7 - كِتَاب الْجُمُعَةِ 1 - 844 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ قَالَا : أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ح ، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ كتاب الجمعة 1 18 بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ يُقَالُ بِضَمِّ الْمِيمِ ، وَإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا ، حَكَاهُنَّ الْفَرَّاءُ وَالْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَوَجَّهُوا الْفَتْحَ بِأَنَّهَا تَجْمَعُ النَّاسَ وَيَكْثُرُونَ فِيهَا ، كَمَا يُقَالُ : هُمَزَةٌ وَلُمَزَةٌ لِكَثْرَةِ الْهَمْزِ وَاللَّمْزِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، سُمِّيَتْ جُمُعَةً لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا ، وَكَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمَّى الْعَرُوبَةَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ) وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ مَعْنَاهَا مَنْ أَرَادَ الْمَجِيءَ فَلْيَغْتَسِلْ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَعْدَهُ : ( غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ) وَالْمُرَادُ بِالْمُحْتَلِمِ الْبَالِغُ . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ( لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ ، فَحُكِيَ وُجُوبُهُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ حَكَوْهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكٍ ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ . وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ مِنْهَا : حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ وَعُمَرُ يَخْطُبُ وَقَدْ تَرَكَ الْغُسْلَ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ ، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ عُثْمَانَ فَعَلَهُ وَأَقَرَّهُ عُمَرُ وَحَاضِرُو الْجُمُعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَهُ وَلَأَلْزَمُوهُ ، وَمِنْهَا : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ حَدِيثٌ حَسَنٌ فِي السُّنَنِ مَشْهُورٌ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَمِنْهَا : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لَكَانَ أَفْضَلَ وَأَكْمَلَ ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْعِبَادَاتِ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَمْرِ بِهِ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ) أَيْ مُتَأَكِّدٌ فِي حَقِّهِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ : حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ أَيْ مُتَأَكِّدٌ ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ الْوَاجِبُ الْمُحَتَّمُ الْمُعَاقَبُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمِنْبَرِ لِلْخُطْبَةِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلْيَكُنْ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ ؛ لِيَبْلُغَ صَوْتُهُ جَمِيعَهُمْ ، وَلْيَنْفَرِدَ فَيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ . وَفِيهِ أَنَّ الْخَطِيبَ يَكُونُ قَائِمًا . وَسُمِّيَ مِنْبَرًا لِارْتِفَاعِهِ ، مِنَ النَّبْرِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ . قَوْلُهُ : ( أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ) ؟ قَالَهُ تَوْبِيخًا لَهُ وَإِنْكَارًا لِتَأَخُّرِهِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ . فِيهِ : تَفَقُّدُ الْإِمَامِ رَعِيَّتَهُ وَأَمْرُهُمْ بِمَصَالِحِ دِينِهِمْ ، وَالْإِنْكَارُ عَلَى مُخَالِفِ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرَ الْقَدْرِ ، وَفِيهِ : جَوَازُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْكِبَارِ فِي مَجْمَعٍ مِنَ النَّاسِ ، وَفِيهِ : جَوَازُ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ . قَوْلُهُ : ( شُغِلْتُ الْيَوْمَ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ ) فِيهِ : الِاعْتِذَارُ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهِمْ . وَفِيهِ : إِبَاحَةُ الشُّغْلِ وَالتَّصَرُّفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ النِّدَاءِ . وَفِيهِ : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ الْغُسْلَ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ، فَرَأَى اشْتِغَالَهُ بِقَصْدِ الْجُمُعَةِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَجْلِسَ لِلْغُسْلِ بَعْدَ النِّدَاءِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْهُ عُمَرُ بِالرُّجُوعِ لِلْغُسْلِ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ النِّدَاءَ ) هُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ . قَوْلُهُ : ( وَالْوُضُوءَ أَيْضًا ) هُوَ مَنْصُوبٌ أَيْ وَتَوَضَّأْتُ الْوُضُوءَ فَقَطْ ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ · ص 445 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب فضل الغسل للجمعة وتأكيده · ص 477 ( 4 ) كتاب الجمعة ( 1 ) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده ، ومن اقتصر على الوضوء أجزأه ( 844 ) [712] - عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ . ( 4 ) كتاب الجمعة ( 1 ) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم : ظاهر في وجوب غسل الجمعة ، وبه قال أهل الظاهر ، وحكي عن بعض الصحابة ، وعن الحسن ، وحكاه الخطابي عن مالك ، ومعروف مذهبه وصحيحه : أنه سنة ، وهو مذهب عامة أئمة الفتوى ، وحملوا تلك الأحاديث على أنه واجب وجوب السنن المؤكدة ، ودلّهم على ذلك أمور : أحدها : قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة : من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى الجمعة ، فاستمع وأنصت ؛ غفر له ، فذكر فيه الوضوء ، واقتصر عليه دون الغسل ، ورتَّب الصِّحة والثواب عليه . فدلَّ على أن الوضوء كافٍ من غير غُسل ، وأن الغسل ليس بواجب . وثانيها : قوله - صلى الله عليه وسلم - لهم حين وَجد منهم الريح الكريهة : لو اغتسلتم ليومكم هذا ؟! . وهذا عرضٌ وتحضيضٌ ، وإرشادٌ للنظافة المستحسنة ، ولا يقال مثل ذلك اللفظ في الواجب . وثالثها : تقرير عمر والصحابة لعثمان - رضي الله عنهم - على صلاة الجمعة بالوضوء من غير غسل ، ولم يأمروه بالخروج ، ولم ينكروا عليه ، فصار ذلك كالإجماع منهم على أن الغسل ليس بشرط في صحة الجمعة ، ولا واجب . ورابعها : ما يقطع مادة النزاع ، ويحسم كل إشكال : حديث الحسن ، عن سَمُرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل ، وهذا نصٌ في موضع الخلاف ؛ غير أن سماع الحسن من سمرة مختلف فيه ، وقد صح عنه أنه سمع منه حديث العقيقة ، فيحمل حديثه عنه على السماع إلى أن يدلّ دليلٌ على غير ذلك . والله تعالى أعلم . وخامسها : أنه - عليه الصلاة والسلام - قد قال : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ، وسواك ، ويمسُّ من الطيب ما قدر عليه . وظاهر هذا وجوب السواك والطيب ، وليس كذلك بالاتفاق ، يدلّ على أن قوله : واجب . ليس على ظاهره ، بل المراد به ندب المؤكَّد ؛ إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في لفظ الواو والله تعالى أعلم . وقول عمر : ما بال رجال يتأخرون بعد النداء : إنكار منه على عثمان تأخره عن وقت وجوب السعي ، ثم عذر عثمان حين اعتذر بقوله : ما زدت على أن توضأت ؛ يعني : أنه ذَهَل عن الوقت ، ثم تذكره ، فإذا به قد ضاق عن الغسل ، وكان ذهوله ذلك لعذر مُسوِّغ . وقول عمر - رضي الله عنه - : والوضوء أيضًا ؟! : إنكار آخر على ترك السنة المؤكدة التي هي الغسل على جهة التغليظ ، حتى لا يتهاون بالسنن ، لا أنه كان يعتقد الغسل واجبًا ، ويجوز في الوضوء النصب والرفع ، فالرفع على أنه مبتدأ ، وخبره محذوف ، تقديره : الوضوءُ تقتصر عليه ، والنصب على أنه مفعول بإضمار فعل تقديره : أتخصّ الوضوءَ دون الغسل ؟! أو ما في معنى ذلك ، والواو عِوَضٌ من همزة الاستفهام ؛ كما قال تعالى : ( قال فرعون وآمنتم به ) في قراءة ابن كثير .