174 - 1227 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ ، وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ ، فَأَتَى الصَّفَا فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ . 24 - باب وجوب الدم على المتمتع وأنه إذا عدمه لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَأَهْدَى وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ) قَالَ الْقَاضِي : قَوْلُهُ ( تَمَتَّعَ ) هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّمَتُّعِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْقِرَانُ آخِرًا ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَصَارَ قَارِنًا فِي آخِرِ أَمْرِهِ ، وَالْقَارِنُ هُوَ مُتَمَتِّعٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ تَرَفُّهٌ بِاتِّحَادِ الْمِيقَاتِ وَالْإِحْرَامِ وَالْفِعْلِ ، وَيَتَعَيَّنُ هَذَا التَّأْوِيلُ هُنَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ . وَمِمَّنْ رَوَى إِفْرَادَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنُ عُمَرَ الرَّاوِي هُنَا وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّلْبِيَةِ فِي أَثْنَاءِ الْإِحْرَامِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَحْرَمَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ بِعُمْرَةٍ ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجٍّ ، ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى مُخَالَفَةِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذَا عَلَى مُوَافَقَتِهَا ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ ( تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ آخِرًا فَصَارُوا مُتَمَتِّعِينَ . فَقَوْلُهُ : ( وَتَمَتَّعَ النَّاسُ ) يَعْنِي فِي آخِرِ الْأَمْرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ) أَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ) فَمَعْنَاهُ يَفْعَلُ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالتَّقْصِيرَ ، وَقَدْ صَارَ حَلَالًا ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ أَوَ الْحَلْقَ نُسُكٌ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا ، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ وَلَيْسَ بِنُسُكٍ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ، وَسَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّقْصِيرِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْحَلْقِ مَعَ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ ؛ لِيَبْقَى لَهُ شَعْرٌ يَحْلِقُهُ فِي الْحَجِّ ، فَإِنَّ الْحَلْقَ فِي تَحَلُّلِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي تَحَلُّلِ الْعُمْرَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَلْيَحْلِلْ ) فَمَعْنَاهُ وَقَدْ صَارَ حَلَالًا فَلَهُ فِعْلُ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ مِنَ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَالنِّسَاءِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ ) فَأَتَى بِثُمَّ الَّتِي هِيَ لِلتَّرَاخِي وَالْمُهْلَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَلْيُهْدِ ) فَالْمُرَادُ بِهِ هَدْيُ التَّمَتُّعِ فَهُوَ وَاجِبٌ بِشُرُوطٍ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي ثَلَاثَةٍ . أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، الثَّانِي أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ، الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ أَفَقِيًّا لَا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ ، وَحَاضِرُوهُ أَهْلُ الْحَرَمِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ . الرَّابِعُ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى الْمِيقَاتِ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ . وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَأَحَدُهَا نِيَّةُ التَّمَتُّعِ ، وَالثَّانِي كَوْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي سَنَةٍ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ ، الثَّالِثُ كَوْنُهُمَا عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ . وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ لَا تُشْتَرَطُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا ) فَالْمُرَادُ لَمْ يَجِدْ هُنَاكَ إِمَّا لِعَدَمِ الْهَدْيِ ، وَإِمَّا لِعَدَمِ ثَمَنِهِ ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ يُبَاعُ بِأَكْثَرِ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مَوْجُودًا لَكِنَّهُ لَا يَبِيعُهُ صَاحِبُهُ ، فَفِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ يَكُونُ عَادِمًا لِلْهَدْيِ فَيَنْتَقِلُ إِلَى الصَّوْمِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِدًا لِثَمَنِهِ فِي بَلَدِهِ أَمْ لَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ ) فَهُوَ مُوَافِقٌ لِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَجِبُ صَوْمُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَيَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْهَا ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ قَبْلَهُ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَصُومَهَا حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ ، فَإِنْ صَامَهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ عِنْدَنَا ، وَإِنْ صَامَهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَقَبْلَ فَرَاغِهَا لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الصَّحِيحِ ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَرَادَ صَوْمَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَشْهَرُهُمَا فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَأَصَحُّهُمَا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ جَوَازُهُ . هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا . وَوَافَقَنَا أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ . وَجَوَّزَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَلَوْ تَرَكَ صِيَامَهَا حَتَّى مَضَى الْعِيدُ وَالتَّشْرِيقُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عِنْدَنَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَفُوتُ صَوْمُهَا وَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ إِذَا اسْتَطَاعَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا صَوْمُ السَّبْعَةِ فَيَجِبُ إِذَا رَجَعَ . وَفِي الْمُرَادِ بِالرُّجُوعِ خِلَافٌ . الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ . وَالثَّانِي إِذَا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ مِنًى ، وَهَذَا الْقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ . وَبِالثَّانِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَلَوْ لَمْ يَصُمِ الثَّلَاثَةَ وَلَا السَّبْعَةَ حَتَّى عَادَ إِلَى وَطَنِهِ لَزِمَهُ صَوْمُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ . وَفِي اشْتِرَاطِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ إِذَا أَرَادَ صَوْمَهَا خِلَافٌ قِيلَ : لَا يَجِبُ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ التَّفْرِيقُ الْوَاقِعُ فِي الْأَدَاءِ ، وَهُوَ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَمَسَافَةِ الطَّرِيقِ بَيْنَ مَكَّةَ وَوَطَنِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ ثُمَّ حسب ثَلَاثَةَ أَطَوَافٍ ) مِنَ السَّبْعِ وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطَوَافٍ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ . فِيهِ إِثْبَاتُ طَوَافِ الْقُدُومِ ، وَاسْتِحْبَابُ الرَّمَلِ فِيهِ ، وَأَنَّ الرَّمَلَ هُوَ الْخَبَبُ ، وَأَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ ، وَأَنَّهُمَا يُسْتَحَبَّانِ خَلْفَ الْمَقَامِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا كُلُّهُ وَسَنَذْكُرُهُ أَيْضًا حَيْثُ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَأَنَّهُ إِذَا عَدَمَهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ · ص 359 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الهدي للمتمتع والقارن · ص 351 ( 21 ) باب الهدي للمتمتع والقارن 1227 [1099] عن ابْنَ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، وَأَهْدَى وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ. فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا ، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ ، وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ ، فَأَتَى الصَّفَا ، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ . ( 21 ) ومن باب : الهدي للمتمتع والقارن قول ابن عمر : ( تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ) هذا الذي روي هنا عن ابن عمر : من أنه - صلى الله عليه وسلم - تمتع ، مخالفٌ لما جاء عنه في الرواية الأخرى من أنه أفرد الحج . واضطراب قوليه يدلُّ على أنه لم يكن عنده من تحقيق الأمر ما كان عند من جزم بالأمر ، كما فعل أنس على ما تقدَّم ؛ حيث قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لبيك بحجة وعمرة ). ثم اعلم : أن كل الرواة الذين رووا إحرام النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس منهم من قال : إنه - صلى الله عليه وسلم - حَلَّ من إحرامه ذلك حتى فرغ من عمل الحج ، وإن كان قد أطلق عليه لفظ التمتُّع ، بل قد قال ابن عمر في هذا الحديث : إنَّه - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالعمرة ، ثم أهل بالحج ، ولم يقل : إنه حَلَّ من عمرته ، بل قال في آخر الحديث : بعد أن فرغ من طواف القدوم ، أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يَحْلُلْ من شيء حَرُمَ عليه حتى قضى حجَّه . وهذا نصٌّ في أنه لم يكن متمتعًا . فتعيَّن تأويل قوله : تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيحتملُ أن يكون معناه : قرن ؛ لأن القارن يترفَّه بإسقاط أحد العملين ، وهو الذي يدلُّ عليه قوله بعد هذا : فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج ، ويحتمل أن يكون معناه : أنه - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أذن في التمتع أضافه إليه ، وفيه بُعْد . وقوله : ( فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج ) ؛ ظاهره : أنه أردف . وظاهر حديث أنس : أنه قرنهما معًا . فإنه حكى فيه لفظه فقال : سمعته يقول : ( لبيك عمرة وحجًّا ) ، وقد استحب مالك للقارن أن يقدِّم العمرة في لفظه ؛ اقتداء بهذه الأخبار . وقوله للمتمتعين : ( فمن لم يجد هَدْيًا فليصم ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة إذا رجع ) هذا نصٌّ ما تضمنته آية المتعة . وقد اختلف في مواضع منها : أوَّلها : قوله : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ذهب جماعة من السَّلف إلى أنه شاة ، وهو قول مالك . وقالت جماعة أخرى : هو بقرة دون بقرة ، وبدنة دون بدنة . وقيل : المراد بدنة ، أو بقرة ، أو شاة ، أو شرك في دم . وقوله : ( فليصم ثلاثة أيام في الحج ) ذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك لا يكون إلا بعد الإحرام بالحج ، وهو مقتضى الآية والحديث ، وقال أبو حنيفة والثوري : يصحُّ صوم الثلاثة الأيام بعد الإحرام بالعمرة ، وقبل الإحرام بالحج ، ولا يصومها بعد أيام الحج ، وهو مخالف لنصّ الكتاب والسُّنة. والاختيار عندنا : تقديم صومها في أوَّل الإحرام ، وآخر وقتها : آخر أيام التشريق عندنا ، وعند الشافعي . فمن فاته صومها في هذه الأيام صامها عندنا بَعْدُ . وقال أبو حنيفة : آخر وقتها يوم عرفة ، فمن لم يصمها إلى يوم عرفة فلا صيام عليه ، ووجب عليه الهدي . وقال مثله الثوري ؛ إذا ترك صيامها أيام الحج . وللشافعي قول كقول أبي حنيفة . وقوله : ( وسبعة أيام إذا رجع ) ؛ حَمَله مالك والشافعي في أحد قوليهما على الرجوع من منى ، وأنه يصومها إن شاء بمكة ، أو ببلده. وهو قول أبي حنيفة . وللشافعي ومالك قول آخر : إنه الرجوع إلى بلده ، ولا يصومها حتى يرجع إلى أهله .