[140] ( 1442 ) - وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ " . قَالَ مُسْلِم : " وَأَمَّا خَلَفٌ فَقَالَ عَنْ جُذَامَةَ الْأَسَدِيَّةِ ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ يَحْيَى بِالدَّالِ " . ( 24 ) بَاب جَوَازِ الْغِيلَةِ " وَهِيَ وَطْءُ الْمُرْضِعِ " وَكَرَاهَةِ الْعَزْلِ قَوْلُهُ : ( عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ) ذَكَرَ مُسْلِمٌ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهَا هَلْ هِيَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَمْ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بِالدَّالِ . يَعْنِي الْمُهْمَلَةَ ، وهَكَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا بِالْمُهْمَلَةِ . وَالْجِيمُ مَضْمُومَةٌ بِلَا خِلَافٍ . وَقَوْلُهُ ( جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبٍ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبٍ أُخْتُ عُكَّاشَةَ ) ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهَا أُخْتُ عُكَّاشَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ مِحْصَنٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ أُخْتُ رَجُلٍ آخَرَ يُقَالُ لَهُ عُكَّاشَةُ بْنُ وَهْبٍ لَيْسَ بِعُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْمَشْهُورِ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : هِيَ جُدَامَةُ بِنْتُ جَنْدَلٍ هَاجَرَتْ . قَالَ : وَالْمُحَدِّثُونَ قَالُوا فِيهَا : جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبٍ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي . وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةُ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْمَشْهُورِ الْأَسَدِيِّ ، وَتَكُونُ أُخْتَهُ مِنْ أُمِّهِ وَفِي ( عُكَّاشَةَ ) لُغَتَانِ سَبَقَتَا فِي كِتَابِ الْإِيْمَانِ : تَشْدِيدُ الْكَافِ وَتَخْفِيفُهَا وَالتَّشْدِيدُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : ( الْغِيلَةُ ) هُنَا بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَيُقَالُ لَهَا : الْغَيْلُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ ( وَالْغِيَالُ ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ : ( الْغَيْلَةُ ) بالِفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهِيَ الِاسْمُ مِنَ الْغِيلِ . وَقِيلَ : إِنْ أُرِيدَ بِهَا وَطْءُ الْمُرْضِعِ جَازَ الْغِيلَةُ وَالْغَيْلَةُ ، بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْغِيلَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ الْغَيْلُ ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ : أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعٌ . يُقَالُ مِنْهُ : أَغَالَ الرَّجُلُ وَأَغْيَلَ : إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : هُوَ أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ . يُقَالُ مِنْهُ : غَالَتْ وَأَغْيَلَتْ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : سَبَبُ هَمِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا أَنَّهُ يَخَافُ مِنْهُ ضَرَرَ الْوَلَدِ الرَّضِيعِ . قَالُوا : وَالْأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ : إِنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ دَاءٌ وَالْعَرَبُ تَكْرَهُهُ وَتَتَّقِيهِ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْغِيلَةِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا ، وَبَيَّنَ سَبَبَ تَرْكِ النَّهْيِ وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَهُ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْأُصُولِ . وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب جَوَازِ الْغِيلَةِ وَهِيَ وَطْءُ الْمُرْضِعِ وَكَرَاهَةِ الْعَزْلِ · ص 15 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع وذكر الغيل · ص 173 ( 1442 ) ( 140 و141 ) [1503] وعَنْ عَائِشَةَ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ ، حَتَّى ذَكَرْتُ أَن الروم وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ . وفي رواية : ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ . و( جُدامة الأسديَّة ) رويناه بالدال المهملة . وهكذا قاله مالك ، وهو الصواب . قال أبو حاتم : الْجُدامة : ما لم يندق من السُّنبل . قال غيره : هو ما يبقى في الغِرْبال من نَصية . وقال غير مالك بالذال المنقوطة . وهو من : الجذم ؟ الذي هو القطع . وهي : جُدامة بنت وهب بن محصن الأسديَّة ، تكنى : أم قيس ؛ وهي ابنة أخي عكَّاشة بن محصن . أسلمت عام الفتح . و( قوله : لقد هممت أن أنهى عن الغِيلة )- بكسر الغين لا غير- وهي الاسم من الغَيْل . وإذا دخلت عليه الهاء فليس إلا الكسر ، وإذا حُذفت الهاء فليس إلا الفتح في الغين . وقال بعضهم : يقال : الغَيلة - بالفتح - للمرة الواحدة من الغَيْل . وللغويين في تفسيرها قولان : أحدهما : أن الغِيلة هي : أن يجامع الرَّجل امرأته وهي تُرضع . حُكي معناه عن الأصمعي . يقال منه : غال الرَّجل المرأةَ ، وأغالها ، وأغيلها . وثانيهما : أنَّها أن تُرضع المرأة وهي حامل . يقال منه : غالت ، وأغالت ، وأغيلت ؛ قاله ابن السِّكِّيت . قلت : والحاصل : أن كل واحد منهما يقال عليه : ( غيلة ) في اللغة ، وذلك : أن هذا اللفظ كيفما دار إنما يرجع إلى الضرر ، والهلاك ؛ ومنه تقول العرب : غالني أمرُ كذا ؛ أي : أضرَّ بي . وغالته الغول ؛ أي : أهلكته . وكلُّ واحدة من الحالتين المذكورتين مضرَّة بالولد . ولذلك يصح أن تحمل الغيلة في الحديث على كل واحد منهما . فأمَّا ضرر المعنى الأول : فقالوا : إن الماء - يعني : المني - يغيلُ اللَّبن ؛ أي : يفسده . ويُسأل عن تعليله أهل الطبِّ . وأمَّا الثاني : فضرره بيِّنٌ محسوسٌ . فإن لبن الحامل داءٌ وعلَّة في جوف الصبي ، يظهر أثره عليه . ومراده صلى الله عليه وسلم بالحديث : المعنى الأول ، دون الثاني ؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى نظر في كونه يضرُّ الولد ؛ حتى احتاج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن ينظر إلى أحوال غير العرب ؛ الذين يصنعون ذلك . فلمَّا رأى أنَّه لا يضرُّ أولادهم لم يَنْه عنه . وأمَّا الثاني : فضرره معلومٌ للعرب وغيرهم ، بحيث لا يحتاج إلى نظر ، ولا فكر . وإنما هَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الغيلة لما أكثرت العرب من اتقاء ذلك ، والتحدُّث بضرره ، حتى قالوا : إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه . وقد روي ذلك مرفوعًا من حديث أسماء ابنة يزيد ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه ) . ذكره ابن أبي شيبة . ثم لما حصل عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يضرّ أولاد العجم ؛ سوى بينهم وبين العرب في هذا المعنى ، فسوَّغه . فيكون حجة لمن قال من الأصوليين : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحكم بالرأي والاجتهاد . وقد تقدم ذلك .