِلَى الظُّهْرِ ، بَلْ يَخْرُجُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ؛ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَفِيهَا خِلَافٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِهِ ، وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ امْتِدَادُ وَقْتِهَا إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ ؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَوَابَ عَنْ حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمَيْنِ فِي الْمَغْرِبِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا : تَفُوتُ الْعَصْرُ بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ ، وَتَفُوتُ الْعِشَاءُ بِذَهَابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ ، وَتَفُوتُ الصُّبْحُ بِالْإِسْفَارِ . وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الِامْتِدَادِ إِلَى دُخُولِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا ، فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ إِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فَقَضَاهَا لَا يَتَغَيَّرُ وَقْتُهَا ، وَيَتَحَوَّلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، بَلْ يَبْقَى كَمَا كَانَ . فَإِذَا كَانَ الْغَدُ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدِ فِي وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ وَيَتَحَوَّلُ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْضِي الْفَائِتَةَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي الْحَالِ ، وَمَرَّةً فِي الْغَدِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا قَدَّمْنَاهُ ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدِ اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ، وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُونَ مَا ذَكَرْتُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا ) . قَالَ : ثُمَّ قَالَ : أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ ، وَقَالَ النَّاسُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ يَرْشُدُوا ) مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا صَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ ، وَقَدْ سَبَقَهُمُ النَّاسُ ، وَانْقَطَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَؤُلَاءِ الطَّائِفَةُ الْيَسِيرَةُ عَنْهُمْ . قَالَ : مَا تَظُنُّونَ النَّاسَ يَقُولُونَ فِينَا ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَّا أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ فَيَقُولَانِ لِلنَّاسِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَاءَكُمْ ، وَلَا تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يُخَلِّفَكُمْ وَرَاءَهُ وَيَتَقَدَّمَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ، فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَنْتَظِرُوهُ حَتَّى يَلْحَقَكُمْ ، وَقَالَ بَاقِي النَّاسِ : إِنَّهُ سَبَقَكُمْ فَالْحَقُوهُ ، فَإِنْ أَطَاعُوا أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ رَشَدُوا ؛ فَإِنَّهُمَا عَلَى الصَّوَابِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ ) هُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ مِنَ الْهَلَاكِ ، وَهَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالرَّاءِ ، هُوَ الْقَدْحُ الصَّغِيرُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَلَمْ يَعُدْ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَا فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا ) ضَبَطْنَا قَوْلَهُ : ( مَا ) هُنَا بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَحْسِنُوا الْمَلَأَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى ) الْمَلَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ وَهُوَ مَنْصُوبٌ مَفْعُولُ أَحْسِنُوا . وَالْمَلَأُ : الْخُلُقُ وَالْعِشْرَةُ ، يُقَالُ : مَا أَحْسَنَ مَلَأَ فُلَانٍ أَيْ خُلُقَهُ وَعِشْرَتَهُ ، وَمَا أَحْسَنَ مَلَأَ بَنِي فُلَانٍ أَيْ عِشْرَتَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ . ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأَنْشَدَ الْجَوْهَرِيُّ : تَنَادَوْا بالَ بُهْتةَ إِذْ رَأَوْنَا فَقُلْنَا أَحْسَنِي مَلَأً جُهَيْنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ ) فِيهِ لِهَذَا الْأَدَبِ مِنْ آدَابِ شَارِبِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا . وَفِي مَعْنَاهُ مَا يُفَرَّقُ عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنَ الْمَأْكُولِ كَلَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ وَمَشْمُومٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً ) أَيْ نِشَاطًا مُسْتَرِيحِينَ . قَوْلُهُ : ( فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ ) هُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ ، فَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِتَقْدِيرٍ ، وَيَتَأَوَّلُونَ مَا جَاءَ فِي هَذَا بِحَسَبِ مَوَاطِنِهِ ، وَالتَّقْدِيرُ هُنَا مَسْجِدُ الْمَكَانِ الْجَامِعِ ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ أَيِ الْمَكَانِ الْغَرْبِيِّ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَدَارُ الْآخِرَةِ أَيِ الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ : وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَوَاضِعَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ ) ضَبَطْنَاهُ ( حَفِظْتُهُ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِهَا ، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذِهِ : مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْدَاهَا : إِخْبَارُهُ بِأَنَّ الْمِيضَأَةَ سَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ وَكَانَ كَذَلِكَ . الثَّانِيَةُ : تَكْثِيرُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ ، الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( كُلُّكُمْ سَيَرْوَى ، وَكَانَ كَذَلِكَ . الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ كَذَا ، وَقَالَ النَّاسُ كَذَا . الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ ) ، وَكَانَ كَذَلِكَ . وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ يَعْلَمُ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ : فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ إِذْ لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَفَعَلُوا ذَلِكَ قَبْلَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ وَاسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ قَضَائِهَا · ص 310 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس · ص 312 ( 88 ) باب من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فله أن يؤذن إذا كان في جماعة ، ويصلي ركعتي الفجر ( 681 ) [567] - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ - إِنْ شَاءَ الله - غَدًا . فَانْطَلَقَ النَّاسُ لا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ . قَالَ : فَنَعَسَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ، فأَتيتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ . قَالَ : ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ ، مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ . قَالَ : فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ . قَالَ : ثُمَّ سَارَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ، حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ ، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ ، ثم َرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ : أَبُو قَتَادَةَ . قَالَ : مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي ؟ قُلْتُ : مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ . ثم قَالَ : حَفِظَكَ الله بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ ! ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ ؟ ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ ؟ قُلْتُ : هَذَا رَاكِبٌ . ثُمَّ قُلْتُ : هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ . قَالَ : فَمَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الطَّرِيقِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ : احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا ! فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ ، قَالَ : فَقُمْنَا فَزِعِينَ ، ثُمَّ قَالَ : ارْكَبُوا ! فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا ، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ ، قَالَ : وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ ، ثُمَّ قَالَ لأَبِي قَتَادَةَ : احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ ! ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ . قَالَ : وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَرَكِبْنَا مَعَهُ ، قَالَ : فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ : مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلاتِنَا ؟ ثُمَّ قَالَ : أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ ؟ ثُمَّ قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا ، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا . ثُمَّ قَالَ : مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا ؟ قَالَ : ثُمَّ قَالَ : أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ : رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَكُمْ ، لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ ! وَقَالَ النَّاسُ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ، فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا . قَالَ : فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، هَلَكْنَا ، عَطِشْنَا. فَقَالَ : لا هُلْكَ عَلَيْكُمْ ! ثُمَّ قَالَ : أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي ! قَالَ : وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَحْسِنُوا الْمَلأَ ، فَكُلُّكُمْ سَيَرْوَى . قَالَ : فَفَعَلُوا ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ ، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم . قَالَ : ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لِي : اشْرَبْ ! فَقُلْتُ : لا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللهِ ! قَالَ : إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ . قَالَ : فَشَرِبْتُ ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم . قَالَ : فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً . ( 88 ) ومن باب : شرح ما تضمنه حديث أبي قتادة وعمران بن الحصين من الغريب قوله " لا يلوي أحد على أحد " ؛ أي لا يعطف عليه ولا ينتظره ، وأصله من لَيِّ العُنُق . وقوله " حتى ابهَارَّ الليل " ؛ أي انتصف ، وبُهْرَة كل شيء وسطه ، وقيل : ذهب عامته وبقي نحو من ثلثه . قال أبو سعيد الضرير : ابْهِرَارُ الليل طلوع نجومه إذا تَتَامَّت . وقال غيره : ابهارَّ الليل طال . والباهِرُ : الممتلئ نورًا . وقد صحّفه بعض الشارحين تصحيفًا قبيحًا فقال : انهار الليل - بالنون ، وقال : ومنه قوله تعالى : فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وقوله " وتَهَوَّرَ الليل " ، قال الهروي : معناه ذهب أكثره وانهدم كما يتهوَّر البناء ، يقال : تَهَوَّر الليل وتَوَهَّر . وقوله " فدعمته " ؛ أي أقمت مَيْلَه وصرت له كالدّعامة تحته . وقوله " حتى كاد ينجفل " ؛ أي قارب أن ينقلب ويقع ، ومنه ما جاء في الحديث " أن البحر جَفَل سمكًا " ؛ أي ألقاه فرمى به - ذكره الهروي . وقوله " فمال عن الطريق فوضع رأسه " ، هذا الفعل منه - صلى الله عليه وسلم - مثل قوله " إذا عرستم فاجتنبوا الطريق ، فإنه مأوى الهوام " . والمِيضَأَةُ : الإناء الذي يتوضأ فيه ، وهي التي قال فيها : أطلقوا لي غُمَرِي . والغُمَر : القعب الصغير . ويقال : تغَمَّرْت ؛ أي : شربت قليلا ، قال أعشى باهلة : يكفيه حُزَّةُ فِلْذٍ إنْ ألمَّ بها من الشِّواءِ ويُروي شُرْبَه الغُمَرُ وقوله " فتوضأ منها وضوءًا دون وضوء " ؛ يعني وضوءًا مخفّفًا ، وكأنه اقتصر فيه على المرة الواحدة ، ولم يكثر صبّ الماء لأنه أراد أن يفضل منه فضلة لتظهر فيها بركته وكرامته ، وهذا أولى من قول من قال أراد بقوله " وضوءًا دون وضوء " الاستجمار بالحجارة ؛ لأن ذلك لا يقال عليه وضوء عرفًا ولا لغة ، لأنه لا نظافة فيه بالغة ، ولما روى أبو داود في هذه القصة من حديث ذي مِخْبَر الحبشي خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى الله عليه وسلم توضأ وضوءًا لم يبتلّ منه التراب . والأسوة : القدوة . وقوله " فجعل بعضنا يهمس إلى بعض " ؛ أي : يحرك شفتيه بكلام خفي . وقوله " إنه ليس في النوم تفريط " يدل على أن النائم غير مكلف ولا مؤاخذ . وقوله " إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى " ؛ أي : من لم يصلها عامدًا لتركها . وفيه ما يدل على أن أوقات الصلوات كلها موسعة . وقوله " فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها " ، الإشارة بـ " ذلك " إلى ما وقع له من النوم عن الصلاة ، ويحتمل أن يعود الضمير إلى جميع ما ذكر من النوم والتفريط على ما قررنا في قضاء العامد . وقوله " فإذا كان الغد فلّيصلِّها عند وقتها " ، قال قوم : ظاهره إعادة المقضيَّة مرتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي ، وقد وافق هذا الظاهر ما رواه أبو داود نصًّا من حديث عمران بن حصين - وذكر القصة ، وقال في آخرها : فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غدٍ صالحًا فليقض معها مثلها . قال الخطابي : لا أعلم أحدًا قال هذا وجوبًا ، ويشبه أن يكون الأمر به استحبابًا ليُحرز فضيلة الوقت في القضاء . قلت : وهذا كله يعارضه ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من حديث الحسن عن عمران بن حصين في هذه القصة أنه - صلى الله عليه وسلم - لما صلى بهم المقضيَّة قالوا : ألا نقضيها لوقتها من الغد ؟ فقال : لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم . والصحيح ترك العمل بذلك الظاهر لهذه المعارضة ، ولما حكى الخطابي ، ولأن الطرق الصحاح المشهورة ليس فيها من تلك الزيادة شيء إلا ما ذكر في حديث أبي قتادة ، وهو محتمل كما قررناه ، والله تعالى أعلم . وقوله " ثم قال : ما ترون الناس صنعوا ؟ " ، هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن كان معه مستفهمًا على جهة استحضار أفهامهم ، ثم قال - صلى الله عليه وسلم - مخبرًا بما صنعوا وبما قالوا إلى قوله " وقال الناس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيديكم " ، وهنا انتهى الخبر عنهم ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم " فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا " ؛ لأنهما وافقا الحق فيما قالاه ، فصوابه إذًا أن يكون " يطيعوا ، ويرشدوا " بياء الغائبين ، وقد قيل في بعض النسخ بتاء المخاطبين ، ووجهه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنه أقبل على الغائبين فخاطبهم . ويجري هذا مجرى قول عمر " الجبلّ يا سارية " وهو بالمدينة ، وسارية بمصر أو بالشام ، فسمعه سارية ولجأ إلى الجبل ونجا هو وأصحابه ، والله أعلم . ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - حاكيًا قولهم . وقوله " وأحسنوا الملأ " بفتح الميم والهمزة مقصورًا ؛ أي الخُلُق - قاله جماعة من اللغويين : أبو زيد ، والمفضل ، والزجاج ، وابن السكيت ، وابن قتيبة - وأنشد بعضهم : تنادوا يا لَبُهْثَة إذ رَأَوْنا فقلنا أحسني ملأ جُهينا أي خلقًا ، وروى ابن قتيبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه حين زجروا الأعرابي البائل في المسجد " أحسنوا مَلأَكُم " ؛ أي خلقكم ، ومن روى هذا الحرف " مِلأكم " ساكنة اللام مهموزة من معنى الامتلاء فقد أخطأ ؛ لأنه لم يملأ أحد في هذه النازلة قِربةً ولا وعاءً ، وإنما كان شربًا . وقوله " فأتى الناسُ الماءَ جامّين رواءً " ؛ أي نشاطًا صالحي الأحوال ، و " رِواء " من الرِّيِّ وهو الامتلاء من الماء . وفي حديث أبي قتادة أوجه من الفقه لا تخفى على متأمل .