181 - 1159 - حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَقُولُ : لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ ، وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : آنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ ، وَنَمْ وَقُمْ ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ . قَالَ : قُلْتُ : فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ : صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ . قَالَ : قُلْتُ : فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَام - وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ . قَالَ : قُلْتُ : فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي . ( 35 - بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ تَضَرَّرَ بِهِ أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا أَوْ لَمْ يُفْطِرِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ وَبَيَانِ تَفْضِيلِ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ ) فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ جَمَعَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - طُرُقَهُ فَأَتْقَنَهَا ، وَحَاصِلُ الْحَدِيثِ : بَيَانُ رِفْقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمَّتِهِ ، وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ ، وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ ، وَحَثِّهِمْ عَلَى مَا يُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ ، وَنَهْيِهِمْ عَنِ التَّعَمُّقِ وَالْإِكْثَارِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُخَافُ عَلَيْهِمُ الْمَلَلُ بِسَبَبِهَا أَوْ تَرْكِهَا أَوْ تَرْكِ بَعْضِهَا ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ) ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْبَابِ : ( لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ ) ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ ) ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ - تَعَالَى - قَوْمًا أَكْثَرُوا الْعِبَادَةَ ثُمَّ فَرَّطُوا فِيهَا ، فَقَالَ تَعَالَى : وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ؛ فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى مَنْعِ صِيَامِ الدَّهْرِ نَظَرًا لِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِهِ إِذَا لَمْ يَصُمِ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا وَهِيَ الْعِيدَانِ وَالتَّشْرِيقُ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ : أَنَّ سَرْدَ الصِّيَامِ إِذَا أَفْطَرَ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ بِهِ ضَرَرٌ ، وَلَا يُفَوِّتَ حَقًّا ، فَإِنْ تَضَرَّرَ أَوْ فَوَّتَ حَقًّا فَمَكْرُوهٌ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ . وَلَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَأَقَرَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَرْدِ الصِّيَامِ ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يُقِرَّهُ ، لَا سِيَّمَا فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَسْرُدُ الصِّيَامَ ، وَكَذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ وَعَائِشَةُ وَخَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ ، قَدْ ذَكَرْتُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ ( لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ ) بِأَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِأَنْ يَصُومَ مَعَهُ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ ، وَبِهَذَا أَجَابَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - . وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِهِ أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ خِطَابًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنْهُ أَنَّهُ عَجَزَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَنَدِمَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلِ الرُّخْصَةَ ، قَالُوا : فَنَهْيُ ابْنِ عَمْرٍ كَانَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَعْجَزُ وَأَقَرَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو لِعِلْمِهِ بِقُدْرَتِهِ بِلَا ضَرَرٍ . وَالثَّالِثَ : أَنَّ مَعْنَى ( لَا صَامَ ) : أَنَّهُ لَا يَجِدُ مِنْ مَشَقَّتِهِ مَا يَجِدُهَا غَيْرُهُ ، فَيَكُونُ خَبَرًا لَا دُعَاءً . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ مِنْ حَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ . بِخِلَافِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو . وَأَمَّا نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ كُلِّهِ فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ وغَيْرَ مُخْتَصٍّ بِهِ ، بَلْ قَالَ أَصْحَابُنَا : يُكْرَهُ صَلَاةُ كُلِّ اللَّيْلِ دَائِمًا لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَوْمِ الدَّهْرِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ وَلَا يُفَوِّتُ حَقًّا ، بِأَنَّ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ كُلِّهِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ ، وَتَفْوِيتِ بَعْضِ الْحُقُوقِ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَنَمْ بِالنَّهَارِ فَهُوَ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ ، وَإِنْ نَامَ نَوْمًا يَنْجَبِرُ بِهِ سَهَرُهُ فَوَّتَ بَعْضَ الْحُقُوقِ ، بِخِلَافِ مَنْ يُصَلِّي بَعْضَ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يَسْتَغْنِي بِنَوْمِ بَاقِيهِ ، وَإِنْ نَامَ مَعَهُ شَيْئًا فِي النَّهَارِ كَانَ يَسِيرًا لَا يَفُوتُ بِهِ حَقٌّ ، وَكَذَا مَنْ قَامَ لَيْلَةً كَامِلَةً كَلَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ غَيْرِهَا لَا دَائِمًا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِعَدَمِ الضَّرَرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ : ( لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، فَقَالَ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : هُوَ أَفْضَلُ مِنَ السَّرْدِ ؛ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْضِيلِ السَّرْدِ ، وَتَخْصِيصُ هَذَا الْحَدِيثِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ ، وَتَقْدِيرُهُ : لَا أَفْضَلَ مِنْ هَذَا فِي حَقِّكَ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو عَنِ السَّرْدِ ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى يَوْمٍ وَيَوْمٍ ، وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّ كُلِّ النَّاسِ لَأَرْشَدَهُ إِلَيْهِ ، وَبَيَّنَهُ لَهُ ، فَإِنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ تَضَرَّرَ بِهِ أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا أَوْ لَمْ يُفْطِرْ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ · ص 225 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب كراهية سرد الصوم وبيان أفضل الصوم · ص 227 1159 ( 181 و 182 ) [1027] وعنه قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ ، وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : أنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَنَمْ وَقُمْ ، صُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ . قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ . قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا ، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ ، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ: فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ ؟ قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا قَالَ: وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي عَشْرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ: فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا . قَالَ: فَشَدَّدْتُ ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ . قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْر قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . زاد في رواية : بَعْدُ قَوْلِهِ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ : فَإِن بكل حسنة عشر أمثالها ، فذلك الدهر كله . وقوله في صوم داود : ( هو أعدل الصيام ) ؛ من جهة حفظ القوة ، ووجدان صوم مشقة العبادة ، وإذا كان أعدل في نفسه فهو عند الله أفضل وأحب ، ولا صوم فوقه في الفضل ، كما جاءت هذه الألفاظ ، وهي كلها متقاربة في مدلولها ، وهو بلا شك نقل بالمعنى . ومضمون هذه الألفاظ : أن هذا الصوم أعدل في نفسه وأكثر في ثوابه . وقوله : ( لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام أحب إلي من أهلي ) ؛ هذا إنما قاله عبد الله لما انتهى من العمر إلى الكبر ، الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبره به بقوله : ( إنك لا تدري لعله يطول بك عمر ) ؛ قال : فصرت للذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال : فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وهذا من عبد الله يدل على: أنه كان قد التزم الأفضل مما نقله إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - والأكثر إما بحكم التزامه الأول إذ قال : ( لأصومن الدهر ، ولأقومن الليل ما عشت ) ، وإما بحكم أنه هو الحال الذي فارق النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه ، وكره أن ينقص من عمل فارق النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه ، فلم ير أن يرجع عنه وإن كان قد ضعف عنه ، والله تعالى أعلم . وقوله : ( اقرأ القرآن في كل شهر ) ، ثم قال بعد ذلك : ( فاقرأه في كل عشرين ) ، ثم قال : ( فاقرأه في سبع ) ؛ هكذا في أكثر روايات مسلم . ووقع في كتاب ابن أبي جعفر ، وابن عيسى زيادة : ( قال : فاقرأه في عشر ) ، وبعد ذلك قال له : ( اقرأه في سبع ) . ومقصود هذه الرواية بيان تجزئة القرآن على ليالي الشهر بالنسبة إلى التخفيف والتثقيل . فالمخفف يقرؤه في كل شهر ؛ لا أقل من ذلك ، والمثقل لا يزيد على سبع ؛ كما قد نهاه عنه ، ولم يتعرض الراوي في هذه الرواية لبيان مقدار زمان القيام من الليل ، وقد بينه راو آخر في الرواية التي قال فيها : ( أحب الصلاة إلى الله صلاة داود : كان يرقد شطر الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ) . وقوله : ( فاقرأه في سبع ولا تزد ) ؛ ذهب إلى منع الزيادة على السبع كثير من العلماء . واختار بعضهم قراءته في ثمان ، وكان بعضهم يختم في خمس ، وآخر في ست ، وبعضهم يختم في كل ليلة . وكأن من لم يمنع الزيادة على السبع حمل قوله : ( لا تزد ) على أنه من باب الرفق ، وخوف الانقطاع ، فإن أمن ذلك جاز بناءً على: أن ما كثر من العبادة والخير فهو أحب إلى الله . والأولى ترك الزيادة أخذًا بظاهر المنع ، واقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرو عنه: أنه ختم القرآن كله في ليلة ، ولا في أقل من سبع ، وهو أعلم بالمصالح والأجر . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير ، لا سيما وقد تبينت مصلحة القلة ، والمداومة . وآفة الكثرة الانقطاع .