[2] - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الْحَضَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى . [3] - وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ : مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ ؟ قَالَ : إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ : مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ : إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِمَا . فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمَا رَأَيَا الْقَصْرَ جَائِزًا وَالْإِتْمَامَ جَائِزًا فَأَخَذَا بِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ ، وَهُوَ الْإِتْمَامُ . وَقِيلَ : لِأَنَّ عُثْمَانَ إِمَامُ الْمُؤْمِنِينَ وَعَائِشَةُ أُمُّهُمْ فَكَأَنَّهُمَا فِي مَنَازِلِهِمَا ، وَأَبْطَلَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَقِيلَ : لِأَنَّ عُثْمَانَ تَأَهَّلَ بِمَكَّةَ . وَأَبْطَلُوهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَافَرَ بِأَزْوَاجِهِ وَقَصَرَ ، وَقِيلَ : فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ حَضَرُوا مَعَهُ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ أَبَدًا حَضَرًا وَسَفَرًا ، وَأَبْطَلُوهُ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بَلِ اشْتَهَرَ أَمْرُ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ . وَقِيلَ : لِأَنَّ عُثْمَانَ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْحَجِّ . وَأَبْطَلُوهُ بِأَنَّ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ حَرَامٌ عَلَى الْمُهَاجِرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ . وَقِيلَ : كَانَ لِعُثْمَانَ أَرْضٌ بِمِنًى ، وَأَبْطَلُوهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْإِتْمَامَ وَالْإِقَامَةَ . وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، ثُمَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ . وَشَرَطَ بَعْضُ السَّلَفِ كَوْنَهُ سَفَرَ خَوْفٍ ، وَبَعْضُهُمْ كَوْنَهُ سَفَرَ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ ، وَبَعْضُهُمْ كَوْنَهُ سَفَرَ طَاعَةٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَالْأَكْثَرُونَ : وَلَا يَجُوزُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُمَا وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ : : لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إِلَّا فِي مَسِيرَةِ مَرْحَلَتَيْنِ قَاصِدَتَيْنِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً ، وَالْمِيلُ : سِتُّ آلَافِ ذِرَاعٍ ، وَالذِّرَاعُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إِصْبَعًا مُعْتَرِضَةٌ مُعْتَدِلَةٌ ، وَالْإِصْبَعُ : سِتُّ شُعَيْرَاتٍ مُعْتَرِضَاتٍ مُعْتَدِلَاتٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ : لَا يُقْصِرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ . وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : يَجُوزُ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ ، حَتَّى لَوْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ قَصَرَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا · ص 318 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما جاء في حكم قَصْرِ الصلاة في السفر · ص 322 ( 89 ) باب ما جاء في حكم قَصْرِ الصلاة في السفر ( 685 ) ( 1 و 3 ) [568 م] - عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَرَضَ الله الصَّلاةَ - حِينَ فَرَضَهَا - رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الْحَضَرِ ، وَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الأُولَى . قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ : مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ ؟ قَالَ : إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ . ( 89 ) ومن باب : حكم قصر الصلاة في السفر قول عائشة رضي الله عنها " فرض الله الصلاة - حين فرضها - ركعتين ركعتين . . . " ، الحديث مخالف لفعلها ؛ فإنها كانت تتم في السفر ، ومخالف لما قاله غيرها من الصحابة رضي الله عنهم كعمر وابن عباس وجبير بن مطعم ؛ فإنهم قالوا : إن الصلاة فرضت في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين - كما رواه مسلم عن ابن عباس . ويخالف أيضًا ظاهر الكتاب في قوله تعالى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مع قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ، كما يأتي في حديث يعلى . وقد رام بعض المتأخرين الجمع بين حديث عائشة وبين حديث ابن عباس فقال : يحمل حديث عائشة على أول الأمر ، وحديث ابن عباس على الذي استقرّ عليه الفرضان ، وهو تحكُّم ، مع أنه بقي عليه العذر عن مخالفتها هي وعن معارضة ظاهر الكتاب . ثم نقول : لو كان الأمر على ما ذكرته عائشة لاستحال عادةً أن تنفرد بنقل ذلك عائشة ، فإنه حكم يعمّ الناس كلهم فيشيع ، وتنقله الكافة من الصحابة والعدد الكثير منهم ، ولم يُسمع ذلك قطّ من غيرها من الصحابة فلا مُعَوَّل عليه ، والله أعلم . فإن قيل : فلعل ذلك كان في أول مشروعية الصلاة ولم يستمرّ ذلك الحكم ، فلا يلزم الإشاعة ! قلنا : ذلك باطل ؛ لأن عائشة رضي الله عنها لعلها لم تكن موجودة في ذلك الوقت ، فإن أول مشروعية الصلاة إنما كانت حين الإسراء ، وقد ذكرنا وقت ذلك في كتاب الإيمان ، وإن كانت موجودة إذ ذاك فلم تكن ممن يميز ولا يعقل لصغرها . واختلف في حكم القصر في السفر ؛ فروي عن جماعة أنه فرض ، وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين وإسماعيل القاضي . وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض ، ومشهور مذهب مالك وجُلّ أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة ، وهو قول الشافعي . ومذهب عامة البغداديين من أصحابنا أن الفرضَ التخييرُ ، وهو قول أصحاب الشافعي . ثم اختلف أصحاب التخيير في أيهما أفضل ؟ فقال بعضهم : القصر أفضل ، وهو قول الأبهري من أصحابنا وأكثرهم ، وقيل : إن الإتمام أفضل ، ويحكى عن الشافعي . وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث في ذلك كما سيأتي ، وقد تأول القائلون بأن القصر ليس بفرض حديث عائشة وحديث ابن عباس أن الفرض فيهما بمعنى التقدير ، وهو أصله في اللغة ، فيكون معناه أن الله تعالى قدَّر صلاة المسافر بركعتين عددًا كما قدَّر صلاة الحضر أربع ركعات على ما في حديث ابن عباس ، وعلى أي وجه يكون هذا التقدير على حكم الوجوب أو السنة ؟ ذلك يؤخذ من دليلٍ آخر ، وقد دلت أدلة كثيرة على أنه ليس بواجب ؛ منها حديث عمر حيث قال صلى الله عليه وسلم : صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته . وقد روى النسائي من حديث عائشة - وهو صحيح - أن عائشة اعتمرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، قصَرتَ وأتممتُ ، وأفطرتَ وصمتُ ! فقال : أحسنت يا عائشة ! وما عابه عليَّ . وهكذا قيدته بفتح التاء الأولى وضم الثانية في الكلمتين ، وكذلك دلّ قوله تعالى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ فإذا تقرر أنه ليس بواجب ، فهل هو سنة أم لا ؟ قلنا : هو سنة ، دلّ عليه مداومته - صلى الله عليه وسلم - على القصر واستمرار عمل الخلفاء على ذلك وأكثر الصحابة . ثم اختلفوا في السفر الذي تقصر فيه الصلاة ؛ فذهب عامة العلماء إلى جوازه في كل سفر مباح ومنعِه في سفر المعصية - وهو قول مالك والشافعي والطبري وأصحابهم . وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى جوازه في كل سفر طاعةً كان أو معصيةً ، وهو رواية شاذة عن مالك . وذهب داود إلى أنه لا يجوز إلا في سفر الحج والعمرة والغزو لا في غيرها ، وروي ذلك عن ابن مسعود . واختُلف عن أحمد بن حنبل ؛ فمرة قال بقول مالك ، ومرة قال : لا يقصر إلا في حج أو عمرة . وقال عطاء : لا يقصر إلا في سبيل من سبل الله ، والصحيح المذهب الأول ؛ لأن القصر إنما شرع تخفيفًا عن المسافر للمشقّات اللاحقة فيه ومعونة له على ما هو بصدده مما يجوز ، وكل الأسفار في ذلك سواء ، وأما سفر المعصية فلا يترخص فيه بالقصر ولا بالفطر ؛ لأن ذلك يكون معونة له على معصية ، والله تعالى يقول : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ واختلفوا في السفر الذي تقصر فيه الصلاة ؛ فقال داود : تقصر في كل سفرٍ قصير أو طويل ، ولو كان ثلاثة أميال في سفر الطاعة ، وكافة العلماء على أن القصر إنما شُرِعَ تخفيفًا ، وإنما يكون في السفر الطويل الذي تلحق فيه المشقة غالبًا . واختلفوا في تقديره ؛ فذهب مالك والشافعي وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث إلى أنها لا تقصر إلا في اليوم التام . وقول مالك " يوم وليلة " راجع إلى اليوم التام ، وهو قول ابن عباس وابن عمر ، وقدّره مالك بثمانية وأربعين ميلا ، والشافعي والطبري بستة وأربعين ميلا ، وهو أمر متقارب . والتفت هؤلاء إلى أقل ما سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرًا ؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم منها . ومسيرة يوم وليلة هو مسيرة اليوم التام ؛ فإن عادتهم في أسفارهم أن يقيلوا بالنهار ويسيروا بالليل ، ولأن مسيرة يوم تامٍّ لا يمكن الخارج من منزله الرجوع إليه من يومه ويبيت ضرورة عنه ، فخرج عن القرار في السفر . وقال الكوفيون : لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول عثمان وابن مسعود وحذيفة . وقال الحسن وابن شهاب : يقصر في مسيرة يومين . وأولاها القول الأول ، والله تعالى أعلم . وقول عروة " إنها تأوّلت ما تأوّل عثمان " ، اختلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان في السفر على أقوال ، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأوّلا أن القصر رخصة غير واجبة وأخذا بالأكمل ، وما عدا هذا القول إما فاسد وإما بعيد ، ولنذكر ما قيل في ذلك : فمنها : أن عائشة تأوّلت أنها أم المؤمنين ، فحيث حَلّتْ نزلت في أهلها وولدها ، وهذا يبطل بما بين المنزلتين من المسافات البعيدة ، فإنها كانت تتم فيها وهي على ظهر سفر . ومنها : أنها كانت لا ترى القصر إلا في الحج والعمرة والغزو ، وذلك باطل ؛ لأن ذلك لم ينقل عنها ولا عُرف من مذهبها ، ثم قد أتمّت في سفرها إلى عليٍّ رضي الله عنهما . ومنها : أنها حيث أتمّت لم تكن في سفر جائز ، وهذا باطل قطعًا ، فإنها كانت أتقى لله وأخوف وأطوع من أن تخرج في سفر لا يرضاه الله تعالى ، وهذا التأويل عليها هو من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم عليها ، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ! وإنما خرجت رضي الله عنها مجتهدة محتسبة في خروجها تريد أن تطفئ نار الفتنة ، ثم خرجت الأمور عن الضبط ، وأقل درجاتها أن تكون ممن قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر . وقد ذكرنا من حديث النسائي عن عائشة ما يبيّن أن المعنى الذي لأجله أتمت في السفر إنما هو ما اخترناه أوّلا . وأما عثمان فقد تُؤوِّلَ له أنه كان إمام الناس ، فحيث حلّ فهو منزله ، وهذا يردّه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أولى بذلك ومع ذلك فلم يفعله. ومنها : أنه كان معه أهله بمكة . وهذا يردّه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سافر بزوجاته وكن معه بمكة ومع ذلك فقصر . ومنها : أنه إنما فعل ذلك من أجل الأعراب لئلا يظنوا أن فرض الصلاة أبدًا ركعتان . وهذا يردّه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أولى بذلك ولم يفعله ، ثم قد عَلِمَ الأعرابُ والكلُّ من المسلمين أن الصلاة في الحضر أربع ، ومن جهل ذلك من قرب عهد بالإسلام نادر قليل لا تغير القواعد لأجله . ومنها : أن عثمان أزمع على المقام بمكة بعد الحج ، ويردّه أن المقام بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث ممنوع . ومنها : أنه كان لعثمان بمنىً أرضٌ ومالٌ فرأى أنه كالمقيم . وهذا فيه بُعْدٌ ؛ إذ لم يقل أحدٌ إن المسافر إذا مرّ بما يملكه من الأرض ولم يكن له فيها أهل حكمه حكم المقيم . والوجه ما ذكرناه أولا .