16 - 892 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قَالَتْ : وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا . وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَأَبُو كُرَيْبٍ ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَفِيهِ جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ . قَوْلُهَا : ( وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قَالَتْ : وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ ) أَمَّا بُعَاثُ فَبِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَتَرْكُ صَرْفِهِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ ، وَهُوَ يَوْمٌ جَرَتْ فِيهِ بَيْنَ قَبِيلَتَيِ الْأَنْصَارِ : الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَرْبٌ ، وَكَانَ الظُّهُورُ فِيهِ لِلْأَوْسِ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ : هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْمَشْهُورُ الْمُهْمَلَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ . وَقَوْلُهَا : وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ مَعْنَاهُ : لَيْسَ الْغِنَاءُ عَادَةً لَهُمَا ، وَلَا هُمَا مَعْرُوفَتَانِ بِهِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْغِنَاءِ فَأَبَاحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَحَرَّمَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَرَاهَتُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَجَابَ الْآخَرُونَ بِأَنَّ هَذَا الْغِنَاءَ إِنَّمَا كَانَ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْقَتْلِ وَالْحِذْقِ فِي الْقِتَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْغِنَاءِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَا يَهِيجُ النُّفُوسَ عَلَى الشَّرِّ ، وَيَحْمِلُهَا عَلَى الْبَطَالَةِ وَالْقَبِيحِ . قَالَ الْقَاضِي : إِنَّمَا كَانَ غِنَاؤُهُمَا بِمَا هُوَ مِنْ أَشْعَارِ الْحَرْبِ وَالْمُفَاخَرَةِ بِالشَّجَاعَةِ وَالظُّهُورِ وَالْغَلَبَةِ ، وَهَذَا لَا يُهَيِّجُ الْجَوَارِيَ عَلَى شَرٍّ وَلَا إِنْشَادُهُمَا لِذَلِكَ مِنَ الْغِنَاءِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِنْشَادِ ، وَلِهَذَا قَالَتْ : وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ أَيْ لَيْسَتَا مِمَّنْ يَتَغَنَّى بِعَادَةِ الْمُغَنِّيَاتِ مِنَ التَّشْوِيقِ وَالْهَوَى وَالتَّعْرِيضِ بِالْفَوَاحِشِ وَالتَّشْبِيبِ بِأَهْلِ الْجَمَالِ وَمَا يُحَرِّكُ النُّفُوسَ وَيَبْعَثُ الْهَوَى وَالْغَزْلَ كَمَا قِيلَ : ( الْغِنَا فِيهِ الزِّنَا ) وَلَيْسَتَا أَيْضًا مِمَّنِ اشْتُهِرَ وَعُرِفَ بِإِحْسَانِ الْغِنَاءِ الَّذِي فِيهِ تَمْطِيطٌ وَتَكْسِيرٌ وَعَمَلٌ يُحَرِّكُ السَّاكِنَ وَيَبْعَثُ الْكَامِنَ ، وَلَا مِمَّنِ اتَّخَذَ ذَلِكَ صَنْعَةً وَكَسْبًا ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْإِنْشَادَ غِنَاءً ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْغِنَاءِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ ، وَقَدِ اسْتَجَازَتِ الصَّحَابَةُ غِنَاءَ الْعَرَبِ الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ الْإِنْشَادِ وَالتَّرَنُّمِ ، وَأَجَازُوا الْحُدَاءَ وَفَعَلُوهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي هَذَا كُلِّهُ إِبَاحَةُ مِثْلَ هَذَا ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا وَمِثْلُهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا يَخْرُجُ الشَّاهِدُ . قَوْلُهُ : ( أَبِمُزْمُورِ الشَّيْطَانِ ؟ ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا ، وَالضَّمُّ أَشْهَرُ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي غَيْرَهُ . وَيُقَالُ أَيْضًا : مِزْمَارٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَأَصْلُهُ صَوْتٌ بِصَفِيرٍ ، وَالزِّمِّيرُ الصَّوْتُ الْحَسَنُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْغِنَاءِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( أَبِمُزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِيهِ أَنَّ مَوَاضِعَ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْفَضْلِ تُنَزَّهُ عَنِ الْهَوَى وَاللَّغْوِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِثْمٌ . وَفِيهِ أَنَّ التَّابِعَ لِلْكَبِيرِ إِذَا رَأَى بِحَضْرَتِهِ مَا يَسْتَنْكِرُ أَوْ لَا يَلِيقُ بِمَجْلِسِ الْكَبِيرِ يُنْكِرُهُ وَلَا يَكُونُ بِهَذَا افْتِيَاتًا عَلَى الْكَبِيرِ ، بَلْ هُوَ أَدَبٌ وَرِعَايَةُ حُرْمَةٍ وَإِجْلَالٌ لِلْكَبِيرِ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَصِيَانَةٌ لِمَجْلِسِهِ ، وَإِنَّمَا سَكَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُنَّ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُنَّ وَتَسَجَّى بِثَوْبِهِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِعْرَاضًا عَنِ اللَّهْوِ ، وَلِئَلَّا يَسْتَحْيَيْنَ فَيَقْطَعْنَ مَا هُوَ مُبَاحٌ لَهُنَّ ، وَكَانَ هَذَا مِنْ رَأْفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحِلْمِهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ . قَوْلُهُ : ( جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ ) هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا وَالضَّمُّ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ فَفِيهِ مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذَا عِيدُنَا ) أَنَّ ضَرْبَ دُفِّ الْعَرَبِ مُبَاحٌ فِي يَوْمِ السُّرُورِ الظَّاهِرِ ، وَهُوَ الْعِيدُ وَالْعُرْسُ وَالْخِتَانُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ · ص 487 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الفرح واللعب في أيام الأعياد · ص 533 ( 6 ) باب الفرح واللعب في أيام الأعياد ( 892 ) ( 16 و 17 و 18 ) [761] - عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ . قَالَتْ : وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَبِمزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَا أَبَا بَكْرٍ ! إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا ، وَهَذَا عِيدُنَا . وَفِي رِوَايَةٍ : تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ . وَفِي أُخْرَى : وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسَجًّى بِثَوْبِهِ . فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْهُ ، فَقَالَ : دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ . وَقَالَتْ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ، وَأَنَا جَارِيَةٌ ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ . وفي أخرى : الحَرِيصَةِ عَلَى اللهوِ . وَفِي أُخْرَى : يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ في مَسْجِدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 6 ) ومن باب : الفرح واللعب في أيام الأعياد قول عائشة : وعندي جاريتان من جواري الأنصار : الجارية في النساء كالغلام في الرجال ، وهما يقالان على من دون البلوغ منهما ؛ ولذلك قالت عائشة عن نفسها : فاقدروا قدر الجارية العَرِبة ؛ أي : الصغيرة ، والعَرِبة : المحبّبة إلى زوجها ، وقيل : الغَنِجة ، وقيل : المشتهية للَّعب ؛ كما قال في الرواية الأخرى : الحريصة على اللهو بدل : العَرِبة . وقولها : تغنيان ؛ أي : ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب ، وهو المسمَّى عندهم بالنصب ، وهو إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط ، وهو يجري مجرى الحداء . وقولها : بما تقاولت الأنصار يوم بعاث : هو بالباء المعجمة بواحدة من أسفل ، والعين المهملة ، هكذا رويناه وهو المعروف ، وقاله أبو عبيد : بالغين المعجمة ، وكان يومًا من أيام الحروب المعروفة بين الأوس والخزرج ، كان الظهور فيه للأوس على الخزرج . وقولها : وليستا بمغنيتين ؛ أي : ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك ، وهذا منها تحرّز من الغناء المعتاد عند المشتهرين به ، الذي يُحرِّك النفوس ، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون ؛ الذي يحرِّك الساكن ويبعث الكامن . وهذا النوع إذا كان في شعرٍ يشبّب فيه بذكر النساء ، ووصف محاسنهن ، وذكر الخمور والمحرمات ؛ لا يختلف في تحريمه ؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق ، فأما ما يسلم من تلك المحرمات ، فيجوز القليل منه ، وفي أوقات الفرح ؛ كالعرس والعيد ، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، ويدل على جواز هذا النوع هذا الحديث وما في معناه ، على ما يأتي في أبوابه ؛ مثل ما جاء في الوليمة ، وفي حفر الخندق ، وفي حدو الحبشة ، وسلمة بن الأكوع . فأما ما أبدعه الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة ؛ فمن قبيل ما لا يُختلف في تحريمه ، لكن النفوس الشهوانية والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن ينُسِب إلى الخير وشُهر بذكره ، حتى عموا عن تحريم ذلك وعن فحشه ؛ حتى قد ظهرت من كثير منهم عوارات الْمُجَّان والمخانيث ، والصبيان ، فيرقصون ويزفنون بحركات مطابقة ، وتقطيعات متلاحقة ؛ كما يفعل أهل السَّفَه والمجون ، وقد انتهى التواقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا : إن تلك الأمور من أبواب القرب وصالحات الأعمال ، وأن ذلك يُثمر صفاء القلوب وسنِيَّات الأحوال ، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة ، وقول أهل البطالة والْمَخْرَقَة ، نعوذ بالله من البدع والفتن ، ونسأله التوبة والمشي على السنن . وقول أبي بكر : أبمزمور الشيطان ؟ : إنكار منه لما سمع ، مستصحبًا لما كان مقررا عنده من تحريم اللهو والغناء جملة ؛ حتى ظن أن هذا من قبيل ما يُنكر ، فبادر إلى ذلك ، قيامًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك على ما ظهر له ، وكأنه ما كان تبيَّن له أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قررهن على ذلك بعد ، وعند ذلك قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : دعهما ، ثم علل الإباحة : بأنه يوم عيد ؛ يعني أنه يوم سرور وفرح شرعي ، فلا ينكر فيه مثل هذا . والمزمور : الصوت ، ونسبته إلى الشيطان ؛ ذمٌّ على ما ظهر لأبي بكر . قال الإمام : فأما الغناء بآلة مُطربةٍ فيُمنع ، وبغير آلة اختلف الناس فيه ، فمنعه أبو حنيفة ، وكرهه الشافعي ومالك ، وحكى أصحابُ الشافعي عن مالك : أن مذهبه الإجازة من غير كراهة . قال القاضي : المعروف من مذهب مالك المنع لا الإجازة . قلت : ذكر الأئمة هذا الخلاف هكذا مطلقًا ، ولم يفصلوا موضعه ، والتفصيل الذي ذكرناه لا بد من اعتباره ، وبما ذكرناه يجتمع شمل مقصود الشرع الكلي ومضمون الأحاديث الواردة في ذلك ، وينبغي أن يُستثنى من الآلات التي ذكر الإمام : الدّفّ ، فإنه قد جاء ذكره في هذا الحديث ، وفي حديث العرس . وتسجية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهه بثوبه ؛ إعراض عنهما . وقالت في الحديث الآخر : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على الفراش مضطجعًا ، وإنه حوّل وجهه عند غِناء الجاريتين ، وكأنه أعرض عن ذلك الغناء ؛ لأنه من قبيل اللغو الذي يعرض عنه . وأما لعب الحبشة في المسجد فكان لعبًا بالحراب والدَّرَق تواثُبًا ورقصًا بهما ، وهو من باب التدريب على الحرب والتمرين والتنشيط عليه ، وهو من قبيل المندوب ؛ ولذلك أباحه النبى - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، وفيه دليل على جواز نظر النساء إلى الأجانب من الرجال على مثل هذه الحال التي قد أُمنت المفاسد والفتن فيها . وإنكار عمر عليهم تمسك منه بالصورة الظاهرة ؛ كما قلنا في حق أبي بكر - رضي الله عنهما - ، وفيه أبواب من الفقه لا تخفى .