[33] 1090 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنْ النَّهَارِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ . ( 8 ) بَاب بَيَانِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّوْمِ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَنَّ لَهُ الْأَكْلَ وَغَيْرَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، وَبَيَانِ صِفَةِ الْفَجْرِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الصَّوْمِ وَدُخُولِ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وهو الفجر الثاني ويسمى الصادق والمستطير ، وأنه لا أثر للفجر الأول في الأحكام وهو الفجر الكاذب المستطيل " باللام " كذنب السرحان وهو الذئب قَوْلُهُ : ( عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَمَّا نَزَلَتْ : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ قَالَ لَهُ عَدِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ ) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ ، وَأَكْثَرِهَا ( فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ ) وَفِي بَعْضِهَا ( قَالَ عَدِيٌّ ) بِحَذْفِ ( لَهُ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَمَنْ أَثْبَتَهَا أَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى مَعْلُومٍ أَوْ مُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ ، وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَوْ كَثِيرٍ مِنْهَا ( إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ ) وَفِي بَعْضِهَا ( إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ ) بِزِيَادَةِ ( تَاءٍ ) وَلَهُ وَجْهٌ أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِ ( عَرِيضٌ ) وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْوِسَادَةِ الْوِسَادُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَعَادَ الْوَصْفُ عَلَى الْمَعْنَى لَا عَلَى اللَّفْظِ . وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ شُرُوحٌ : أَحْسَنُهَا كَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ : إِنَّمَا أَخَذَ الْعَقْلَيْنِ وَجَعَلَهُمَا تَحْتَ رَأْسِهِ ، وَتَأَوَّلَ الْآيَةَ لِكَوْنِهِ سَبَقَ إِلَى فَهْمِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَذَا ، وَكَذَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهُ ، حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى مِنَ الْفَجْرِ فَعَلِمُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا كَانَ حُكْمَ الشَّرْعِ أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : مِنَ الْفَجْرِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ ، وَالدَّاوُدِيُّ . قَالَ الْقَاضِي : وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ فَعَلَهُ وَتَأَوَّلَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِطًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ هُوَ مِنَ الْأَعْرَابِ وَمَنْ لَا فِقْهَ عِنْدَهُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ لُغَتِهِ اسْتِعْمَالُ الْخَيْطِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ ، وَلِهَذَا أَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدِيٍّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ ) قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُشْتَرَكَةَ لَا يُصَارُ إِلَى الْعَمَلِ بِأَظْهَرِ وُجُوهِهَا ، وَأَكْثَرِ اسْتِعْمَالِهَا إِلَّا إِذَا عُدِمَ الْبَيَانُ وَكَانَ الْبَيَانُ حَاصِلًا بِوُجُودِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ : الْفَجْرُ الصَّادِقُ ، وَالْخَيْطُ الْأَسْوَدُ : اللَّيْلُ ، وَالْخَيْطُ : اللَّوْنُ ، وَفِي هَذَا مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الْفَجْرِ هُوَ مِنَ النَّهَارِ لَا مِنَ اللَّيْلِ ، وَلَا فَاصِلَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا مَذْهَبُنَا ، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ ، وَحُكِيَ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ الْأَعْمَشِ وَغَيْرِهِ لَعَلَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُمْ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ ) قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ إِنْ جَعَلْتَ تَحْتَ وِسَادَكَ الْخَيْطَيْنِ الَّذِينَ أَرَادَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَوِسَادُكُ يَعْلُوهُمَا وَيُغَطِّيهِمَا ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَرِيضًا ، وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ( إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا ) لِأَنَّ مَنْ يَكُونُ هَذَا وِسَادَهُ يَكُونُ عِظَمُ قَفَاهُ مَنْ نِسْبَتِهِ بِقَدْرِهِ ، وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( إِنَّكَ لَضَخْمٌ ) وَأَنْكَرَ الْقَاضِي قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَبَاوَةِ أَوْ عَنِ السِّمَنِ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِ إِلَى بَيَانِ الْخَيْطَيْنِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ : الْمُرَادُ بِالْوِسَادِ النَّوْمُ ، أَيْ إِنَّ نَوْمَكَ كَثِيرٌ ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ اللَّيْلَ ، أَيْ مَنْ لَمْ يَكُنِ النَّهَارُ عِنْدَهُ إِلَّا إِذَا بَانَ لَهُ الْعِقَالَانِ طَالَ لَيْلُهُ وَكَثُرَ نَوْمُهُ ، وَالصَّوَابُ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب بَيَانِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّوْمِ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَنَّ لَهُ الْأَكْلَ وَغَيْرَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ · ص 163 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في قوله تعالى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ · ص 147 ( 3 ) باب في قوله تعالى : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ وقوله عليه الصلاة والسلام : " إن بلالا ينادي بليل " . 1090 [959] عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ قَالَ لَهُ عَدِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي جْعَلُت تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عِقَالاً أَبْيَضَ وَعِقَالاً أَسْوَدَ ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنْ النَّهَارِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ " . ( 3 ) ومن باب: قوله تعالى : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ حديث عدي هذا يقتضي : أن قوله تعالى : مِنَ الْفَجْرِ نزل متصلاً بقوله تعالى : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ وأن عدي بن حاتم حمل الخيط على حقيقته ، وفهم من قوله : مِنَ الْفَجْرِ من أجل الفجر . ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود . وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد ، فإن فيه : أن الله لم ينزل مِنَ الْفَجْرِ إلا منفصلاً عن قوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ولما وقع لهم الإشكال حينئذ أنزل الله تعالى : مِنَ الْفَجْرِ رَافِعًا لذلك الإشكال ، وكأن الحديثين واقعتان في وقتين . ويصح الجمع بأن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل ، وأن عديًّا لم يسمع ما جرى في حديث سهل ، وإنما سمع الآية مجردة ، ففهمها على ما قررناه ، فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن الخيط الأبيض كناية عن بياض الفجر ، والخيط الأسود كناية عن سواد الليل ، وأن معنى ذلك أن يفصل أحدهما عن الآخر . وعلى هذا فيكون مِنَ الْفَجْرِ متعلقًا في يَتَبَيَّنَ وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقًا بمحذوف ، وهكذا هو معنى جوابه في حديث سهل ، ويحتمل أن يكون الحديثان قضية واحدة . وذكر بعض الرواة : مِنَ الْفَجْرِ متصلاً بما قبله ، كما ثبت في القرآن وإن كان قد نزل متفرقًا ؛ كما بينه حديث سهل ، والله تعالى أعلم . وقوله : ( إني جعلت تحت وسادتي عقالين ) ؛ إنما جعلهما تحت وساده لاعتنائه بهما ، ولينظر إليهما وهو على فراشه من غير كلفة قيام ولا طلب ، فكان يرفع الوساد إذا أراد أن ينظر إليهما . والعقال : الخيط . سًمِّي بذلك : لأنه يعقل به ؛ أي : يربط به ويحبس . وقوله : ( إن وسادك لعريض ) ؛ حمله بعض الناس على الذمِّ له على ذلك الفهم ، وكأنه فهم منه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - [نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه . وربما عضدوا هذا بما روي : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( إنك لعريض القــفا ) ، وليس الأمر كذلك ؛ فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية ؛ إذ هي الأصل ؛ إذ لم يتبين له دليل التجوز . ومن تمسَّك بهذا الطريق لم يستحق ذمًّا ، ولا ينسب إلى جهل ، وإنما عنى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم : أن وسادك إن غطى الخيطين اللذين أراد الله ، اللذين هما الليل والنهار ، فهو إذًا وساد عريض واسع ؛ إذ قد شملهما وعلاهما ، ألا تراه قد قال على إثر ذلك : ( إنما هو سواد الليل وبياض النهار ) ؛ فكأنه قال : فكيف يدخلان تحت وساد ؟ ! وإلى هذا يرجع قوله : ( إنك لعريض القــفا ) ؛ لأن هذا الوساد الذي قد غطى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه ، ولا يتوسده إلا قــفا عريض ، حتى يناسب عرضُه عرضَه ، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه وأليق . [ويدل أيضًا عليه : ما زاده البخاري قال : ( إن وسادك إذًا لعريض إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك ) ، وقد أكثر الناس فيه .