[ 133 ] 1608 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ح . وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ . [ 134 ] - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ : أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . [ 135 ] - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ . ( 28 ) بَاب الشُّفْعَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ : رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ) . وَفِي رِوَايَةٍ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ ) . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الشُّفْعَةُ مِنْ شَفَعْتُ الشَّيْءَ إِذَا ضَمَمْتُهُ وَثَنَيْتُهُ ، وَمِنْهُ شَفَعَ الْأَذَانَ ، وَسُمِّيَتْ شُفْعَةً لِضَمِّ نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبٍ . وَالرَّبْعَةُ وَالرَّبْعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ ، وَالرَّبْعُ : الدَّارُ الْمَسْكَنُ وَمُطْلَقُ الْأَرْضِ ، وَأَصْلُهُ الْمَنْزِلُ الَّذِي كَانُوا يَرْتَبِعُونَ فِيهِ ، وَالرَّبْعَةُ تَأْنِيثُ الرَّبْعِ ، وَقِيلَ وَاحِدَةٌ وَالْجَمْعُ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْجِنْسِ رَبَعٌ كَثَمَرَةٍ وَثَمَرٍ . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ فِي الْعَقَارِ مَا لَمْ يُقْسَّمْ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْحِكْمَةُ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِيكِ ، وَخُصَّتْ بِالْعَقَارِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّبات وَالْأَمْتِعَةِ وَسَائِرِ الْمَنْقُولِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَشَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَأَثْبَتَ الشُّفْعَةَ فِي الْعُرُوضِ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ عَطَاءٍ ، وَتَثْبُتُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الثَّوْبِ ، وَكَذَا حَكَاهَا عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ : أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الْحَيَوَانِ وَالْبِنَاءِ الْمُنْفَرِدِ ، وَأَمَّا الْمَقْسُومُ فَهَلْ تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ بِالْجِوَار ؟ فِيهِ خِلَافٌ . مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ لَا تَثْبُتُ بِالْجِوَارِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَأَبِي الزِّيَادِ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : تَثْبُتُ بِالْجِوَارِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا فِي عَقَارٍ مُحْتَمِلٍ لِلْقِسْمَةِ ، بِخِلَافِ الْحَمَّامِ الصَّغِيرِ ، وَالرَّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا مَنْ يَقُولُ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ ) فَهُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَالذِّمِّيَّ . هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَأَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - : لَا شُفْعَةَ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ . وَفِيهِ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ لِلْأَعْرَابِيِّ كَثُبُوتِهَا لِلْمُقِيمِ فِي الْبَلَدِ . وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْجُمْهُورُ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : لَا شُفْعَةَ لِمَنْ لَا يَسْكُنُ بِالْمِصْرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ " وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ) فَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى النَّدْبِ إِلَى إِعْلَامِهِ ، وَكَرَاهَةِ بَيْعِهِ قَبْلَ إِعْلَامِهِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَيَتَأَوَّلُونَ الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا ، وَيَصْدُقُ عَلَى الْمَكْرُوهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَلَالٍ ، وَيَكُونُ الْحَلَالُ بِمَعْنَى الْمُبَاحِ ، وَهُوَ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ . وَالْمَكْرُوهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ بَلْ هُوَ رَاجِحُ التَّرْكِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا لَوْ أَعْلَمَ الشَّرِيكَ بِالْبَيْعِ فَأَذِنَ فِيهِ فَبَاعَ ثُمَّ أَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرُهُمْ : لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ ، وَقَالَ الْحَكَمُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : لَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الشُّفْعَةِ · ص 220 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الشفعة · ص 523 ( 36 ) باب الشفعة ( 1608 ) [1700] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَ لَمْ يُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . وفي رواية : مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ . وفي أخرى : الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ ، أَوْ رَبْعٍ ، أَوْ حَائِطٍ . وذكر نحو الأول . ( 36 ) ومن باب : الشفعة ( قوله : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشُّفعة في كل شرك لم يُقْسَم ) أي : حكم ، وألزم . والشُّفعة في اللغة : هي الضم ، والجمع ، كما قدمناه في الإيمان . وهي في عرف الشرع : أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه من المشتري بما اشتراه به ، وهي حق للشريك على المشتري ، فيجب عليه أن يُشْفِعَهُ ، ولا يحل له الامتناع من ذلك . و( الشرك ) : النصيب المشترك . وقد يقال على الشريك ، كقوله تعالى : جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ؛ أي : شريكًا . ويدل على أن الشفعة إنما تستحق بالاشتراك في رقبة الملك ، لا باستحقاق منفعة في الملك ، كممر طريق ، ومسيل ماء ، واستحقاق سكنى ؛ لأن كل ذلك ليس بشرك . و( قوله : لم يقسم ) يفيد أن الشفعة لا تجب إلا بالجزء المشاع ؛ الذي يتأتى إفرازه بالقسمة ، فلا تجب فيما لا ينقسم ، كالحمَّام ، والرَّحا ، وفحل النخل ، والبئر ، وما أشبه ذلك مما لا ينقسم . وأعني بكونه لا ينقسم : أنه لو قسم لبطلت المنفعة المقصودة منه قبل القسم . كالحمَّام إذا قسم بطل كونه حمامًا ، وكذلك الرَّحا . وهذا هو مشهور المذهب . وقيل : تجري الشفعة في ذلك لأنه وإن بطل كونه حمامًا فيصح أن ينقسم بيوتًا مثلاً ، أو دكاكين . والظاهر الأول ، وهو قول ابن القاسم ؛ لأنه يلزم من قسمه إفساد مالية عظيمة ، وذلك ضرر عظيم فيدفع . و( قوله : رَبْعَة ، أو حائط ، أو أرض ) الرواية الصحيحة فيه بخفض ربعة وما بعده على البدل من : ( كل شرك ) فهو تفسير له ، وتقييد . والرَّبعة : تأنيث الرَّبع . وهو : المنزل . ويجمع ربوعًا ، وإنما قيل للمنزل ربع ؛ لأن الإنسان يربع فيه ؛ أي : يقيم . يقال : هذه ربع ، وهذه ربعة . كما يقال : دار ، ودارة . والحائط : بستان النخل . والأرض يعني بها : البراح الذي لا سكن فيها ولا شجر ، وإنما هي معدَّة للزراعة . وقد دلَّ هذا الحديث : على أن الشفعة إنما تستحق في العقار المشترك الذي يقبل القسمة . وهذا هو المحل المتفق على وجوب الشفعة فيه . واختلف فيما عدا ذلك . فذهب بعض المكيين إلى وجوبها في كل شيء من العقار ، والحيوان ، والعروض ، والأطعمة . وإليه ذهب عطاء في إحدى الروايتين عنه معتمدًا في ذلك على ما خرَّجه الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعًا : ( الشريك شفيع ، والشفعة في كل شيء ) . وروى الطحاوي نحوه مرفوعًا ، ومُتمسِّكًا في ذلك بقياس غير العقار عليه ، بعلِّة وجود الاشتراك ، ولا حجة في ذلك ؛ لأن الحديث ليس بصحيح الإسناد . وإنما صحيحه مرسل ، ولو سلمنا صحته ، لكنه مقيّد بما ذكرناه من قوله : ( ربعة ، أو حائط ، أو أرض ) . ومثل هذا التقييد متفق على قبوله عند أهل الأصول ؛ لأنه قد اتفق فيه الموجب والموجب ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الشفعة فيما لم يقسم : ربعة ، أو حائط ، أو أرض ) . فأتى بـ ( إنَّما ) التي هي للحصر . وهو أيضًا مفهوم من الألف واللام في قوله : ( الشفعة فيما لم يقسم ) وبدليل : زيادة البخاري في هذا الحديث : ( فإذا ضربت الحدود ، وصرفت الطرق فلا شفعة ) وهذا نصٌّ في أن الشفعة مخصوصة بما ذكر في ذلك الحديث . وأما ذلك القياس : فليس بصحيح لوجود الفرق بين الفرع والأصل ، فإن الأصل الذي هو العقار يعظم الضرر فيه على الشريك بمشاركة الأجنبي له ، ومخالطته ، فقد يؤذيه ، ولا يقدر على التخلص منه لصعوبة بيع العقار ، وتعذر ذلك في أكثر الأوقات ، وليست كذلك العروض ، وما ينقل ويحوَّل ، فإن الانفصال عن الشركة فيه يسير لسهولة بيعها ، والخروج عنها في كل الأوقات ، وأكثر الحالات ؛ فانفصلا ، فلا يصح القياس . وإذا ثبت : أن الشفعة شرعت لرفع الضرر الكثير اللازم . فهل الوصفان جزءا علَّة ، فلا تجري الشفعة إلا فيما اجتمعا فيه ، أو يكون كل واحد منهما علّة مستقلة ؟ فيه احتمال . وعليه ينبني الخلاف الذي عند أصحابنا في الشفعة في الثمرة ، والدِّيون ، وكتابة المكاتب ، والكراء ، والمساقاة . فإن الضرر فيها يعظم ، وإن لم يلازم . فمن رأى أنه علَّة مستقلة أوجب الشفعة ، ومن رأى أن العلَّة مجموع الوصفين منعها في ذلك كله . وذهب الشعبي : إلى أنه لا شفعة في مشاع لا يسكن . وقال ابن شعبان مثله عن مالك . فلا شفعة على هذا في أرض ، ولا عقار يتخذ للغلَّة . وهو مخالف للحديث المتقدم . فإنه قد نص فيه على الحائط . وهذا المتخذ للغلَّة . وعلى الأرض ، وهي تراد للزراعة . والصحيح : الأول . وذهب الجمهور : إلى أن الشفعة لا تجب في الجوار ؛ وهو مذهب عمر ، وعلي ، وعثمان ، ومن بعدهم ، كسعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، وربيعة ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وذهب أبو حنيفة والكوفيون : إلى أنه تجب به الشفعة ، وبه قال ابن مسعود . وسببهما معارضة حديثين صحيحين : أحدهما : حديت جابر المتقدم . وقد خرَّجه البخاري . ولفظه فيه : ( الشفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود ، وصرفت الطرق ، فلا شفعة ) . وثانيهما : خرَّجه البخاري عن أبي رافع قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( الجار أحق بصقبه ) . وقد خرَّجه الترمذي من حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الجار أحق بشفعته ، ينتظر إن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا ) . وقد تأوَّل بعض العلماء ( الجار ) في حديث البخاري بأنَّه الشريك ، كما قد تأول بعضهم : أن ( الصقب ) المذكور فيه حق الجوار ، كما قال في الحديث الآخر : أن رجلا قال : يا رسول الله ! إن لي جارين . فإلى أيُّهما أُهدي ؟ قال : ( إلى أقربهما منك بابا ) . وهذان التأويلان فيهما بُعْدٌ . فإن حديث الترمذي ينصّ على خلاف ذلك . وأشبه ما يقال في ذلك - فيما يظهر لي - : إن حديث جابر الأول أرجح ، لما قارنه من عمل الخلفاء ، وجمهور العلماء ، وأهل المدينة ، وغيرهم ، والله تعالى أعلم . وأيضًا فإن أحاديث الجمهور مشهورة متفق على صحتها . وأحاديث الكوفيين ليست بمنزلتها في ذلك ، فهي أولى . تفريع : قال سفيان : الشريك أولى بالشفعة ، ثمَّ الجار الذي حدُّه إلى حدَّه . وقال أبو حنيفة : الشريك في الملك ، ثم الشريك في الطريق ، ثم الجار الملاصق ، ولا حق للجار الذي بينك وبينه الطريق . و( قوله : لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه ) وفي طريق أخرى : ( لا يصلح ) مكان : ( لا يحل ) . هو محمول على الإرشاد إلى الأولى ، بدليل قوله : ( فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به ) . ولو كان ذلك على التحريم لذمَّ البائع ، ولفسخ البيع ، لكنه أجازه وصحَّحه ، ولم يذمّ الفاعل ، فدلَّ على ما قلناه . وقد قال بعض شيوخنا : إن ذلك يجب عليه . و( قوله : فإن شاء أخذ ، وإن شاء ترك ) يعني : إن شاء أخذ الشقص بما أعطي به من الثمن ؛ لأنه أحق به بعد البيع ، فيكون له بما أعطي به من الثمن قبله . وفيه دليل : على أن من نزل عن الشفعة قبل وجوبها لزمه ذلك إذا وقع البيع ، ولم يكن له أن يرجع فيه . وبه قال الثوري ، وأبو عبيد ، والحكم . وهي إحدى الروايتين عن مالك ، وأحمد بن حنبل . وذهب مالك في المشهور عنه ، وأبو حنيفة ، وعثمان البتي ، وابن أبي ليلى : إلى أن له الرُّجوع في ذلك ، وهذا الخلاف جار في كل من أسقط شيئًا قبل وجوبه ، كإسقاط الميراث قبل موت المورث ، وإجازة الوارث الوصية قبل الموت ، وإسقاط المرأة ما يجب لها من نفقة وكسوة في السَّنة القابلة . ففي كل واحدة من تلك المسائل قولان . و( قوله : وإن باع فهو أحق به ) يعني : أن الشريك أحق به بالثمن الذي اشتراه به المشتري من عين أو عرض ، نقدا أو إلى أجل . وهو قول مالك وأصحابه . وذهب أبو حنيفة والشافعي : إلى أنَّه لا يشفع إلى الأجل ، وأنه إن شاء شفع بالنقد ، وإن شاء صبر إلى الأجل ، فيشفع عنده . واختلف أصحابنا إذا لم يعلم الشفيع إلا بعد حلول الأجل . هل يضرب له مثل ذلك الأجل ، أو يأخذه بالنقد ؛ على قولين . و( قوله : من كان له شرك ) عموم في المسلم وفي الذمِّي . وهو قول مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة . وحكي عن الشعبي ، والثوري : أنه لا شفعة للذمِّي ؛ لأنه صاغر . وهو قول أحمد . والصواب : الأول للعموم ، ولأنَّه حق جرى بسببه ، فيترتب عليه حكمه من استحقاق طلبه وأخذه ، كالدَّين ، وأرش الجناية . و( قوله في حديث البخاري : فإذا وقعت الحدود ، وصرفت الطرق فلا شفعة ) حجة للجمهور على الكوفيين القائلين بوجوب الشفعة لجار الدار . وقد ذهب بعض شيوخنا : إلى أن حديث الترمذي في شفعة الجار محمول على الندب ، لا على الوجوب . قلت : أحاديث الشفعة إنما جاءت في انتقال الملك بالبيع ، ويلحق به ما في معناه من المعاوضات ، كدفع الشَّقص في صداق ، أو أجرة ، أو أرش جناية ، وما أشبه ذلك . فهذا فيه الشفعة . ولا ينبغي أن يختلف فيه ؛ لأنه من أقوى مراتب الإلحاق . وأما انتقال الملك بالميراث فلا شفعة فيه ؛ لأنه لا يصح إلحاقه بالمعاوضات ؛ لأنه انتقال في غير عوض ؛ ولا اختيار ، فلا شفعة فيه بوجه . وقد حكي الاتفاق على ذلك ، غير أنه قد انفرد الطابقي فحكى عن مالك : أنه رأى الشفعة في الميراث . وهو قول شاذّ ، منكر نقلاً ونظرًا . واختلف في المنتقل بالهبة ، والصدقة . هل فيه شفعة أو لا ؟ على قولين مشهورين . سببهما : تردّد الصدقة والهبة بين المعاوضات والميراث . فمن حيث إنه انتقال عن اختيار يشبه البيع ، ومن حيث إنه خلي عن العوض أشبه الميراث . والأولى - والله أعلم - إجراء الشفعة فيها ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( الشفعة في كل شرك لم يقسم ) ولم يفرق بين جهات الأملاك . وللحوق الضرر الشديد الملازم الداخل على الشريك اختيارًا . ولا يُرَدُّ الميراث ؛ لأنَّه ملك جبري ، لا اختيار فيه للمنتقل إليه ، والله تعالى أعلم .