122 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي خَالِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ الْحَجَّ . 123 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ حَتَّى نَزَلْنَا بِسَرِفَ فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا . فَمِنْهُمْ الْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ ، وَمَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُمْ قُوَّةٌ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ قُلْتُ : سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ قَالَ : وَمَا لَكِ ؟ قُلْتُ : لَا أُصَلِّي قَالَ : فَلَا يَضُرُّكِ فَكُونِي فِي حَجِّكِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا ، وَإِنَّمَا أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ . قَالَتْ : فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى فَتَطَهَّرْتُ ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُحَصَّبَ فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْتِ فَإِنِّي أَنْتَظِرُكُمَا هَا هُنَا . قَالَتْ : فَخَرَجْنَا فَأَهْلَلْتُ ثُمَّ طُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ : هَلْ فَرَغْتِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، فَآذَنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ ، فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ . قَوْلُهَا : ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهَلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ ) قَوْلُهَا : ( حُرُمِ الْحَجِّ ) . هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ كَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ ، قَالَ : وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ ، قَالَ : فَعَلَى الضَّمِّ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْأَوْقَاتَ وَالْمَوَاضِعَ وَالْأَشْيَاءَ وَالْحَالَاتِ ، أَمَّا بِالْفَتْحِ فَجَمْعُ ( حُرْمَةٍ ) أَيْ مَمْنُوعَاتِ الشَّرْعِ وَمُحَرَّمَاتِهِ ، وَكَذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِنَسَبٍ حُرْمَةٌ ، وَجَمْعُهَا حُرُمٌ وَأَمَّا قَوْلُهَا : ( فِي أَشْهُرِ الحج ) فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ : هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ تَمْتَدُّ إِلَى الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْجُمْهُورِ . قَوْلُهَا : ( فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا ، فَمِنْهُمُ الْآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ) وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ ؟ ) ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ : ( فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ ) يَعْنِي بِعُمْرَةٍ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : ( قَالَ : فَحِلُّوا قَالَ : فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَصِّرُوا وَأَقِيمُوا حَلَالًا ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِّلُوا بِالْحَجِّ ، وَاجْعَلُوا الَّذِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً ، قَالُوا : كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا بِالْحَجِّ ؟ قَالَ : افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ ) . هَذِهِ الرِّوَايَاتُ صَحِيحَةٌ فِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ وَتَحَتُّمٍ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : خَيَّرَهُمْ أَوَّلًا بَيْنَ الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ مُلَاطَفَةً لَهُمْ ، وَإِينَاسًا بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهَا مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ، ثُمَّ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَسْخَ وَأَمَرَهُمْ بِهِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ ، وَأَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ وَكَرِهَ تَرَدُّدَهُمْ فِي قَبُولِ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَبِلُوهُ وَفَعَلُوهُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهَا : ( سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ ) كَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ ( فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ ) قَالَ الْقَاضِي : كَذَا رَوَاهُ جُمْهُورُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ ( فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ ) وَهُوَ الصَّوَابُ . قَوْلُهَا : ( قَالَ : وَمَا لَكِ ؟ قُلْتُ : لَا أُصَلِّي ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْكِنَايَةِ عَنِ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُسْتَحَى مِنْهُ ، وَيُسْتَشْنَعُ لَفْظُهُ ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ حَاجَةً كَإِزَالَةِ وَهْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ فَمِيقَاتُهُ لَهَا أَدْنَى الْحِلِّ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ ، فَإِنْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ بِهَا مِنَ الْحَرَمِ وَخَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ . وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ يَصِحُّ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَإِنَّمَا وَجَبَ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي نُسُكِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، كَمَا أَنَّ الْحَاجَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وَهِيَ فِي الْحِلِّ ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ لِلطَّوَافِ وَغَيْرِهِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَهَكَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ الْخُرُوجُ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ ، وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يَخْرُجْ لَزِمَهُ دَمٌ . وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَقَالَ مَالِكٌ : لَا بُدَّ مِنْ إِحْرَامِهِ مِنَ التَّنْعِيمِ خَاصَّةً . قَالُوا : وَهُوَ مِيقَاتُ الْمُعْتَمِرِينَ مِنْ مَكَّةَ ، وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ أَنَّ جَمِيعَ جِهَاتِ الْحِلِّ سَوَاءٌ ، وَلَا تَخْتَصُّ بِالتَّنْعِيمِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب بَيَانِ وُجُوهِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ إِفْرَادُ الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ · ص 313 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما جاء في فسخ الحج في العمرة وأن ذلك كان خاصا بهم · ص 311 ( 15 ) باب ما جاء في فسخ الحج في العمرة وأن ذلك كان خاصا بهم 1211 ( 123 ) [1083] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مع رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مهِلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ ، حَتَّى نَزَلْنَا بِسَرِفَ ، فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا. فَمِنْهُمْ الْآخِذُ بِهَا ، وَالتَّارِكُ لَهَا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ ، وَمَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُمْ قُوَّةٌ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أَبْكِي ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ . قَالَ: وَمَا لَكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي ، قَالَ: فَلَا يَضُرُّكِ فَكُونِي فِي حَجِّكِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا ، وَإِنَّمَا أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ . قَالَتْ: فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى فَتَطَهَّرْتُ، ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْتِ ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمُحَصَّبَ ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْتِ ، فَإِنِّي أَنْتَظِرُكُمَا هَاهُنَا . قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فَأَهْلَلْتُ، ثُمَّ طُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ ، فَقَالَ: هَلْ فَرَغْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ . فَأذَنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ ، فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ ، فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ . ( 15 ) ومن باب: ما جاء في فسخ الحج في العمرة قول عائشة -رضي الله عنها- : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أشهر الحج ، وفي حرم الحج ، وليالي الحج ) ؛ لم يختلف في أن أول أشهر الحج شوال ، واختلف في آخرها : فقال مالك : آخرها آخر ذي الحجة ، وبه قال ابن عباس ، وابن عمر . وذهب عامة العلماء : إلى أن آخرها عاشر ذي الحجة ، وبه قال مالك أيضًا . وروي عن ابن عباس وابن عمر مثله . وقال الشافعي : شهران وتسعة أيام من ذي الحجة . وروي عن مالك : آخر ذلك أيام التشريق . وسبب الخلاف : هل يعتبر مسمَّى الأشهر - وهي ثلاثة - أو يعتبر الزمان الذي يفرغ فيه عمل الحج - وهو أيام التشريق - أو معظم أركان الحج - وهو يوم عرفة - أو يوم النحر ؛ وهو اليوم الذي يتأتى فيه إيقاع طواف الإفاضة . وأبعدها قول مَنْ قال : التاسع . وفائدة هذا الخلاف تعلق الدَّم بمن أخر طواف الإفاضة عن الزمان الذي هو عنده آخر الأشهر . وبسط الفروع في كتب الفقه . و( حرم الحج ) : أزمان شهوره . و( ليالي الحج ) : ليالي أيام شهوره. وكررت ذلك تفخيمًا وتعظيمًا ، ولذلك أتت بالظاهر مكان المضمر ، وصار هذا كقولهم : لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ نغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا وقوله : ( فمن أحب أن يجعلها عمرة فليفعل ) ؛ ظاهره التخيير ، ولذلك كان منهم الآخذ ، ومنهم التارك . لكن بعد هذا ظهر منه - صلى الله عليه وسلم - عزم على الأخذ بفسخ الحج في العمرة لما غضب ودخل على عائشة ، فقالت له : من أغضبك أغضبه الله . فقال : ( أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ). وعند هذا أخذ في ذلك كل من أحرم بالحج ، ولم يكن ساق هديًا، وقالوا : فحللنا ، وسمعنا ، وأطعنا . وكان هذا التردد منهم : لأنهم ما كانوا يرون العمرة جائزة في أشهر الحج ، وكانوا يقولون : إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور . فبيَّن جواز ذلك لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله عند الإحرام بلفظ الإباحة ، ثم إنه لما رأى أكثر الناس قد أحرم بالحج مجتنبًا للعمرة أمرهم بالتحلل بالعمرة عند قدومهم مكة ، تأنيسًا لهم ، فلما رأى استمرارهم على ذلك عزم عليهم في ذلك ، فامتثلوا ، فتبين بقوله ، ويحملهم على ذلك الفعل : أن بالعمرة في أشهر الحج جائز ، ولما كان ذلك التحلل لذلك المعنى فهم الصحابة أن ذلك مخصوص بهم ، ولا يجوز لغيرهم ممن أحرم بالحج أن يحل بعمل العمرة ، ولقول الله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ كما قال عمر رضي الله عنه : إن القرآن نزل منازله فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله . ولذلك قال أبو ذر : كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة ؛ يعني بذلك : تمتعهم بتحللهم من حجهم بعمل العمرة . وقد ذهب بعض أهل الظاهر : إلى أن ذلك يجوز لآخر الدَّهر . والصحيح الأول ؛ لما سبق . وقولها : ( فسمعت بالعمرة ) ؛ كذا لجمهور رواة مسلم . وفي كتاب ابن سعيد : ( فمنعت العمرة ) ، وهو الصواب . وقوله : ( فعسى الله أن يرزقكيها ) ؛ أي : العمرة التي أردفت عليها الحجة ، ولم تفرغ من عملها ، فرجا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحرز الله لها أجر عمرتها وإن لم تعمل لها عملاً خاصًّا ، كما قال لها : ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ). وقولها : ( حتى نزلت منى ، فتطهرت ) يوم النَّحر ، كما قالت فيما تقدَّم . وقولها : ( فطفنا بالبيت ) ؛ تعني : طواف الإفاضة . وقولها : ( فخرج فمرَّ بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح ، ثم خرج إلى المدينة ) ؛ تعني به طواف الوداع . ولا خلاف في أنه مستحب مرغَّب فيه مأمور به ، غير أن أبا حنيفة يوجبه . ومن سننه : أن يكون آخر عمل الحاج ، ويكون سفره بأثره ؛ حتى يكون آخر عهده بالبيت ؛ وهذا قول جمهور العلماء . لكن رخص مالك في شراء بعض جهازه وطعامه بعد طوافه . وقاله الشافعي ؛ إذا اشترى ذلك في طريقه . وإقامة يوم وليلة بعده طولٌ عند مالك . وقيل : ليس بطول . وأجاز أبو حنيفة إقامته بعده ما شاء . وغيرهم لا يجيز الإقامة بعده لا قليلاً ولا كثيرًا .