228 - 790 - وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَاقُ : أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ هُوَ نُسِّيَ اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ ) أَيْ آيَةَ كَذَا وَكَذَا ، وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ فَتْحَهَا وَكَسْرَهَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : ( اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : التَّفَصِّي : الِانْفِصَالُ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَشَدُّ تَفَلُّتًا . النَّعَمُ : أَصْلُهَا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِبِلُ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُعْقَلُ ، وَالْعُقُلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالْقَافِ ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الْقَافِ وَهُوَ كَنَظَائِرِهِ ، وَهُوَ جَمْعُ عِقَالٍ كَكِتَابٍ ، وَالنَّعَمُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ ، وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ : ( بِعُقُلِهَا ) . وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( مِنْ عُقُلِهِ ) ، وَفِي الثَّالِثَةِ : ( فِي عُقُلِهَا ) ، وَكُلُّهُ صَحِيحٌ ، وَالْمُرَادُ بِرِوَايَةِ الْبَاءِ ( مِنْ ) كَمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَعْنَاهَا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ وَكَرَاهَةِ قَوْلِ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَجَوَازِ قَوْلِ أُنْسِيتُهَا · ص 407 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الأمر بِتَعاهُدِ القرآن وذَمِّ من فرط فيه حتى نسي · ص 416 أبواب فضائل القرآن وما يتعلق بها ( 112 ) باب الأمر بِتَعاهُدِ القرآن ، وذَمِّ من فرط فيه حتى نسي ( 789 ) ( 227 ) [664] - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صاحب الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ ، وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ . ( 790 ) ( 228 و 229 ) [665] - وعَنْ عَبْدِ الله ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : بِئْسَمَا لأَحَدِكمْ أَنْ يَقُولُ : نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ ؛ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ عَبْدُ الله : تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ - وَرُبَّمَا قَالَ : الْقُرْآنَ ؛ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهِ. قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ . ( 791 ) [666] - وعَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ! لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا . ( 112 ) ومن باب : الأمر بتعاهد القرآن قوله - صلى الله عليه وسلم - : بئسما لأحدكم أن يقول : نسيت آية كيت وكيت : بئسما هي بئس التي للذم أخت نعم التي هي للمدح ، وهما فعلان غير منصرفين يرفعان الفاعل ظاهرًا ، أو مضمرًا ؛ إلا أنه إن كان ظاهرًا لم تكن في الأمر العام إلا بالألف واللام للجنس ، أو مضافًا إلى ما هما فيه حتى يشتمل على الممدوح بهما والمذموم ، ولا بدّ من ذكر الممدوح والمذموم تعيينًا ؛ كقولك : نعم الرجل زيد ، وبئس الرجل عمرو . فإن كان فاعلهما مضمرًا ، فلا بدّ من ذكرِ اسمِ نكرةٍ ، ينصب على التمييز لذلك المضمر ، كقولك : نعم رجلا زيد . وقد يكون هذا التفسير : ما ، كما في الحديث ، وكما في قوله تعالى : فَنِعِمَّا هِيَ وقد يجمع بين الفاعل الظاهر وبين المفسر ؛ فيقال : تزود مثل زاد أبيك [ فينا فنعم الزاد زاد أبيك ] زادًا والاسم الممدوح أو المذموم مرفوع بالابتداء ، وخبره الجملة المتقدمة ، من نعم وفاعلها ، وقيل : على الخبر ، وإضمار المبتدأ . واختلف العلماء في متعلق هذا الذم ، فقال بعضهم : هو على نسبة الإنسان لنفسه النسيان ؛ إذ لا صنع له فيه ، فالذي ينبغي له أن يقول : أُنسيت ، مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله ، وهذا ليس بشيء ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد نسب النسيان لنفسه ، وقد نسبه الله إليه ، في قوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني . وقيل : كان هذا الذم خاصًّا بزمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه كان من ضروب النسخ نسيان الآية ، كما قال تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ ؛ أن ينسيكه ؛ كما قرأت الجماعة : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا بضم النون ، وترك الهمز ؛ أي : نُنْسِكَها ، فلما كان هذا ؛ فكأنه نهى عن ذلك القول ؛ لئلا يتوهم في كثير من محكم القرآن ، أنه قد ضاع بكثرة الناسين ، وفيه بُعد . وقيل قول ثالث ؛ وهو أولاها : إن نسيان القرآن إنما يكون لترك تعاهده ، وللغفلة عنه ، كما أن حفظه إنما يثبت بتكراره ، والصلاة به ؛ كما قال في حديث ابن عمر : إذا قام صاحب القرآن يقرؤه بالليل والنهار ذكره ، وإن لم يقم به نسيه . فإذا قال الإنسان : نسيت آية كيت فقد شهد على نفسه بالتفريط وترك معاهدته له ، وهو ذنب عظيم ؛ كما قال في حديث أنس الذي خرّجه الترمذي مرفوعًا : عرضت عليَّ أعمال أمتي ، فلم أر ذنبًا أعظم من سورةٍ من القرآن ، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها . وهو نصٌ ، وعلى هذا فمتعلَّق الذم ترك ما أُمر به من استذكار القرآن وتعاهده ، والنسيان علامة ترك ذلك ، فعلق الذم عليه . ولا يقال : حفظ جميع القرآن ليس واجبًا على الأعيان ، فكيف يذم من تغافل عن حفظه ؟! لأنا نقول : من جمع القرآن فقد علت رتبته ومرتبته ، وشرف في نفسه وقومه شرفًا عظيمًا ، وكيف لا يكون ذلك ، ومن حفظ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين كتفيه ؟! وقد صار ممن يقال فيه : هو من أهل الله وخاصته ، وإذا كان كذلك فمن المناسب تغليظ العقوبة على من أخل بمرتبته الدينية ، ومؤاخذته بما لا يؤاخذ به غيره ، كما قال تعالى : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ؛ لا سيما إذا كان ذلك الذنب مما يحبط تلك المنزلة ويسقطها ؛ كترك معاهدة القرآن المؤدي به إلى الرجوع إلى الجهالة . ويدل على صحة هذا التأويل : قوله في آخر الحديث : بل هو نُسِّي . وهذا اللفظ رويناه مشدَّدًا مبنيًّا لما لم يسم فاعله ، وقد سمعناه من بعض من لقيناه بالتخفيف ، وبه ضُبِط عن أبي بحر ، والتشديد لغيره ، ولكل منهما وجهٌ صحيح . فعلى التشديد يكون معناه : أنه عوقب بتكثير النسيان عليه ؛ لما تمادى في التفريط . وعلى التخفيف فيكون معناه : تَركه غير مُلْتَفَتٍ إليه ، ولا مُعْتَنىً به ، ولا مرحوم ؛ كما قال الله تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ؛ أي : تركهم في العذاب ، أو تركهم من الرحمة . وقوله : كيت وكيت : كلمة يعبَّر بها عن الجمل الكثيرة ، والحديث من الأمر الطويل ، ومثلها : ذيت وذيت . قال ثعلب : كان من الأمر كيت وكيت ، وكان من فلان ذيت وذيت ، فكيت : كناية عن الأفعال ، وذيت : إخبار عن الأسماء . والتَّفَصِّي : التَّفَلُّت والانفصال ، يقال : تفصّى فلان عن كذا ؛ أي : انفصل عنه . والنَّعَم : الإبل ، ولا واحد له من لفظه . والعُقُل : جمع عقال ، وهو ما تعقل به الناقة . وقوله : من عقله من : على أصل ما يقتضيه اللفظ من أصل التعدِّي ، فأما رواية مَن رواه : بعقلها ، وفي عقلها ؛ ومن عقلها فعلى أن تكون الباء والفاء بمعنى : من ، أو يكون معناهما : المصاحبة والظرفية ، ويعني به : تشبيه من يتفلت منه بعض القرآن بالناقة التي انفلتت من عقالها ، وبقي متعلِّقًا بها . والله أعلم . وصاحب القرآن : هو الحافظ له ، المشتغل به ، الملازم لتلاوته ، ولفظ الصحبة مستعمل في أصل اللغة على إلف الشيء وملازمته ، ومنه : أصحاب الجنة ، وأصحاب النار ، وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - .