30 - 935 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ : لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ قَالَتْ : وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ - شَقِّ الْبَابِ - فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ ، فَذَهَبَ فَأَتَاهُ فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَتْ : فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ ، وَاللَّهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْعَنَاءِ . وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ح ، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ح ، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ . فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْعِيِّ . قَوْلُهَا : ( أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ شَقِّ الْبَابِ ) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ صَائِرِ الْبَابِ شَقِّ ، الباب ، وَشَقُّ الْبَابِ تَفْسِيرٌ لِلصَّائِرِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُقَالُ : ( صَائِرُ ) وَإِنَّمَا يُقَالُ : ( صِيرُ ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ ) هُوَ بِضَمِّ الثَّاءِ وَكَسْرِهَا يُقَالُ : حَثَا يَحْثُو وَحَثَى يَحْثِي ، لُغَتَانِ . وَأَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي إِنْكَارِ الْبُكَاءِ عَلَيْهِنَّ وَمَنْعِهِنَّ مِنْهُ ، ثُمَّ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بُكَاءً بِنَوْحٍ وَصِيَاحٍ وَلِهَذَا تَأَكَّدَ النَّهْيُ ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدَ دَمْعِ الْعَيْنِ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لِأَنَّهُ ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَأَنَّهُ رَحْمَةٌ . وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بُكَاءً مِنْ غَيْرِ نِيَاحَةٍ وَلَا صَوْتٍ . قَالَ : وَيَبْعُدُ أَنَّ الصَّحَابِيَّاتِ يَتَمَادَيْنَ بَعْدَ تَكْرَارِ نَهْيِهِنَّ عَلَى مُحَرَّمٍ وَإِنَّمَا كَانَ بُكَاءً مُجَرَّدًا ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ تَنْزِيهٌ وَأَدَبٌ لَا لِلتَّحْرِيمِ ، فَلِهَذَا أَصْرَرْنَ عَلَيْهِ مُتَأَوِّلَاتٍ . ( أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفكَ وَاللَّهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْعَنَاءِ ) مَعْنَاهُ أَنَّكَ قَاصِرٌ لَا تَقُومُ بِمَا أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الْإِنْكَارِ لِنَقْصِكَ وَتَقْصِيرِكَ ، وَلَا تُخْبِرِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُصُورِكَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يُرْسِلَ غَيْرَكَ وَيَسْتَرِيحَ مِنَ الْعَنَاءِ . وَالْعَنَاءُ بِالْمَدِّ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ . وَقَوْلُهُمْ : أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ أَيْ أَلْصَقَهُ بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِذْلَالِهِ وَإِهَانَتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْعِيِّ ) هَكَذَا هُوَ مُعْظَمِ نُسَخِ بِلَادِنَا هُنَا الْعِيُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ التَّعَبُ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْعَنَاءِ السَّابِقِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى . قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ ( الْغَيُّ ) بِالْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ . قَالَ : وَوَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ ( الْعَنَاءُ ) بِالْمَدِّ وَهُوَ الَّذِي نَسَبَهُ إِلَى الْأَكْثَرِينَ خِلَافَ سِيَاقِ مُسْلِمٍ ، لِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى الْأَوَّلَ الْعَنَاءَ ، ثُمَّ رَوَى الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ ، وَقَالَ : إِنَّهَا بِنَحْوِ الْأُولَى إِلَّا فِي هَذَا اللَّفْظِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ خِلَافَهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَلْقِينِ الْمَوْتَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ · ص 530 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب التشديد في النياحة وما جاء في اتباع الجنائز · ص 588 ( 935 ) [804] - وَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ . قَالَتْ : وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ ( شَقِّ الْبَابِ ) فَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ! إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ ، فَذَهَبَ فَأَتَاهُ ، فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : وَاللهِ ! لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَتْ : فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ . قَالَتْ عَائِشَةُ ، قُلْتُ : أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ وَاللهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْعَنَاءِ . وَفِي رِوَايَةٍ : مِنَ الْعِيِّ . وقولها : من صائر الباب ، قد فسّره في الحديث بشقّ الباب ، وهكذا صحّت روايته . قال الإمام : والصواب : صِيْر الباب - بكسر الصاد - . وفي حديث آخر : من اطلَّع من صِير باب فقد دَمَر ، وهو شَقّ الباب ، ودَمَر : دخل بغير إذن . وكون نساء جعفر لم يُطِعْن الناهي لهنّ عن البكاء ، إمّا لأنه لم يُصرِّح لهن بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاهن ، فظننَّ منه أنه كالمحتسب في ذلك ، وكالمرشد للمصلحة ، أو لأنهن غُلبن في أنفسهن على سماع النهي ؛ لحرارة المصيبة ، والله تعالى أعلم . وقوله : احثُ في أفواههنّ التراب ؛ يدلّ على أنهنّ صرخْن ؛ إذ لو كان بكاءً بالعين فقط ، لما كان لملء أفواههنّ بالتراب معنًى ، وليس أمره - صلى الله عليه وسلم - للرجل بذلك ليفعله بهن على كل حالٍ ، ولكن على طريق أن هذا مما يُسكتهنّ إن فعلنه ، فافعلْه إن أمكنك ، وهو لا يمكنك . وفيه دليل على أن المنهي عن المنكر ، إن لم ينته عوقب وأُدِّب إن أمكن ذلك ، وإلا فالملاطفة فيه أولى إن وقعت . وقول عائشة - رضي الله عنها - للرجل : أرْغَمَ الله أنفك ؛ أي : ألصقه الله بالرغام - وهو التراب - ، دعت عليه ؛ لأنها فهمت أنه أَحْرَجَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكثرة تكراره عليه وإخباره ببكائهن ، ولذلك قالت له : والله ما تفعل ما أمرك به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي : لا تقدر على فعله ، لتعذُّره : وما تركتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العناء . ولم تُرِد الاعتراض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره . ووقع في رواية العذري مكان : من العناء من الغيّ - بالغين المعجمة والياء المشدَّدة ، الذي هو ضد الرشد ، وعند الطبري مثله ، إلا أنه بالمهملة . والأول أليق بالمعنى وأصح ، وكذلك رواه البخاري .