16 - 927 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ بِشْرٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ حَفْصَةَ بَكَتْ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ : مَهْلًا يَا بُنَيَّةُ أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ ( بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ ( بِبُكَاءِ الْحَيِّ ) وَفِي رِوَايَةٍ ( يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ ( مَنْ يَبْكِ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ ) وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ وَنَسَبَتْهَا إِلَى النِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِمَا ، وَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ولا تزر وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالَتْ : وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَهُودِيَّةٍ أَنَّهَا تُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا يَعْنِي تُعَذَّبُ بِكُفْرِهَا فِي حَالِ بُكَاءِ أَهْلِهَا لَا بِسَبَبِ الْبُكَاءِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَتَأَوَّلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ وَيُنَاحَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَنُفِّذَتْ وَصِيَّتُهُ ، فَهَذَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَنَوْحِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ وَمَنْسُوبٌ إِلَيْهِ . قَالُوا فَأَمَّا مَنْ بَكَى عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَنَاحُوا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْهُ فَلَا يُعَذَّبُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالُوا : وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ : إِذَا مِتُّ فَانْعِتنِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ قَالُوا : فَخَرَجَ الْحَدِيثُ مُطْلَقًا حَمْلًا عَلَى مَا كَانَ مُعْتَادًا لَهُمْ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَوْصَى بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ أَوْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِمَا . فَمَنْ أَوْصَى بِهِمَا أَوْ أهْمَلَ الْوَصِيَّةَ بِتَرْكِهِمَا يُعَذَّبُ بِهِمَا لِتَفْرِيطِهِ بِإِهْمَالِ الْوَصِيَّةِ بِتَرْكِهِمَا فَأَمَّا مَنْ وَصَّى بِتَرْكِهِمَا فَلَا يُعَذَّبُ بِهِمَا إِذْ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِمَا وَلَا تَفْرِيطَ مِنْهُ . وَحَاصِلُ هَذَا الْقَوْلِ إِيجَابُ الْوَصِيَّةِ بِتَرْكِهِمَا ، وَمَنْ أَهْمَلَهُمَا عُذِّبَ بِهِمَا . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَعْنَى الْأَحَادِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنُوحُونَ عَلَى الْمَيِّتِ وَيَنْدُبُونَهُ بِتَعْدِيدِ شَمَائِلِهِ وَمَحَاسِنِهِ فِي زَعْمِهِمْ ، وَتِلْكَ الشَّمَائِلُ قَبَائِحُ فِي الشَّرْعِ يُعَذَّبُ بِهَا كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ : يَا مُؤَيِّد النِّسْوَانِ ، وَمُؤَتِّمَ الْوِلْدَانِ ، وَمُخَرِّبَ الْعُمْرَانِ ، وَمُفَرِّقَ الْأَخْدَانِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَرَوْنَهُ شَجَاعَةً وَفَخْرًا وَهُوَ حَرَامٌ شَرْعًا . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِسَمَاعِهِ بُكَاءَ أَهْلِهِ وَيَرِقُّ لَهُمْ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَهُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَجَرَ امْرَأَةً عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى أَبِيهَا وَقَالَ : ( إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا بَكَى اسْتَعْبَرَ لَهُ صُوَيْحِبُهُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ لَا تُعَذِّبُوا إِخْوَانَكُمْ ) وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَافِرَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ الذُّنُوبِ يُعَذَّبُ فِي حَالِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ لَا بِبُكَائِهِمْ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْجُمْهُورِ وَأَجْمَعُوا كُلُّهمْ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُكَاءِ هُنَا الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ وَنِيَاحَةٍ لَا مُجَرَّدُ دَمْعِ الْعَيْنِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَلْقِينِ الْمَوْتَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ · ص 526 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما جاء أن الميت ليعذبُ ببكاءِ الحَيِّ عليه · ص 584 ( 932 ) ( 26 ) [797] - وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ : ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ . فَقَالَتْ : وَهِلَ ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ أَوْ بِذَنْبِهِ ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآنَ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ : إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ ، وَقَدْ وَهِلَ ، إِنَّمَا قَالَ : إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ يَقُولُ : حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ . ( 927 ) ( 17 ) [798] وفي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ . ( 932 ) ( 27 ) [799] وَفِي أُخْرَى : فَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَغْفِرُ اللهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ ، وإِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا ، فَقَالَ : إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا . ( 927 ) ( 19 ) [800] - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، فَصِيحَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ . ( 927 ) ( 16 ) [801] وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّ حَفْصَةَ بَكَتْ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ : مَهْلا يَا بُنَيَّةُ ! أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ . ( 933 ) ( 28 ) [802] - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وقولها : وهل أبو عبد الرحمن . قال الهروي : يقال : وهَلَ يَهلُ إلى الشيء : إذا ذهب وهْمُه إليه ، ومنه قول ابن عمر : وَهِلَ أنس ، يريد : غلط ، فأما وَهِلْتُ من كذا ، أَوْهَلُ ، فمعناه : فَزِعتُ منه ، ومنه الحديث : فقمنا وَهِلِين ؛ أي : فزعين . وقال أبو عبيد في المصنف : قال أبو زيد : وَهِلت في الشيء ، ووهِلت عنه ، أَيْهَل ، وهلا : [ أنسيتُ وغلِطْتُ . ووهلتُ إلى الشيء أهِلُ وهلا ] : إذا ذهب وَهَمُك إليه . والقليب : البئر غير المطويّة ، وأمّا إنكار عائشة على ابن عمر سماع أهل القليب ، فمن قبيل ما تقدّم ؛ وذلك أنها أنكرت ما رواه الثقة الحافظ لأجل أنها ظنّت أن ذلك مُعارض بقوله - تعالى - : وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ و : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ولا تعارض بينهما ؛ لوجهين : أحدهما : أن الموتى في الآية إنما يراد بهم الكفار ، فكأنهم موتى في قبورهم ، والسماع يراد به الفهم والإجابة هنا ؛ كما قال - تعالى - : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ وهذا كما سَمّاهم : بصمّ وبُكم وعُمْي ، مع سلامة هذه الحواسّ منهم . وثانيهما : أنا لو سلمنا أن الموتى في الآية على حقيقتهم ؛ فلا تعارُض بينها وبين أن بعض الموتى يسمعون في وقت ما ، أو في حال ما ، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وُجد المخصِّص ، وقد وُجد هنا ؛ بدليل هذا الحديث ، وحديث أبي طلحة الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أهل بدر : والذي نفسي بيده ! ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم . وهو متفق عليه ، وبما في معناه ؛ مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في الميت : إنه ليسمع قرعَ النِّعال . بالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره ، وجوابه لهما ، إلى غير ذلك ما لا يُنكر . فحديث ابن عمر صحيح النقل ، وما تضمنه يقبله العقل ، فلا طريق لتخطئته ، والله تعالى أعلم . وأيضًا فقد رواه عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم . ورواية من روى : إن الميت ليعذب ما نِيح عليه . يشهد لما اخترناه في تأويل الحديث المتقدم . و "ما" هنا ظرفية ، تقديره : مدة النياحة عليه ، وما يعذب بسببه مسكوت عنه هنا ، وهو ما تقدم . والله أعلم . وفي الأم : أن عمر - رضي الله عنه - لما طعن عوّلت عليه حفصة . هكذا صحيح الرواية ، وقد روي : أعْوَلَتْ ، وهما لغتان ، غير أن الثانية أشهر وأفصح ، وكلاهما من العويل ، وهو البكاء ومعه صوت .