177 - 761 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ : قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ . قَالَ : وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . فَفِيهِ : جَوَازُ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً ، وَلَكِنَّ الِاخْتِيَارَ فِيهَا الِانْفِرَادُ إِلَّا فِي نَوَافِلَ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ : الْعِيدُ وَالْكُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَكَذَا التَّرَاوِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ . وَفِيهِ : جَوَازُ النَّافِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ أَفْضَلَ ، وَلَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا فَعَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَأَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا . وَفِيهِ : جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ إِمَامَتَهُ ، وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَكِنْ إِنْ نَوَى الْإِمَامُ إِمَامَتَهُمْ بَعْدَ اقْتِدَائِهِمْ حَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ لَهُ وَلَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا حَصَلَتْ لَهُمْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَحْصُلُ لِلْإِمَامِ عَلَى الْأَصَل ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ فَقَدْ نَوَوْهَا . وَفِيهِ : إِذَا تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةٌ وَخَوْفُ مَفْسَدَةٍ أَوْ مَصْلَحَتَانِ اعْتُبِرَ أَهَمُّهُمَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ رَأَى الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ مَصْلَحَةً لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَلَمَّا عَارَضَهُ خَوْفُ الِافْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ تَرَكَهُ لِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تُخَافُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَتَرْكِهِمْ لِلْفَرْضِ . وَفِيهِ : أَنَّ الْإِمَامَ وَكَبِيرَ الْقَوْمِ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَافَ مَا يَتَوَقَّعُهُ أَتْبَاعُهُ ، وَكَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ يَذْكُرُهُ لَهُمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَإِصْلَاحًا لِذَاتِ الْبَيْنِ ؛ لِئَلَّا يَظُنُّوا خِلَافَ هَذَا ، وَرُبَّمَا ظَنُّوا ظَنَّ السُّوءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَهُوَ التَّرَاوِيحُ · ص 379 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الترغيب في قيام رمضان وليلة القدر وكيفية القيام · ص 387 ( 106 ) باب الترغيب في قيام رمضان وليلة القدر وكيفية القيام ( 759 ) [639] - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ ، فَيَقُولُ : مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَصَدْرًا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ . وَفِي رِوَايَةٍ : مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . وفِي أُخْرَى : مَنْ يُقِمْ لَيْلَةَ القَدْرِ فَيُوَافِقهَا . . . . ( 671 ) ( 177 و 178 ) [640] - وعَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ . ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ - وفي رواية : عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ - ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ : قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلا أَنِّي خَشِيتُ أنْ تفْرَضَ عَلَيْكُمْ ، قَالَ : وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ . ( 106 ) ومن باب : الترغيب في قيام رمضان قوله : كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة ، يدل : على أن قيام الليل في رمضان من نوافل الخير ، ومن أفضل أعمال البر ، لا خلاف في هذا ، وإنما الخلاف في الأفضل منه . هل إيقاعه في البيت ، أو في المسجد ؟ فذهب مالك إلى أن إيقاعه في البيت أفضل لمن قوي عليه ، وكان أولا يقوم في المسجد ثم ترك ذلك ، وبه قال أبو يوسف ، وبعض أصحاب الشافعي . وذهب ابن عبد الحكم وأحمد وبعض أصحاب الشافعي : إلى أن حضورها في الجماعة أفضل ، وقال الليث : لو قام الناس في بيوتهم ، ولم يقم أحد في المسجد ، لا ينبغي أن يخرجوا إليه ، والحجة لمالك قوله - صلى الله عليه وسلم - : خير صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة ، وقول عمر : نعمت البدعة هي ، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون فيها . وحجة مخالفه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صلاّها في الجماعة في المسجد ، ثم أخبر بالمانع الذي منعه من الدوام على ذلك ، وهو خشية أن تفرض عليهم ، ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزاعًا متفرقين ؛ إلى أن جمعهم عمر على قارئٍ واحد ، فاستقرّ الأمر على ذلك ، وثبتت سنته بذلك . قلت : ومالك أحق الناس بالتمسك بهذا ؛ بناءً على أصله في التمسّك بعمل أهل المدينة . وقوله : من قام رمضان ، دليل على جواز إطلاق لفظ رمضان غير مضافٍ إلى شهر ؛ خلافًا لمن منع ذلك حتى يقال : شهر رمضان ، قال : لأن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولا يصح هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقوله : إيمانًا واحتسابًا ؛ أي : تصديقًا بما جاء في ذلك ، واحتسابًا بالأجرة على الله تعالى . وقد روي : من قام رمضان وصامه إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه . وقوله : فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر ؛ أي : لم يزل أمر قيام رمضان معلوم الفضيلة يقومونه لكن متفرقين وفي بيوتهم ؛ ولم يجمعوه على قارئٍ واحد ؛ حتى كان مِنْ جَمْعِ عمر لهم على أُبَيٍّ في المسجد ما قد ذكره مالك في الموطأ . ثم اختُلف في المختار من عدد القيام ، فعند مالك : أن المختار من ذلك ست وثلاثون ؛ لأن ذلك عمل أهل المدينة المتصل . وقد قال نافع : لم أدرك الناس إلا وهم يقومون بتسع وثلاثين ركعة ، يوترون منها بثلاث . وقال الشافعي : عشرون ركعة ، وقال كثير من أهل العلم : إحدى عشرة ركعة ، أخذًا بحديث عائشة المتقدم . وسيأتي الكلام على أحاديث ليلة القدر . وقوله : من يقم ليلة القدر فيوافقها : اختلف في القدر الذي أضيفت الليلة إليه ، فقال ابن عباس : القدر : العظمة ؛ من قوله : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ؛ أي : ما عظموه حق عظمته ، وقال مجاهد : القدر : تقدير الأشياء من أمور السنة . وقال ابن الفضل : يعني سوق المقادير إلى المواقيت ، وقيل : قُدِّر في وقتها إنزال القرآن . ويقم في - هذه الرواية - يعني به : يطلب بقيامه ليلة القدر ، وحينئذ يلتئم مع قوله : يوافقها ؛ لأن معنى يوافقها : يصادفها ، ومن صلى فيها فقد صادفها ، ويحتمل أن تكون الموافقة هنا : عبارة عن قبول الصلاة فيها والدّعاء ، أو يوافق الملائكة في دعائها ، أو يوافقها حاضر القلب متأهلا لحصول الخير والثواب ؛ إذ ليس كل دعاء يسمع ، ولا كل عمل يقبل ، فإنه : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وسيأتي استيفاء هذا المعنى إن شاء الله تعالى .