[49] 1412 - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ . ( 6 ) بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَلَا يَخْطُبُ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ : لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ . هَذِهِ الْأَحَادِيثُ ظَاهِرَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِهَا إِذَا كَانَ قَدْ صُرِّحَ لِلْخَاطِبِ بِالْإِجَابَةِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ ، وَلَمْ يَتْرُكْ . فَلَوْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَتِهِ ، وَتَزَوَّجَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَصَى ، وَصَحَّ النِّكَاحُ ، وَلَمْ يُفْسَخْ . هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ دَاوُدُ : يُفْسَخُ النِّكَاحُ . وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ : يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ . أَمَّا إِذَا عُرِّضَ لَهُ بِالْإِجَابَةِ وَلَمْ يُصَرَّحْ فَفِي تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَتِهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَصَحُّهُمَا لَا يَحْرُمُ . وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : لَا يَحْرُمُ حَتَّى يَرْضَوْا بِالزَّوْجِ وَيُسَمَّى الْمَهْرُ ، وَاسْتَدَلُّوا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا هُوَ إِذَا حَصَلَتِ الْإِجَابَةُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَإِنَّهَا قَالَتْ : خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ ، فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِطْبَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، بَلْ خَطَبَهَا لِأُسَامَةَ . وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ فَيُقَالُ : لَعَلَّ الثَّانِي لَمْ يَعْلَمْ بِخِطْبَةِ الْأَوَّلِ ، وَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ بِأُسَامَةَ لَا أَنَّهُ خَطَبَ لَهُ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْخِطْبَةَ رَغْبَةً عَنْهَا ، وَأَذِنَ فِيهَا ، جَازَتِ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ ، وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ التَّحْرِيمِ بِمَا إِذَا كَانَ الْخَاطِبُ مُسْلِمًا ، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا تَحْرِيمَ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ . وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الْكَافِرِ أَيْضًا ، وَلَهُمْ أَنْ يُجِيبُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِأَخِيهِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ يَعْمَلُ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ وَنَظَائِرِهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ وَعُمُومُهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَاطِبِ الْفَاسِقِ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمَالِكِيُّ : تَجُوزُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الْفَاسِقِ . وَ ( الْخِطْبَةُ ) فِي هَذَا كُلِّهِ بِكَسْرِ الْخَاءِ ، وَأَمَّا ( الْخُطْبَةُ ) فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَبَيْنَ يَدَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ فَبِضَمِّهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا يَسُمْ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، وَلَا تَنَاجَشُوا ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ) فَسَيَأْتِي شَرْحُهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ · ص 542 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب النهي عن خِطْبَةِ الرجل على خِطْبَةِ أخيه · ص 106 ( 6 ) باب النهي عن خِطْبَةِ الرجل على خِطْبَةِ أخيه وعن الشغار وعن الشرط في النكاح ( 1412 ) [1465] عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ . ( 6 ) ومن باب : النهي عن خِطْبَةِ الرجل على خِطْبَةِ أخيه الخِطْبة - بالكسر - : هي استدعاء التزويج والكلام فيه ، يقال منه : خطبت المرأة خطبة - بالكسر - : طلبتها منه . والْخُطْبة - بالضم - : هي كلام الخطباء . ومن كلام علمائنا : تستحب الْخُطبةُ - بالضّم - عند الخِطْبة - بالكسر - . وهذه الأحاديث التي جاء فيها النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه ظاهرها العموم ، لكن قد خصَّصها أصحابنا بحديث فاطمة بنت قيس الذي يأتي ذكره في الطلاق . وذلك : أنها لَمّا انقضت عدتُها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية خطباني . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سيأتي ذِكْرُه . وهذا يدلّ : على جواز الخِطبة على الخِطبة ، لكن جمعَ أئمتنا بين الحديثين بأن حملوا النهي على ما إذا تقاربا وتراكنا . وحملوا حديث الجواز على ما قبل ذلك . وهي طريقة حسنة ؛ فإن فيها إعمال كل واحد من الحديثين ، ومراعاة للمعنى . فإن المفسدة إنما تحصل بتأكد التراكن . واختلف أصحابنا في التراكن . فقيل : هو مجرّد الرِّضا بالزوج ، والميل إليه ، وقيل : بتسمية الصَّداق . وهذا عند أصحابنا محمول على ما إذا كانا شكلين . قال ابن القاسم : لا أرى الحديث إلا في الرجلين المتقاربين ، فأمَّا صالِحٌ وفاسقٌ فلا . قال ابن العربي : لا ينبغي أن يختلف في هذا . وقال الشافعي : إنما النهي فيما إذا أذنت المرأة لوليها أن ينكحها من رجل مُعيَّن . قلت : وهذا فيه بُعدٌ ، فإنه حمل العموم الذي قُصِد به تقعيد قاعدة على صورة نادرة . وهذا مثل ما أنكره الشافعي على أبي حنيفة ؛ إذ حمل قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا نكاح إلا بولي ) على المكاتبة . وتحقيقه في الأصول . والقول في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يبع أحدكم على بيع أخيه ) محمول على مثل ما تقدّم في قوله : ( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ) . وقد حمله بعض العلماء على ظاهره وعمومه ، حتى كره بيع المزايدة خوفًا من الوقوع في ذلك . وهذا ليس بصحيح ؛ لأن الله تعالى قد أحل البيع مطلقا ، وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه بيع المزايدة على ما في كتاب أبي داود : فأخذ في يده حِلْسًا وقَدَحًا كانا لرجل سأله صدقة ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( من يشتري مني هذا بدرهم ؟ ) وقال رجل : هو لي بدرهم . فقال : ( من يشتري مني هذا بدرهمين ؟ ) فقال آخر : هو لي بدرهمين . فباعه منه ، ثم دفعهما لصاحب الحِلْسِ والقدح . وسيأتي الحديث في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى . فإذا طرح بيع المزايدة عن المنع ، فلم يبق إلا أن يحمل على ما إذا تقاربا وتراكنا . واختلف فيما إذا وقعت الخِطبة على الخِطبة ، والبيع على البيع . فذهب جُلُّ أصحابنا ، والكوفيون إلى إمضاء العقد . وذهب داود وبعض أصحابنا إلى فسخه . وقد رُوِيَ القولان لمالك والشافعي على ما شرح من مذهبه . وقول ثالث في النكاح : الفسخ فيه قبل البناء ، والإمضاء بعده . وهو لأصحابنا . ولا خلاف في أن فاعل ذلك عاصٍ ، آثم . و( قوله : لا يبع ) و( لا يسم ) قد يصحُّ أن يحملا على معنى واحد . فيقال : سُمْت ؛ بمعنى : بعت ، ويصحّ أن يحمل : سُمْتُ على اشتريت ، فيكونان متغايرين ؛ أعني : بعتُ ، وسمتُ . على أنَّ : بعتُ واشتريتُ يدخل كل واحد منهما على الآخر ؛ فيقال : بعتُه ؛ بمعنى : اشتريته ، وشريْتُه ؛ بمعنى : بِعْتُه . وكذلك : سُمْتُ . وسيأتي لهذا مزيد بيان في البيوع إن شاء الله تعالى .