[91] 1031 - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ قَالَ زُهَيْرٌ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ : الْإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ " . وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالَ : وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ . ( 30 ) بَاب فَضْلِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ) قَالَ الْقَاضِي : إِضَافَةُ الظِّلِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةُ مِلْكٍ ، وَكُلُّ ظِلٍّ فَهُوَ لِلَّهِ وَمِلْكِهِ وَخَلْقِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا ظِلُّ الْعَرْشِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مُبَيَّنًا ، وَالْمُرَادُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا قَامَ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَدَنَتْ مِنْهُمُ الشَّمْسُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ حَرُّهَا ، وَأَخَذَهُمُ الْعَرَقُ ، وَلَا ظِلَّ هُنَاكَ لِشَيْءٍ إِلَّا لِلْعَرْشِ ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ هُنَا ظِلُّ الْجَنَّةِ وَهُوَ نَعِيمُهَا وَالْكَوْنُ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ : الْمُرَادُ بِالظِّلِّ هُنَا الْكَرَامَةُ وَالْكَنَفُ وَالْكَفُّ مِنَ الْمَكَارِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ ، قَالَ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظِلَّ الشَّمْسِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَمَا قَالَهُ مَعْلُومٌ فِي اللِّسَانِ ، يُقَالُ : فُلَانٌ فِي ظِلِّ فُلَانٍ أَيْ فِي كَنَفِهِ وَحِمَايَتِهِ ، قَالَ : وَهَذَا أَوْلَى بِالْأَقْوَالِ ، وَتَكُونُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْعَرْشِ ؛ لِأَنَّهُ مَكَانُ التَّقْرِيبِ وَالْكَرَامَةِ ، وَإِلَّا فَالشَّمْسُ وَسَائِرُ الْعَالَمِ تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَفِي ظِلِّهِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِمَامُ الْعَادِلُ ) قَالَ الْقَاضِي : هُوَ كُلُّ مَنْ إِلَيْهِ نَظَرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ ، وَبَدَأَ بِهِ لِكَثْرَةِ مَصَالِحِهِ وَعُمُومِ نَفْعِهِ . وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( الْإِمَامُ الْعَادِلُ ) وَفِي بَعْضِهَا ( الْإِمَامُ الْعَدْلُ ) وَهُمَا صَحِيحَانِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ( نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَالْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ : ( نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَمَعْنَى رِوَايَةِ الْبَاءِ : نَشَأَ مُتَلَبِّسًا لِلْعِبَادَةِ أَوْ مُصَاحِبًا لَهَا أَوْ مُلْتَصِقًا بِهَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا ( فِي الْمَسَاجِدِ ) وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : ( بِالْمَسَاجِدِ ) وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ) وَفِي بَعْضِهَا ( مُتَعَلِّقٌ ) بِالتَّاءِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَمَعْنَاهُ : شَدِيدُ الْحُبِّ لَهَا وَالْمُلَازَمَةِ لِلْجَمَاعَةِ فِيهَا ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ : دَوَامُ الْقُعُودِ فِي الْمَسْجِدِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ) مَعْنَاهُ : اجْتَمَعَا عَلَى حُبِّ اللَّهِ وَافْتَرَقَا عَلَى حُبِّ اللَّهِ ، أَيْ كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِهِمَا حُبَّ اللَّهِ ، وَاسْتَمَرَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَفَرَّقَا مِنْ مَجْلِسِهِمَا وَهُمَا صَادِقَانِ فِي حُبِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ لِلَّهِ تَعَالَى حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا وَافْتِرَاقِهِمَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْحَثُّ عَلَى التَّحَابِّ فِي اللَّهِ وَبَيَانُ عِظَمِ فَضْلِهِ وَهُوَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ ، فَإِنَّ الْحُبَّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضَ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَهُوَ بِحَمْدِ اللَّهِ كَثِيرٌ يُوَفَّقُ لَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ أَوْ مَنْ وُفِّقَ لَهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ) قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : ( أَخَافُ اللَّهَ ) بِاللِّسَانِ ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فِي قَلْبِهِ لِيَزْجُرَ نَفْسَهُ ، وَخَصَّ ذَاتَ الْمَنْصِبِ وَالْجَمَالِ لِكَثْرَةِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَعُسْرِ حُصُولِهَا ، وَهِيَ جَامِعَةٌ لِلْمَنْصِبِ وَالْجَمَالِ لَا سِيَّمَا وَهِيَ دَاعِيَةٌ إِلَى نَفْسِهَا ، طَالِبَةٌ لِذَلِكَ قَدْ أَغْنَتْ عَنْ مَشَاقِّ التَّوَصُّلِ إِلَى مُرَاوَدَةٍ وَنَحْوِهَا ، فَالصَّبْرُ عَنْهَا لِخَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى - وَقَدْ دَعَتْ إِلَى نَفْسِهَا مَعَ جَمْعِهَا الْمَنْصِبَ وَالْجَمَالَ - مِنْ أَكْمَلِ الْمَرَاتِبِ وَأَعْظَمِ الطَّاعَاتِ ، فَرَتَّبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنْ يُظِلَّهُ فِي ظِلِّهِ ، وَذَاتُ الْمَنْصِبِ هِيَ : ذَاتُ الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ الشَّرِيفِ . وَمَعْنَى ( دَعَتْهُ ) أَيْ دَعَتْهُ إِلَى الزِّنَا بِهَا ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَاهُ . وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ احْتِمَالَيْنِ أَصَحَّهُمَا هَذَا ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا دَعَتْهُ لِنِكَاحِهَا فَخَافَ الْعَجْزَ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا أَوْ أَنَّ الْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَغْلَهُ عَنْ لِذَاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ فِي بِلَادِنَا وَغَيْرِهَا ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ رِوَايَاتِ نُسَخِ مُسْلِمٍ ( لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ ) وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ ( حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ) هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي النَّفَقَةِ فِعْلُهَا بِالْيَمِينِ . قَالَ الْقَاضِي : وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْوَهَمُ فِيهَا مِنَ النَّاقِلِينَ عَنْ مُسْلِمٍ لَا مِنْ مُسْلِمٍ بِدَلِيلِ إِدْخَالِهِ بَعْدَهُ حَدِيثَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدٍ ، وَبَيَّنَ الْخِلَافَ فِي قَوْلِهِ : ( وَقَالَ : رَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ ) فَلَوْ كَانَ مَا رَوَاهُ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ مَالِكٍ لَنَبَّهَ عَلَيْهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَى هَذَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ صَدَقَةِ السِّرِّ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَهَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَالسِّرُّ فِيهَا أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَأَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ . وَأَمَّا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ فَإِعْلَانُهَا أَفْضَلُ ، وَهَكَذَا حُكْمُ الصَّلَاةِ فَإِعْلَانُ فَرَائِضِهَا أَفْضَلُ ، وَإِسْرَارُ نَوَافِلِهَا أَفْضَلُ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَذَكَرَ الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ مُبَالَغَةً فِي الْإِخْفَاءِ وَالِاسْتِتَارِ بِالصَّدَقَةِ ، وَضَرَبَ الْمَثَلَ بِهِمَا لِقُرْبِ الْيَمِينِ مِنَ الشِّمَالِ وَمُلَازَمَتِهَا لَهَا ، وَمَعْنَاهُ : لَوْ قَدَّرْتَ الشِّمَالَ رَجُلًا مُتَيَقِّظًا لَمَا عَلِمَ صَدَقَةَ الْيَمِينِ لِمُبَالَغَتِهِ فِي الْإِخْفَاءِ . وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنَ النَّاسِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) فِيهِ فَضِيلَةُ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفَضْلُ طَاعَةِ السِّرِّ لِكَمَالِ الْإِخْلَاصِ فِيهَا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب فَضْلِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ · ص 99 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب من أحصى أُحْصِي عليه والنهي عن احتقار قليل الصدقة وفضل إخفائها · ص 75 1031 [899] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ : الإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللهَ ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) . وقوله : ( سبعة يظلهم الله في ظله ) ؛ أي : في ظل عرشه ، كما جاء في الحديث الآخر ، والمراد يوم القيامة إذا قام الناس في صعيدها ، وقربت الشمس من الرءوس ، وأُديرت النار بأهل الموقــف ، فليس هناك إلا ظل العرش . فأما ظل الصدقة فمن ظل العرش ، والله أعلم . ويحتمل أن يراد بالظلّ هنا : الكَنَف والكرامة والوقاية من المكاره ، كما تقول العرب : أنا في ظل فلان ؛ أي : في صيانته وكرامته وكنفه ، وإلى هذا نحا ابن دينار . و الإمام العادل : هو كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين ، فعدل فيه . وقوله : ( شاب نشأ بعبادة الله ) ؛ كذا الرواية : بعبادة الله - بالباء ، وهذه الباء هي باء المصاحبة ، كما تقول : جاء زيد بسلاحه ؛ أي : مصاحبًا لها ، ويحتمل أن تكون بمعنى الفاء ، كما قد تكون الفاء بمعنى الباء ، في مثل قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ونشأ نبت وابتدأ ؛ أي : لم يكن له صبوة ، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر : ( يعجب ربك من صبيٍّ ليست له صبوةٌ ) ، وإنما كان ذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة . وقوله : ( ورجل قلبه معلّق في المساجد ) ؛ أي : يحب الكون فيها للصلاة والذكر وقراءة القرآن ، وهذا إنما يكون ممن استغرقه حبُّ الصلاة والمحافظة عليها وشُغِف بها . وقوله : ( ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ) ؛ أي : داما على المحبة الصادقة الدِّينية ، المبرأة عن الأغراض الدُّنيوية ، ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما ، ولا حال افتراقهما . وقوله : ( ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله ) ؛ معنى دعته : عرضت نفسها عليه ؛ أي للفاحشة . وقول المدعو في مثل هذا : إني أخاف الله ، وامتناعه لذلك دليلٌ : على عظيم معرفته بالله تعالى ، وشدّة خوفه من عقابه ، ومتين تقواه ، وحيائه من الله تعالى . وهذا هو المقام اليوسفي . وقوله : ( ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها ) هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس وأكثر العلماء . وهو حضٌّ على الإخلاص في الأعمال ، والتستر بها ، ويستوي في ذلك جميع أعمال البر التطوعية . فأما الفرائض فالأولى إشاعتها وإظهارها لتنحفظ قواعد الدين ، ويجتمع الناس على العمل بها ، فلا يضيع منها شيء ، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام ، وتعلم حدوده وأحكامه . والإخلاص واجب في جميع القرب ، والرياء مفسد لها . وقوله : ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) ؛ هذا مبالغة في إخفاء الصدقة . وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك أن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه ، فيدفع له درهمًا مثلاً في شيء يساوي نصف درهم . فالصورة مبايعة ، والحقيقة صدقة ، وهو اعتبار حسن . وقوله : ( ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ) ؛ خاليًا يعني : من الخلق ، ومن الالتفات إلى غير الله . وفيض العين : بكاؤها . وهو على حسب حال الذاكر ، وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى ، فإن انكشف له غضبه ، فبكاؤه عن خوف ، وإن انكشف [له] جماله وجلاله ، فبكاؤه عن محبة وشوق ، وهكذا يتلوَّن الذاكر بتلوُّن ما يذكر من الأسماء والصفات . وهذا الحديث جدير بأن ينعم فيه النظر ، ويستخرج ما فيه من اللطائف والعبر ، والله الموفق الملهم .