18 - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ . 19 - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ : مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : دَعْهُمَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا ، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِمَّا قَالَ : تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ : دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ : حَسْبُكِ قُلْتُ : نَعَمْ قَالَ : فَاذْهَبِي قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ، وَيُقَالُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا ، وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ ، وَهُوَ لَقَبٌ لِلْحَبَشَةِ ، وَلَفْظَةُ دُونَكُمْ مِنْ أَلْفَاظِ الْإِغْرَاءِ وَحَذَفَ الْمُغْرَى بِهِ ، تَقْدِيرُهُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا اللَّعِبِ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : وَشَأْنُهَا أَنْ يَتَقَدَّمَ الِاسْمُ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ جَاءَ تَأْخِيرُهَا شَاذًّا كَقَوْلِهِ يَا أَيُّهَا الْمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَسْبُكِ ) هُوَ اسْتِفْهَامٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهَا ( قُلْتُ : نَعَمْ ) تَقْدِيرُهُ : حَسْبُكِ أَيْ هَلْ يَكْفِيكِ هَذَا الْقَدْرُ ؟
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ · ص 490 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الفرح واللعب في أيام الأعياد · ص 533 ( 6 ) باب الفرح واللعب في أيام الأعياد ( 892 ) ( 16 و 17 و 18 ) [761] - عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ . قَالَتْ : وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَبِمزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : يَا أَبَا بَكْرٍ ! إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا ، وَهَذَا عِيدُنَا . وَفِي رِوَايَةٍ : تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ . وَفِي أُخْرَى : وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسَجًّى بِثَوْبِهِ . فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْهُ ، فَقَالَ : دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ . وَقَالَتْ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ، وَأَنَا جَارِيَةٌ ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ . وفي أخرى : الحَرِيصَةِ عَلَى اللهوِ . وَفِي أُخْرَى : يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ في مَسْجِدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 6 ) ومن باب : الفرح واللعب في أيام الأعياد قول عائشة : وعندي جاريتان من جواري الأنصار : الجارية في النساء كالغلام في الرجال ، وهما يقالان على من دون البلوغ منهما ؛ ولذلك قالت عائشة عن نفسها : فاقدروا قدر الجارية العَرِبة ؛ أي : الصغيرة ، والعَرِبة : المحبّبة إلى زوجها ، وقيل : الغَنِجة ، وقيل : المشتهية للَّعب ؛ كما قال في الرواية الأخرى : الحريصة على اللهو بدل : العَرِبة . وقولها : تغنيان ؛ أي : ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب ، وهو المسمَّى عندهم بالنصب ، وهو إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط ، وهو يجري مجرى الحداء . وقولها : بما تقاولت الأنصار يوم بعاث : هو بالباء المعجمة بواحدة من أسفل ، والعين المهملة ، هكذا رويناه وهو المعروف ، وقاله أبو عبيد : بالغين المعجمة ، وكان يومًا من أيام الحروب المعروفة بين الأوس والخزرج ، كان الظهور فيه للأوس على الخزرج . وقولها : وليستا بمغنيتين ؛ أي : ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك ، وهذا منها تحرّز من الغناء المعتاد عند المشتهرين به ، الذي يُحرِّك النفوس ، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون ؛ الذي يحرِّك الساكن ويبعث الكامن . وهذا النوع إذا كان في شعرٍ يشبّب فيه بذكر النساء ، ووصف محاسنهن ، وذكر الخمور والمحرمات ؛ لا يختلف في تحريمه ؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق ، فأما ما يسلم من تلك المحرمات ، فيجوز القليل منه ، وفي أوقات الفرح ؛ كالعرس والعيد ، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، ويدل على جواز هذا النوع هذا الحديث وما في معناه ، على ما يأتي في أبوابه ؛ مثل ما جاء في الوليمة ، وفي حفر الخندق ، وفي حدو الحبشة ، وسلمة بن الأكوع . فأما ما أبدعه الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة ؛ فمن قبيل ما لا يُختلف في تحريمه ، لكن النفوس الشهوانية والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن ينُسِب إلى الخير وشُهر بذكره ، حتى عموا عن تحريم ذلك وعن فحشه ؛ حتى قد ظهرت من كثير منهم عوارات الْمُجَّان والمخانيث ، والصبيان ، فيرقصون ويزفنون بحركات مطابقة ، وتقطيعات متلاحقة ؛ كما يفعل أهل السَّفَه والمجون ، وقد انتهى التواقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا : إن تلك الأمور من أبواب القرب وصالحات الأعمال ، وأن ذلك يُثمر صفاء القلوب وسنِيَّات الأحوال ، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة ، وقول أهل البطالة والْمَخْرَقَة ، نعوذ بالله من البدع والفتن ، ونسأله التوبة والمشي على السنن . وقول أبي بكر : أبمزمور الشيطان ؟ : إنكار منه لما سمع ، مستصحبًا لما كان مقررا عنده من تحريم اللهو والغناء جملة ؛ حتى ظن أن هذا من قبيل ما يُنكر ، فبادر إلى ذلك ، قيامًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك على ما ظهر له ، وكأنه ما كان تبيَّن له أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قررهن على ذلك بعد ، وعند ذلك قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : دعهما ، ثم علل الإباحة : بأنه يوم عيد ؛ يعني أنه يوم سرور وفرح شرعي ، فلا ينكر فيه مثل هذا . والمزمور : الصوت ، ونسبته إلى الشيطان ؛ ذمٌّ على ما ظهر لأبي بكر . قال الإمام : فأما الغناء بآلة مُطربةٍ فيُمنع ، وبغير آلة اختلف الناس فيه ، فمنعه أبو حنيفة ، وكرهه الشافعي ومالك ، وحكى أصحابُ الشافعي عن مالك : أن مذهبه الإجازة من غير كراهة . قال القاضي : المعروف من مذهب مالك المنع لا الإجازة . قلت : ذكر الأئمة هذا الخلاف هكذا مطلقًا ، ولم يفصلوا موضعه ، والتفصيل الذي ذكرناه لا بد من اعتباره ، وبما ذكرناه يجتمع شمل مقصود الشرع الكلي ومضمون الأحاديث الواردة في ذلك ، وينبغي أن يُستثنى من الآلات التي ذكر الإمام : الدّفّ ، فإنه قد جاء ذكره في هذا الحديث ، وفي حديث العرس . وتسجية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهه بثوبه ؛ إعراض عنهما . وقالت في الحديث الآخر : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على الفراش مضطجعًا ، وإنه حوّل وجهه عند غِناء الجاريتين ، وكأنه أعرض عن ذلك الغناء ؛ لأنه من قبيل اللغو الذي يعرض عنه . وأما لعب الحبشة في المسجد فكان لعبًا بالحراب والدَّرَق تواثُبًا ورقصًا بهما ، وهو من باب التدريب على الحرب والتمرين والتنشيط عليه ، وهو من قبيل المندوب ؛ ولذلك أباحه النبى - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، وفيه دليل على جواز نظر النساء إلى الأجانب من الرجال على مثل هذه الحال التي قد أُمنت المفاسد والفتن فيها . وإنكار عمر عليهم تمسك منه بالصورة الظاهرة ؛ كما قلنا في حق أبي بكر - رضي الله عنهما - ، وفيه أبواب من الفقه لا تخفى .
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الفرح واللعب في أيام الأعياد · ص 536 ( 892 19 ) [762] وعنها قَالَتْ : كَانَ يَوْمَ عِيدٍ ، يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِمَّا قَالَ : تَشْتَهِينَ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ : دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ ، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ : حَسْبُكِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَاذْهَبِي . وقوله : دونكم يا بني أرفِدة : دونكم : منصوب على الظرف ؛ بمعنى الإغراء ، والمغرى به محذوف ؛ دلّت الحالة عليه ؛ وهو لعبهم بالحراب ، فكأنه قال : دونكم اللعب ، والعرب تغري بـ : عليك ودونك وعندك . وأرفدة : - بكسر الفاء - : هي روايتنا ، وقيل عن أبي بحر : أرفَدة - بفتح الفاء - ، وهو لقب للحبشة . وقوله : حسبك : معناه يكفيك ، وهو محذوف همزة الاستفهام .