[39] ( 1567 ) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ ، عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ . ( 9 ) بَاب تَحْرِيمِ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ السِّنَّوْرِ قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ) ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( شَرُّ الْكَسْبِ مَهْرُ الْبَغِيِّ ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ ) ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ ، فَقَالَ : زَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ) . أَمَّا ( مَهْرُ الْبَغِيِّ ) فَهُوَ مَا تَأْخُذُهُ الزَّانِيَةُ عَلَى الزِّنَا ، وَسَمَّاهُ مَهْرًا لِكَوْنِهِ عَلَى صُورَتِهِ ، وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا ( حُلْوَانُ الْكَاهِنِ ) فَهُوَ مَا يُعْطَاهُ عَلَى كِهَانَتِهِ . يُقَالُ مِنْهُ : حَلَوْتُهُ حُلْوَانًا إِذَا أَعْطَيْتُهُ . قَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ : أَصْلُهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ شُبِّهَ بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَأْخُذُهُ سَهْلًا بِلَا كُلْفَةٍ ، وَلَا فِي مُقَابَلَةِ مَشَقَّةٍ . يُقَالُ : حَلَوْتُهُ إِذَا أَطْعَمْتُهُ الْحُلْوَ ، كَمَا يُقَالُ : عَسَلْتُهُ إِذَا أَطْعَمْتُهُ الْعَسَلَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَيُطْلَقُ الْحُلْوَانُ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ هَذَا . وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مَهْرَ ابْنَتِهِ لِنَفْسِهِ ، وَذَلِكَ عَيْبٌ عِنْدَ النِّسَاءِ . قَالَتِ امْرَأَةٌ تَمْدَحُ زَوْجَهَا : لَا يَأْخُذُ الْحُلْوَانَ عَنْ بَنَاتِنَا . قَالَ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ حُلْوَانِ الْكَاهِنِ ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مُحَرَّمٍ ، وَلِأَنَّهُ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ أُجْرَةِ الْمُغَنِّيَةِ لِلْغِنَاءِ ، وَالنَّائِحَةِ لِلنَّوْحِ . وَأَمَّا الَّذِي جَاءَ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنَ النَّهْيِ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ فَالْمُرَادُ بِهِ كَسْبُهُنَّ بِالزِّنَا وَشِبْهِهِ لَا بِالْغَزْلِ وَالْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهِمَا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : وَيُقَالُ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ الشِّنْعُ وَالصِّهْمِيمُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَحُلْوَانُ الْعَرَّافِ أَيْضًا حَرَامٌ . قَالَ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ أَنَّ الْكَاهِنَ إِنَّمَا يَتَعَاطَى الْأَخْبَارَ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ ، وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ ، وَالْعَرَّافُ هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأُمُورِ . هَكَذَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ ، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا فَقَالَ : إِنَّ الْكَاهِنَ هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مُطَالَعَةَ عِلْمِ الْغَيْبِ ، وَيُخْبِرُ النَّاسَ عَنِ الْكَوَائِنِ . قَالَ : وَكَانَ فِي الْعَرَبِ كَهَنَةٌ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنَ الْأُمُورِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رُفَقَاءَ مِنَ الْجِنِّ وَتَابِعَةٌ تُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ يَسْتَدِرْكُ الْأُمُورَ بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُسَمَّى عَرَّافًا وَهُوَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَابٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا كَالشَّيْءِ يُسْرَقُ فَيَعْرِفُ الْمَظْنُونَ بِهِ السَّرِقَةُ ، وَتُتَّهَمُ الْمَرْأَةُ بِالرِّيبَةِ فَيَعْرِفُ مَنْ صَاحِبُهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُسَمِّي الْمُنَجِّمَ كَاهِنًا قَالَ : وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِ الْكُهَّانِ يَشْتَمِلُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ ، وَعَلَى النَّهْيِ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ وَالرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدْعُو الطَّبِيبَ كَاهِنًا ، وَرُبَّمَا سَمَّوْهُ عَرَّافًا ، فَهَذَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي النَّهْيِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي آخِرِ كِتَابِهِ ( الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ) : وَيَمْنَعُ الْمُحْتِسَبُ مَنْ يَكْتَسِبُ بِالْكِهَانَةِ وَاللَّهْوِ ، وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ الْآخِذَ وَالْمُعْطِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَوْنِهِ مِنْ شَرِّ الْكَسْبِ وَكَوْنِهِ خَبِيثًا فَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، وَلَا يَحِلُّ ثَمَنُهُ ، وَلَا قِيمَةَ عَلَى مُتْلِفِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُعَلَّمًا أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ أَمْ لَا ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ بَيْعُ الْكِلَابِ الَّتِي فِيهَا مَنْفَعَةٌ ، وَتَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَى مُتْلِفِهَا . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ جَوَازَ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ دُونَ غَيْرِهِ . وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَاتٌ إِحْدَاهَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَلَكِنْ تَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَى مُتْلِفِهِ . وَالثَّانِيَةُ يَصِحُّ بَيْعُهُ ، وَتَجِبُ الْقِيمَةُ . وَالثَّالِثَةُ لَا يَصِحُّ ، وَلَا تَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَى مُتْلِفِهِ . دَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( إِلَّا كَلْبًا ضَرِيًّا ) وَأَنَّ عُثْمَانَ غَرَّمَ إِنْسَانًا ثَمَنَ كَلْبٍ قَتَلَهُ عِشْرِينَ بَعِيرًا ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ التَّغْرِيمُ فِي إِتْلَافِهِ فَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَحْرِيمِ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ السِّنَّوْرِ · ص 177 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب النهي عن ثمن الكلب والسنور وحلوان الكاهن وكسب الحجام · ص 443 ( 21 ) باب النهي عن ثمن الكلب ، والسنور ، وحلوان الكاهن ، وكسب الحجام ( 1567 ) [1658] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . ( 21 ) ومن باب : النهي عن ثمن الكلب ( قوله : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ) وفي الحديث الآخر : ( وثمن الكلب خبيث ) ظاهرٌ في تحريم بيع الكلاب كلها ، ولا شك في تناول هذا العموم لغير المأذون فيه منها ، لأنها إمَّا مضرّة ؛ فيحرم اقتناؤها ، فيحرم بيعها . وإما غير مضرة ، فلا منفعة فيها . وأما المأذون في اتخاذها : فهل تناولها عموم هذا النهي ، أم لا ؟ فذهب الشافعي ، والأوزاعي ، وأحمد : إلى تناوله لها . فقالوا : إن بيعها محرّم ، ويفسخ إن وقع ، ولا قيمة لما يقتل منها ، واعتضد الشافعي لذلك : بأنها نجسة عنده . ورأى أبو حنيفة : أنه لا يتناولها ؛ لأن فيها منافع مباحة يجوز اتخاذها لأجلها ، فتجوز المعاوضة عليها ، ويجوز بيعها . وجل مذهب مالك على جواز الاتخاذ ، وكراهية البيع ، ولا يفسخ إن وقع . وقد قيل عنه مثل قول الشافعي . وقال ابن القاسم : يكره للبائع ، ويجوز للمشتري للضرورة . وكأن مالكا رحمه الله في المشهور : لما لم يكن الكلب عنده نجسًا ، وكان مأذونًا في اتخاذه لمنافعه الجائزة ؛ كان حكمه حكم جميع المبيعات . لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها ؛ لأنَّه ليس من مكارم الأخلاق . فإن قيل : فقد سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين ثمن الكلب ، وبين مهر البغي ، وحلوان الكاهن في النهي عنها . والمهر والحلوان محرمان بالإجماع ، فليكن ثمن الكلب كذلك . فالجواب : إنَّا كذلك نقول . لكنه محمولٌ على الكلب الغير مأذون فيه . ولئن سلمنا : أنَّه متناول للكل ، لكن هذا النهي ها هنا قصد به القدر المشترك الذي بين التحريم والكراهة ؛ إذ كل واحد منهما منهي عنه . ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر ، كما قد اتفق هنا فإنا إنما علمنا تحريم مهر البغي ، وحلوان الكاهن بالإجماع ، لا بمجرد النهي سلمنا ذلك ، لكنا لا نسلم : أنه يلزم من الاشتراك في مجرد العطف الاشتراك في جميع الوجوه ؛ إذ قد يعطف الأمر على النهي ، والإيجاب على النفي . وإنما ذلك في محل مخصوص ، كما بيناه في أصول الفقه .