[445] 1353 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ : لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ، وَقَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ : إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ، وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ فَقَالَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَقَالَ بَدَلَ الْقِتَالِ الْقَتْلَ ، وَقَالَ : لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا . ( 82 ) بَاب تَحْرِيمِ مَكَّةَ وَتَحْرِيمِ صَيْدِهَا وَخَلَاهَا وَشَجَرِهَا وَلُقَطَتِهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ : لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَفِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ مَكَّةَ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهَا تَبْقَى دَارَ الْإِسْلَامِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا الْهِجْرَةُ . وَالثَّانِي : مَعْنَاهُ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَضْلُهَا كَفَضْلِهَا قَبْلَ الْفَتْحِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ الْآيَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ) فَمَعْنَاهُ : وَلَكِنْ لَكُمْ طَرِيقٌ إِلَى تَحْصِيلِ الْفَضَائِلِ الَّتِي فِي مَعْنَى الْهِجْرَةِ ، وَذَلِكَ بِالْجِهَادِ ، وَنِيَّةِ الْخَيْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ) مَعْنَاهُ : إِذَا دَعَاكُمُ السُّلْطَانُ إِلَى غَزْوٍ فَاذْهَبُوا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ أَحْكَامِ الْجِهَادِ وَبَيَانُ الْوَاجِبِ مِنْهُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) . وَفِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ " فَظَاهِرُهَا الِاخْتِلَافُ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِ مَكَّةَ ، فَقِيلَ : إِنَّهَا مَا زَالَتْ مُحَرَّمَةً مِنْ يَوْمِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَقِيلَ : مَا زَالَتْ حَلَالًا كَغَيْرِهَا إِلَى زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ثَبَتَ لَهَا التَّحْرِيمُ مِنْ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُوَافِقُ الْحَدِيثَ الثَّانِي ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يُوَافِقُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ . وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ الثَّانِي بِأَنَّ تَحْرِيمَهَا كَانَ ثَابِتًا مِنْ يَوْمِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، ثُمَّ خَفِيَ تَحْرِيمُهَا وَاسْتَمَرَّ خَفَاؤُهُ إِلَى زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ فَأَظْهَرَهُ وَأَشَاعَهُ ، لَا أَنَّهُ ابْتَدَأَهُ ، وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي أَجَابَ عَنِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ فِي غَيْرِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ : أَنَّ إِبْرَاهِيمَ سَيُحَرِّمُ مَكَّةَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( الْقَتْلُ ) بَدَلَ ( الْقِتَالُ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ : إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ . هَذِهِ الْأَحَادِيثُ ظَاهِرَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ الْبَصْرِيُّ ، صَاحِبُ الْحَاوِي مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ : مِنْ خَصَائِصِ الْحَرَمِ أَنْ لَا يُحَارَبَ أَهْلُهُ ، فَإِنْ بَغَوْا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ : يَحْرُمُ قِتَالُهُمْ ، بَلْ يُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الطَّاعَةِ وَيَدْخُلُوا فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ ، قَالَ : وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ : يُقَاتَلُونَ عَلَى بَغْيِهِمْ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُمْ عَنِ الْبَغْيِ إِلَّا بِالْقِتَالِ ؛ لِأَنَّ قِتَالَ الْبُغَاةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِضَاعَتُهَا ، فَحِفْظُهَا أَوْلَى فِي الْحَرَمِ مِنْ إِضَاعَتِهَا . هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ ، وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ هُوَ الصَّوَابُ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافُ الْحَدِيثِ مِنْ كُتُبِ الْإِمَامِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي آخِرِ كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِـ " سِيَرُ الْوَاقِدِيِّ " مِنْ كُتُبِ الْأُمِّ ، وَقَالَ الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ " شَرْحُ التَّلْخِيصِ " فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ فِي ذِكْرِ الْخَصَائِصِ : لَا يَجُوزُ الْقِتَالُ بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَتَّى لَوْ تَحَصَّنَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ فِيهَا لَمْ يَجُزْ لَنَا قِتَالُهُمْ فِيهَا ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَفَّالُ غَلَطٌ ، نَبَّهْتُ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يُغْتَرَّ بِهِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا فَهُوَ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ " سِيَرُ الْوَاقِدِيِّ " أَنَّ مَعْنَاهَا : تَحْرِيمُ نَصْبِ الْقِتَالِ عَلَيْهِمْ ، وَقِتَالِهِمْ بِمَا يَعُمُّ كَالْمَنْجَنِيقِ وَغَيْرِهِ إِذَا أَمْكَنَ إِصْلَاحُ الْحَالِ بِدُونِ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَحَصَّنَ الْكُفَّارُ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ وَبِكُلِّ شَيْءٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ . وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( لَا تُعْضَدُ بِهَا شَجَرَةٌ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : ( الْعَضْدُ ) الْقَطْعُ ، وَ ( الْخَلَا ) : - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ - هُوَ الرَّطْبُ مِنَ الْكَلَأِ ، قَالُوا : الْخَلَا وَالْعُشْبُ اسْمٌ لِلرَّطْبِ مِنْهُ ، وَالْحَشِيشُ وَالْهَشِيمُ اسْمٌ لِلْيَابِسِ مِنْهُ ، وَ ( الْكَلَأُ ) مَهْمُوزٌ يَقَعُ عَلَى الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ ، وَعَدَّ ابْنُ مَكِّيٍّ وَغَيْرُهُ مِنْ لَحْنِ الْعَوَامِّ إِطْلَاقُهُمُ اسْمُ الْحَشِيشِ عَلَى الرَّطْبِ ، بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْيَابِسِ ، وَمَعْنَى ( يُخْتَلَى ) : يُؤْخَذُ وَيُقْطَعُ ، وَمَعْنَى ( يُخْبَطُ ) : يُضْرَبُ بِالْعَصَا وَنَحْوِهَا لِيَسْقُطَ وَرَقُهُ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ قَطْعِ أَشْجَارِهَا الَّتِي لَا يَسْتَنْبِتُهَا الْآدَمِيُّونَ فِي الْعَادَةِ ، وَعَلَى تَحْرِيمِ قَطْعِ خَلَاهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمَانِ الشَّجَرِ إِذَا قَطَعَهُ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَأْثَمُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَاخْتَلَفَا فِيهَا ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي الشَّجَرَةِ الْكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ ، وَفِي الصَّغِيرَةِ شَاةٌ ، وَكَذَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْوَاجِبُ فِي الْجَمِيعِ الْقِيمَةُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيَضْمَنُ الْخَلَا بِالْقِيمَةِ ، وَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ رَعْيُ الْبَهَائِمِ فِي كَلَأِ الْحَرَمِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَمُحَمَّدٌ : لَا يَجُوزُ . وَأَمَّا صَيْدُ الْحَرَمِ فَحَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ ، فَإِنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا دَاوُدَ فَقَالَ : يَأْثَمُ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ دَخَلَ صَيْدٌ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ فَلَهُ ذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ فِيهِ ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَدَاوُدَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ : لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ ، بَلْ يَلْزَمُهُ إِرْسَالُهُ ، قَالَا : فَإِنْ أَدْخَلَهُ مَذْبُوحًا جَازَ أَكْلُهُ ، وَقَاسُوهُ عَلَى الْمُحْرِمِ ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا إِذَا أدخَلَ مِنَ الْحِلِّ شَجَرَةٌ أَوْ كَلَأٌ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدِ حَرَمٍ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ ) فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِتَحْرِيمِ جَمِيعِ نَبَاتِ الْحَرَمِ مِنَ الشَّجَرِ وَالْكَلَأِ ، سَوَاءٌ الشَّوْكُ الْمُؤْذِي وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا : لَا يَحْرُمُ الشَّوْكُ ؛ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ ، فَأَشْبَهَ الْفَوَاسِقَ الْخَمْسَ ، وَيَخُصُّونَ الْحَدِيثَ بِالْقِيَاسِ ، وَالصَّحِيحُ مَا اخْتَارَهُ الْمُتَوَلِّي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ) هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَثِيرِينَ أَوِ الْأَكْثَرِينَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : فُتِحَتْ صُلْحًا ، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْقِتَالَ كَانَ جَائِزًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ ، وَلَوِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لَفَعَلَهُ ، وَلَكِنْ مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ) تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ التَّنْفِيرِ ، وَهُوَ الْإِزْعَاجُ وَتَنْحِيَتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، فَإِنْ نَفَّرَهُ عَصَى ، سَوَاءٌ تَلِفَ أَمْ لَا ، لَكِنْ إِنْ تَلِفَ فِي نِفَارِهِ قَبْلَ سُكُونِ نِفَارِهِ ضَمِنَهُ الْمُنَفِّرُ ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّنْفِيرِ عَلَى الْإِتْلَافِ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَرُمَ التَّنْفِيرُ فَالْإِتْلَافُ أَوْلَى . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : " لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ " . الْمُنْشِدُ : هُوَ الْمُعَرِّفُ ، وَأَمَّا طَالِبُهَا فَيُقَالُ لَهُ : نَاشِدٌ ، وَأَصْلُ النَّشْدِ وَالْإِنْشَادِ رَفْعُ الصَّوْتِ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُعَرِّفَهَا سَنَةً ثُمَّ يَتَمَلَّكَهَا كَمَا فِي بَاقِي الْبِلَادِ ، بَلْ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا أَبَدًا . وَلَا يَتَمَلَّكُهَا ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا بَعْدَ تَعَرُّفِهَا سَنَةً ، كَمَا فِي سَائِرِ الْبِلَادِ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَيَتَأَوَّلُونَ الْحَدِيثَ تَأْوِيلَاتٍ ضَعِيفَةً ، وَ اللفظةُ بِفَتْحِ الْقَافِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَقِيلَ : بِإِسْكَانِهَا وَهِيَ الْمَلْقُوطُ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا الْإِذْخِرَ ) هُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا . ( قَيْنِهِمْ ) بِفَتْحِ الْقَافِ ، هُوَ الْحَدَّادُ وَالصَّائِغُ ، وَمَعْنَاهُ : يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْقَيْنُ فِي وُقُودِ النَّارِ ، وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْقُبُورِ لِتُسَدَّ بِهِ فُرَجُ اللَّحْدِ الْمُتَخَلِّلَةُ بَيْنَ اللَّبِنَاتِ ، وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سُقُوفِ الْبُيُوتِ يُجْعَلُ فَوْقَ الْخَشَبِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ بِاسْتِثْنَاءِ الْإِذْخِرِ ، وَتَخْصِيصِهِ مِنَ الْعُمُومِ ، أَوْ أُوحِيَ إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ طَالَبَ أَحَدٌ اسْتِثْنَاءَ شَيْءٍ فَاسْتَثْنِهِ ، أَوْ أَنَّهُ اجْتَهَدَ فِي الْجَمِيعِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَحْرِيمِ مَكَّةَ وَتَحْرِيمِ صَيْدِهَا وَخَلَاهَا وَشَجَرِهَا وَلُقَطَتِهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ · ص 481 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها · ص 467 ( 57 ) باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها 1353 [1212] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: لَا هِجْرَةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . وَقَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لقطته إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِلَّا الْإِذْخِرَ ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ ! فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ . ( 57 ) ومن باب: تحريم مكة قوله لا هجرة بعد الفتح ، هذا رفع لما كان تقرَّر من وجوب الهجرة إلى المدينة على أهل مكة باتفاق وعلى غيرهم بخلاف ، ولم يتعرَّض هذا العموم لنفي هجرة الرجل بدينه ؛ إذ تلك الهجرة ثابتة إلى يوم القيامة ، وإنما رفع حكم الهجرة يوم الفتح لكثرة ناصري الإسلام ولظهور الدِّين وأمن الفتنة عليه . وقوله ولكن جهاد ونية دليل على بقاء فرض الجهاد وتأبيده خلافًا لمن أنكر فرضيته على ما يأتي . وقوله وإذا استنفرتم فانفروا ؛ أي : طَلَب منكم الإمام النَّفير. وهو : الخروج إلى الغزو ، فحينئذ يتعيَّن الغزو على من استُنفر بلا خلاف. وقوله إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة ، معنى حرَّمه الله أي حرَّم على غير المحرم دخوله إلا أن يُحرم . ويجري هذا مجرى قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ؛ أي : وطؤهن . و حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ؛ أي : أكلها . فَعُرف الاستعمال دلَّ على تعيين المحذوف . وقد دلَّ على صحة هذا المعنى اعتذاره - صلى الله عليه وسلم - عن دخول مكة غير محرم مقاتلاً بقوله إنها لم تحل لي إلا ساعة من نهار . . . الحديث ، وبهذا أخذ مالك والشافعي - في أحد قوليهما - وكثير من أصحابهما ، فقالوا : لا يجوز لأحدٍ أن يدخل مكة إلا محرمًا ، إلا أن يكون ممن يكثر التكرار إليها كالحطابين ونحوهم . وقد أجاز دخولها لغير المحرم ابن شهاب والحسن والقاسم ، وروي عن مالك والشافعي والليث ، وقال بذلك أبو حنيفة إلا لمن منزله وراء المواقيت ، فلا يدخلها إلا بإحرام ، واتفق الكل على أن من أراد الحج أو العمرة أنه لا يدخلها إلا محرمًا . ثم اختلف أهل القول الأول فيمن دخلها غير محرم ؛ فقال مالك وأبو ثور والشافعي أنه لا دم عليه ، وقال الثوري وعطاء والحسن بن حييٍّ : يلزمه حج أو عمرة - ونحوه قال أبو حنيفة فيمن منزله وراء المواقيت . ومتمسَّك من قال بجواز دخولها لغير المحرم قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث المواقيت المتقدِّم : هن لهم ولكلِّ آتٍ أتى عليهنَّ من غيرهنَّ ممن أراد الحج أو العمرة ) ، وتأولوا الحديث المتقدم بأن قالوا : إنما اعتذر - صلى الله عليه وسلم - عن دخوله مكة مقاتلاً كما قال : ( فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . ) الحديث . قال القاضي عياض : لم يختلف في دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة أنه كان حلالاً ؛ لدخوله والمغفر على رأسه ، ولأنه دخلها مُحاربًا حاملاً للسلاح هو وأصحابه . ولم يختلفوا في تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، وكذلك لم يختلفوا في أن من دخلها لحرب أو لشيء أنه لا يحل له أن يدخلها حلالاً . وقوله وإنه لم يحل القتال لأحدٍ قبلي ، الضمير في إنَّه هو ضمير الأمر والشأن ، وظاهر هذا أن حكم الله تعالى كان في مكة ألا يقاتل أهلها ويُؤمن من استجار بها ولا يتعرض له ، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى : وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وهو قول قتادة وغيره . قالوا : هو آمن من الغارات . وهو ظاهر قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وهو منقول من عادة العرب في احترامهم مكة ، ومن كتب التواريخ . وقوله ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرامٌ ، الضمير في يحل هو ، وهو يعودُ على القتال قطعًا كما يدل عليه مساقه ، فيلزم منه تحريم القتال فيه مطلقًا ، سواء كان ساكنه مستحقًا للقتال أو لم يكن ، وهو الذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ولا يحل لأحد بعدي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار . وقوله فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها فقولوا : إن الله أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم ، وهذا نصٌّ على الخصوصية واعتذار منه عما أُبيح له من ذلك ، مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتل والقتال لصدِّهم عنه وإخراجهم أهله منه وكفرهم بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الذي فهمه أبو شريح من هذا الحديث . وقد قال بذلك غير واحد من أهل العلم ؛ منهم . . . ، غير أن هذا يعارضه ما جاء في حديث أبي شريح من قول عمرو بن سعيد على ما يأتي . وقوله لا يعضد شوكه ، وفي حديث أبي هريرة لا يختبط شوكه ، ولا يعضد شجره ، يُعضد : يقطع . والْمِعْضَد : الآلة التي يقطع بها . والْخَبَط : ضَرْب أوراق الشجر بالعصي لعلف المواشي . يقال : خبط واختبط . والمصدر منه : خبطًا - بسكون الباء ، والاسم بتحريكها . و( الخلى ) مقصور ، هو الرطب من الكلأ مقصورًا مهموزًا . والحشيش : هو اليابس منه ، والكلأ يقال على الخلى والحشيش . والشجر : ما كان على ساقٍ . وفي بعض طرقه شجراؤها وهو جنس الشجر ، وهي العضاه أيضًا في الحديث الآخر. والعِضاه من شجر البادية : كل شجر له شوك . ومنه ما يسمى بـ ( الكَنَهْبُل ) و( السَّيَال ) ، ولهذا الحديث خصَّ الفقهاء مطلق الشجر المنهي عن قطعه مما يُنبته الله تعالى من غير صُنْع آدمي اتفاقًا منهم ، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فيجوز قطعه . ثم اختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول ؛ فقال مالك : لا جزاءَ فيه لعدم ما يدل على ذلك . وقال الشافعي وأبو حنيفة : فيه الجزاء - فعند أبي حنيفة تؤخذ قيمة ما قطع فيشترى بها هدي ، وعند الشافعي في الدوحة - وهي الشجرة العظيمة - بقرة وفيما دونها شاة. وأما قطع العشب للرعي فمنع ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن ، وأجازه غيرهما . وقوله ولا ينفر صيده ؛ أي : لا يُهاج عن حاله ولا يُعْرَض له. قال عكرمة : هو أن ينحيه من الظل إلى الشمس - وقد تقدَّم القول فيه . وقوله ولا يلتقط لُقَطَته إلا منشدٌ ، اتفق رواة المحدثين على ضمِّ اللام وفتح القاف من اللقطة هنا ؛ أرادوا به الشيء الملتقط ، وليس كذلك عند أهل اللسان ، قال الخليل : اللقطة بفتح القاف اسم للذي يَلتقط ، وبسكونها لما يُلتقط . قال الأزهري : هذا قياس اللغة ؛ لأن ( فُعَلَةٌ ) في كلامهم جاء فاعلاً كالهُزَأة للذي يهزأ بالناس ، وجاء مفعولاً كالهزأة للذي يهزأ به الناس ، إلا أن الرواة أجمعوا على أن اللقطة الشيء الملتقط . و( المنشد ) : هو المعرِّف . و( الناشد ) : هو الطالب والباغي ، كما قال : أنشدوا الباغي يُحِبُّ الوُجْدَان وقال الآخر : إصاخَة النَّاشِدِ للمُنْشِدِ يقال : نشدت الضالة طلبتها ، وأنشدتها عَرَّفتها . وأصل الإنشاد الصوت ، ومنه إنشاد الشعر . وقد أفاد ظاهر هذا الحديث وما في معناه أن للقطة مكة مزية على لقطة غيرها ، لكن اختلف العلماء في أي شيء تلك المزية ؟ فقالت طائفة : هي أنها لا تحل للملتقط بوجه من الوجوه ، ولا يزال يعرفها دائمًا . وممن ذهب إلى هذا : أبو عبيد ، والشافعي ، وابن مهدي ، والداودي ، والباجي ، وابن العربي من أصحابنا ، ويعتضدون بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن لقطة الحاج . وقالت طائفة أخرى : إن المزية هي أنها لا يحل التقاطها إلا إن سمع من ينشدها ، فيأخذها ويرفعها له . وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن المزية أنها هي في زيادة التعريف والمبالغة فيها ، وحكمها وحكم غيرها من البلاد سواء ، وسيأتي بيان أحكامها ، والقول الأول أظهر من الأحاديث المذكورة في هذا الباب. وقد فسَّر بعضهم المنشد بالطالب ، يعني به ربَّها ؛ أي لا تحل إلا له . ويرجع هذا إلى القول الأول ، وقد تقدم أن المنشد هو المعرِّف على ما قال أبو عبيد وغيره . و ( الإذخر ) : هو نبت له رائحة طيبة معروفة . وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - في جواب العباس وقد سأله عن الإذخر إلا الإذخر دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فُوِّضت إليه أحكام فكان يحكم فيها باجتهاده ، واستيفاء المسألة في الأصول . وقد يورد على هذا أن يقال : إذا كانت مكة مما حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فكيف لأحدٍ أن يحكم بحلِّيَّة شيء منها وقد حرَّمه الله ؟ والجواب أن الذي حرَّمه الله هو ما عدا المستثنى جملة ؛ لأنه لما جعل لنبيه التخصيص مع علمه بأنه يخصّص كذا ، فالمحكوم به لله تعالى هو ما عدا ذلك المخصَّص ، والله تعالى أعلم .