[388] 1329 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى . ( 68 ) بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا وَالدُّعَاءِ فِي نَوَاحِيهَا كُلِّهَا ذَكَرَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْبَابِ بِأَسَانِيدِهِ عَنْ بِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَصَلَّى فِيهَا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ ) وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا فِي نَوَاحِيهَا وَلَمْ يُصَلِّ ) وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْأَخْذِ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ ؛ لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ ، فَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَوَاجِبٌ تَرْجِيحُهُ ، وَالْمُرَادُ الصَّلَاةُ الْمَعْهُودَةُ ذَاتُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ : كَمْ صَلَّى ؟ وَأَمَّا نَفْيُ أُسَامَةَ فَسَبَبُهُ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْكَعْبَةَ أَغْلَقُوا الْبَابَ ، وَاشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ ، فَرَأَى أُسَامَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو ، ثُمَّ اشْتَغَلَ أُسَامَةُ بِالدُّعَاءِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى ، وَبِلَالٌ قَرِيبٌ مِنْهُ ، ثُمَّ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ بِلَالٌ لِقُرْبِهِ ، وَلَمْ يَرَهُ أُسَامَةُ لِبُعْدِهِ وَاشْتِغَالِهِ ، وَكَانَتْ صَلَاةً خَفِيفَةً فَلَمْ يَرَهَا أُسَامَةُ لِإِغْلَاقِ الْبَابِ مَعَ بُعْدِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِالدُّعَاءِ ، وَجَازَ لَهُ نَفْيُهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ ، وَأَمَّا بِلَالٌ فَحَقَّقَهَا فَأَخْبَرَ بِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ إِذَا صَلَّى مُتَوَجِّهًا إِلَى جِدَارٍ مِنْهَا أَوْ إِلَى الْبَابِ وَهُوَ مَرْدُودٌ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ : تَصِحُّ فِيهَا صَلَاةُ النَّفْلِ وَصَلَاةُ الْفَرْضِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : تَصِحُّ فِيهَا صَلَاةُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ ، وَلَا يَصِحُّ الْفَرْضُ وَلَا الْوِتْرُ وَلَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَلَا رَكْعَتَا الطَّوَافِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَأَصْبَغُ الْمَالِكِيُّ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ : لَا تَصِحُّ فِيهَا صَلَاةٌ أَبَدًا لَا فَرِيضَةٌ وَلَا نَافِلَةٌ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ بِلَالٍ وَإِذَا صَحَّتِ النَّافِلَةُ صَحَّتِ الْفَرِيضَةُ ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَوْضِعِ سَوَاءٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ فِي حَالِ النُّزُولِ ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الِاسْتِقْبَالِ فِي حَالِ السَّيْرِ فِي السَّفَرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيُّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْجِيمِ مَنْسُوبٌ إِلَى حِجَابَةِ الْكَعْبَةِ ، وَهِيَ وِلَايَتُهَا وَفَتْحُهَا وَإِغْلَاقُهَا وَخِدْمَتُهَا ، وَيُقَالُ لَهُ وَلِأَقَارِبِهِ : الْحَجَبِيُّونَ وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، ، وَاسْمُ أَبِي طَلْحَةَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْعَبْدَرِيُّ ، أَسْلَمَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَشَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ ، وَدَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ إِلَيْهِ وَأَبِي شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَقَالَ : " خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ " ثُمَّ نَزَلَ الْمَدِينَةَ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ ( أَجْنَادِينَ ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا ، وَهِيَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . كَانَتْ غَزْوَتُهُ فِي أَوَائِلِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلُّ مَأْثُرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ تَحْتَ قَدَمَيَّ إِلَّا سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَسِدَانَةَ الْبَيْتِ ) . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْزِعَهَا مِنْهُمْ ، قَالَ : وَهِيَ وِلَايَةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبْقَى دَائِمَةً لَهُمْ وَلِذُرِّيَّاتِهِمْ أَبَدًا ، وَلَا يُنَازَعُونَ فِيهَا ، وَلَا يُشَارَكُونَ مَا دَامُوا مَوْجُودِينَ صَالِحِينَ لِذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ إِنَّمَا أَغْلَقَهَا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ أَسْكَنَ لِقَلْبِهِ وَأَجْمَعَ لِخُشُوعِهِ ، وَلِئَلَّا يَجْتَمِعَ النَّاسُ وَيَدْخُلُوا وَيَزْدَحِمُوا فَيَنَالَهُمْ ضَرَرٌ وَيَتَهَوَّشَ عَلَيْهِ الْحَالُ بِسَبَبِ لَغَطِهِمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ ) هَكَذَا هُوَ هُنَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ ، وَهَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَكُلُّهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا وَالدُّعَاءِ فِي نَوَاحِيهَا كُلِّهَا · ص 449 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما جاء في دخول النبي الكعبة وفي صلاته فيها · ص 428 ( 47 ) باب ما جاء في دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة وفي صلاته فيها 1329 ( 388 و 389 ) [1183] عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ - وفي رواية: ولم يدخلها معهم أحد - فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلَالاً حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى. وَفِي رِوَايَةٍ : ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَادَرْتُ النَّاسَ ، فلَقَّيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَارِجًا، وَبِلَالٌ عَلَى أثْرِهِ ، فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى . 1329 ( 390 ) [1184] وعنه، قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَامَ الْفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَقَالَ: ائْتِنِي بِالْمِفْتَاحِ، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ ، فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُعْطِينِهِ، أَوْ لَيَخْرُجَنَّ هَذَا السَّيْفُ مِنْ صُلْبِي ، قَالَ: فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ نحوه ( 47 ) ومن باب: دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة هذا إنما كان عام الفتح ، كما جاء منصوصًا في الرواية الأخرى ، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - مُحْرِمًا يوم الفتح ، فلا يستدل به ، على أن دخول البيت نُسُك في الحج والعمرة ؛ كما ذهب إليه بعضهم. وأما أحاديث حجة الوداع فليس في شيء منها تحقيق : أنه صلى الله عليه وسلم دخل أولا. غير أن أبا داود روى من حديث عائشة -رضي الله عنها- : أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج من عندها مسرورًا ، ثم رجع إليها وهو كئيب ، فقال : ( إني دخلت الكعبة ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها ، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي ) ؛ وظاهره : أن ذلك كان في حجة الوداع ، غير أن هذا الحديث في إسناده إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير ، وهو ضعيف . وقد رواه البزار بإسناد آخر ، ولا يثبت أيضًا . وقوله : ( فأغلقها عليه ) ؛ فيه دليل على اختصاص السابق للمنفعة المشتركة بها ، ومنعها ممن يخاف تشويشها عليه ، وقال الشافعي : فائدة أمره - صلى الله عليه وسلم - بإغلاقها وجوب الصلاة إلى جدار من جُدُرها ، وأنه لو صلى إلى الباب وهو مفتوح ؛ لم يجزه ؛ لأنه لم يستقبل منها شيئًا . وألزم من مذهبه إبطال هذا ؛ لأنه يجيز الصلاة في أرضها لو تهدمت الجدر ؛ لاستقباله أرضها . وقيل : إنما أغلقها دونهم لئلا يتأذى بزحامهم . وقيل : لئلا يُصلَّى بصلاته ، فتتخذ الصلاة فيها سنة . ولا يلتفت لقول من قال : إنما فعل ذلك لئلا يستدبر شيئًا من البيت ، كما وقع في زيادة البخاري عن بعض الرواة ؛ لأن الباب إذا أغلق ؛ صار كأنه جدار البيت . وقوله : ( جعل عمودين عن يساره ، وعمودًا عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ) ؛ هكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى التميمي ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر . ورواه يحيى بن يحيى الأندلسي وغيره في الموطأ عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : ( جعل عمودًا عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ). وفي مسلم من حديث ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ؛ أنه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بين العمودين اليمانيين . وظاهر هذا الاختلاف اضطراب . ويمكن أن يقال : إنه - صلى الله عليه وسلم - تكررت صلاته في تلك المواضع ، وإن كانت القضية واحدة ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - مكث في الكعبة طويلاً . وحديث ابن عمر هذا ، وروايته عن بلال يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في البيت الصلاة المعهودة الشرعية . وبهذا أخذ الشافعي ، وأبو حنيفة ، والثوري ، وجماعة من السلف ، وبعض الظاهرية فقالوا : يُصلَّى في الكعبة التطوع والفرض . وقد خالف بلالاً أسامة ، فقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في الكعبة ، وإنما دعا فيها . وبهذا أخذ ابن عباس ، وبعض الظاهرية ؛ فلم يجيزوا فيها فرضًا ولا تطوُّعًا . وقال مالك : لا يُصلَّى فيها الفروض ولا السنن ، ويُصلَّى فيها التطوع ، غير أنه إن صلَّى فيها الفرض أعاد في الوقت . وقال أصبغ : يعيد أبدًا . ويمكن أن يجمع بين حديث أسامة وبلال على مقتضى مذهب مالك . فيقال : إن قول بلال : أنه صلى فيها ؛ يعني به : التطوع . وقول أسامة : إنه لم يصل فيها ؛ يعني به : الفرض . وقد جمع بينهما بعض أئمتنا بوجهٍ آخر فقال : إن أسامة تغيَّب في الحين الذي صلَّى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يشاهده ، فاستصحب النفي لسرعة رجعته ، فأخبر عنه ، وشاهد ذلك بلال فأخبر عما شاهد. وعضد هذا بما رواه ابن المنذر عن أسامة قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - صورًا في الكعبة ، فكنت آتيه بماء في الدَّلو يضرب به تلك الصور . فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في حالة مضي أسامة في طلب الماء ، والله تعالى أعلم . وعلى الجملة : فحديث من أثبت أولى أن يؤخذ به ؛ لأنه أخبر عن مشاهدة ، فكان أولى من النَّافي . وفي هذا الحديث ما يدلُّ: على أن سدانة البيت ولاية باقية لعثمان بن طلحة وذويه ، فلا تنتزع منهم بحال ؛ كالسقاية في بني العباس ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : ( كل مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي إلا سقاية الحاج ، وسدانة البيت ). وقال : ( يا بني عبد الدار ! خذوها خالدةً ، تالدةً ). وبذلك قال جميع العلماء . وأعظم مالك أن يشرك غيرهم فيها معهم . وهذه العُمرة التي سُئل عنها ابن أبي أوفى هي عمرة القضاء ، ولم يختلف أنه لم يدخل فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت ؛ لما كان فيه من الصور ، والأصنام ، ولم يكن يقدر على تغييرها إذ ذاك لأجل مشركي أهل مكة ، فلما فتحها الله عليه دخل البيت ، وصلَّى فيه ، على ما تقدَّم . وسائر عُمُرِه لم يثبت فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخوله البيت ، ولا نفيه .