[ 36 ] - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ح . وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ أَوْ وَلِيدَةٌ ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ ؛ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ : وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ . وَقَالَ : فَقَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ نَعْقِلُ ؟ وَلَمْ يُسَمِّ حَمَلَ بْنَ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( أَنَّهَا ضَرَبَتْهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ وَعَمُودٌ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا ، فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَلَا يَجِبُ فِيهِ قِصَاصٌ ، وَلَا دِيَةَ عَلَى الْجَانِي ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجَمَاهِيرِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ ، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ ) أَمَّا قَوْلُهُ : ( حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ ) فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ ، وَهُوَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ ، ( وَحَمَلٌ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ ) فَرُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يُطَلُّ بِضَمِّ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ، وَمَعْنَاهُ : يُهْدَرُ وَيُلْغَى وَلَا يُضْمَنُ ، وَالثَّانِي : بَطَلَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْبُطْلَانِ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُلْغَى أَيْضًا ، وَأَكْثَرُ نُسَخِ بِلَادِنَا بِالْمُثَنَّاةِ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ جُمْهُورَ الرُّوَاةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ضَبَطُوهُ بِالْمُوَحَّدَةِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : طُلَّ دَمُهُ بِضَمِّ الطَّاءِ ، وَأَطَلَّ ، أَيْ أَهْدَرَ ، وَأَطَلَّهُ الْحَاكِمُ وَطَلَّهُ : أَهْدَرَهُ ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ طَلَّ دَمُهُ بِفَتْحِ الطَّاءِ فِي اللَّازِمِ ، وَأَبَاهَا الْأَكْثَرُونَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( سَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ ) فَقَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا ذَمَّ سَجْعَهُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ عَارَضَ بِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ وَرَامَ إِبْطَالَهُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ تَكَلَّفَهُ فِي مُخَاطَبَتِهِ ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنَ السَّجْعِ مَذْمُومَانِ . وَأَمَّا السَّجْعُ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي الْحَدِيثِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهُ لَا يُعَارِضُ بِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ ، وَلَا يَتَكَلَّفُهُ ، فَلَا نَهْيَ فِيهِ ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ ) فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَعْضَ السَّجْعِ هُوَ الْمَذْمُومُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( إَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ ( امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ ) الْمَشْهُورُ كَسْرُ اللَّامِ فِي لِحْيَانَ ، وَرُوِيَ فَتْحُهَا . وَلِحْيَانُ : بَطْنٌ مِنْ هُذَيْلٍ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب دِيَةِ الْجَنِينِ وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي · ص 326 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب دية الخطأ على عاقلة القاتل وما جاء في دية الجنين · ص 59 ( 9 ) باب دية الخطأ على عاقلة القاتل ، وما جاء في دية الجنين 1681 - ( 36 و 37 و 38 ) [1772] عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ ، عَبْدٌ ، أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ ؟ ! فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ ، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ . وفي رواية : قال : فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دية المقتولة على عصبة القاتلة ، وغرة لما في بطنها . وفي أخرى : فقضى فيه بغرة ، وجعله على أولياء المرأة . ( 9 ) ومن باب : دية الخطأ على عاقلة القاتل وما جاء في دية الجنين ( قوله : اقتتلت امرأتان من هذيل - وفي أخرى - : من بني لحيان ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر ) . وفي حديث المغيرة : ضربتها بعمود فسطاط . لا تباعد بينهما ؛ إذ يحتمل أن تكون جمعت ذلك عليها ، فأخبر أحدهما بإحدى الآلتين ، والثاني بالأخرى . و( قوله : فقتلتها وما في بطنها ) ظاهر العطف بالفاء : أن القتل وقع عقب الضرب ، وليس كذلك لما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة - عبد أو وليدة - ثمَّ : إن المرأة توفيت ) ، وهذا نصٌّ في تأخر موتها عن وقت الضرب . وفي هذه الرواية أيضًا : بيان أن الجنين خرج ميتًا . والأولى محتملة لأن يكون خرج ، ولأن يكون لم يخرج ، لكنه مات ، وبينهما فرقان ، فإنَّه إذا مات في بطنها ولم يخرج فلا شيء فيه عند كافة العلماء ؛ لأنَّه لم تتحقق حياته ، ولأنَّه كالعضو منها ، ولم ينفصل عنها ، فلا شيء فيه . وأجمع أهل العلم : على أن في الجنين الذي يسقط من ضرب أمه حيًّا ، ثم يموت ؛ الدِّية كاملة في الخطأ وفي العمد بعد القسامة . وقيل : بغير قسامة ، لكن اختلفوا فيما به تُعلم حياته . وقد اتفقوا : على أنه إذا استهل صارخًا ، أو ارتضع ، أو تنفس نفسًا محققًا حي ، فيه الدِّية كاملة . واختلفوا فيما إذا تحرَّك . فقال الشافعي ، وأبو حنيفة : حركته تدل على حياته . وقال مالك : لا ؛ إلا أن يقارنها طول إقامة . وسببه اختلاف شهادة الحركة في الوجود للحياة . و( قوله : فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن دية جنينها غرة - عبد ، أو وليدة ) . قضى : حكم وألزم . و( غرة - عبد أو وليدة - ) روي : ( غرة ) - بالتنوين - ورفع ( عبدٌ ) على البدل . وروي بغير تنوين وخفض عبد بالإضافة . ومعناهما متفاوت وإن اختلف توجيههما النحوي . و( قوله : أو وليدة ) معطوف على ( عبد ) رفعًا وخفضًا . و( أو ) فيه للتنويع ، أو للتخيير ، لا للشكِّ . وكذلك فهمه مالك وغيره . ويعني بالوليدة : الأمَة . وقد جاء في بعض ألفاظه : ( أو أمة ) مكان : ( وليدة ) . وغرَّة المال : خياره . قال ابن فارس : غرة كل شيء : أكرمه وأنفسه . وقال أبو عمرو : معناه : الأبيض . ولذلك سميت : غرة . فلا يؤخذ فيها أسود . ولذلك : اختار مالك أن تكون من الْحُمر . ومقتضى مذهب مالك : أنَّه مخيَّر بين إعطاء غرة ، أو عُشْر دية الأمِّ ، من نوع ما يجري بينهم ؛ إن كانوا أهل ذهب فخمسون دينارًا ، أو أهل ورق فستمائة درهم ، أو خمس فرائض من الإبل . وقيل : لا يعطى من الإبل . وعلى هذا في قيمة الغرة الجمهور . وخالف الثوري ، وأبو حنيفة ، فقالا : الغرة خمسمائة درهم ؛ لأنَّ دية أمِّه عندهم خمسة آلاف درهم . وعمدة الجمهور في تقويم الغرَّة بما ذكر قضاء الصحابة بذلك . وذهب بعض السَّلف ؛ منهم : عطاء ، ومجاهد ، وطاووس : إلى غرة عبد ، أو وليدة ، أو فرس . وقال بعضهم : أو بغل . وقال ابن سيرين : عبد ، أو وليدة ، أو مائة شاة . ومتمسك هؤلاء ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنين بغرة عبد ، أو أمة ، أو فرس ، أو حمار ، أو بغل . وفي بعض طرقه : خمسمائة شاة . وهو وهْمٌ . وصوابه : مائة شاة . وفي مسند الحارث بن أبي أسامة : في الجنين غرَّة عبد ، أو أمة ، أو عشر من الإبل ، أو مائة شاة . خرَّجه من حديث حمل بن مالك . والصحيح : ما خرَّجه مسلم . وقال داود وأصحابه : كل ما وقع عليه اسم ( غرة ) يجزئ . وأقل سن الغرَّة عند الشافعي سبع سنين في أحد قوليه . وقد شذَّت شرذمة فقالوا : لا شيء في الجنين . وهي محجوجةٌ بكل ما تقدم في الباب ، وبإجماع الصحابة على أن فيه حكمًا ، وبحديث المغيرة الآتي بعده . و( قوله : فطرحت جنينها ) ، وفي اللفظ الآخر : ( سقط ميتًا ) . والجنين : اسم لما يجتنُّ في بطن المرأة [من الولد] . والمتفق على اعتباره من أحواله أن يزايل أُمَّه وهو تامُّ التصوير والتخطيط . واختلف فيما قبل ذلك من كونه : علقة ، أو مضغة ؛ هل يعتبر أم لا ؟ فعندنا وعند أبي حنيفة : يعتبر . وعند الشافعي : لا ، حتى يتبيَّن شيء من خلقه وتصويره ، ولا فرق بين أن يكون ذكرًا ، أو أنثى ؛ إذ كل واحد منهما يسمَّى جنينًا ، وكأن الشرع قصد بمشروعية الغرَّة في الجنين دفع الخصومة والتنازع . [كما قد فعل في باب المصرَّاة ، حيث قدر فيها الصاع من الطعام رفعًا للتنازع] وجبرًا للمتلف بما تيسَّر . وقد بالغت الصحابة في هذا المعنى ، حيث قدَّروا الغرَّة بخمسين دينارًا ، أو ستمائة درهم . والله تعالى أعلم . فإن زايل الجنين أمَّه بعد موتها ، فهل فيه غرَّة أم لا ؟ قولان : الأول : لربيعة ، والليث ، والزهري ، وأشهب ، وداود . والثاني : لمالك ، والشافعي ، وعامة العلماء . و( قوله : فقضى فيه بغرَّة ، وجعله على أولياء المرأة ) يعني : الضاربة . وهذا نصٌّ : في أن الغرة تقوم بها العاقلة . وبه قال الكوفيون ، والشافعي . وهو أحد قولي مالك . وقيل : على الجاني . وهو المشهور من قول مالك . وقاله أهل البصرة . واختلفوا : هل تلزمه الكفارة مع الغرَّة أم لا ؟ قولان . الأول لمالك . قلت : وهذه الأحاديثُ كلُّها إنَّما جاءت في جنين واحد ، انفصل من حرَّة مسلمة ميتًا . فلو خالف شيئًا من هذه القيود ففيه تفصيل . وذلك يعرف بمسائل : الأولى : لو ألقت أجنة لكان في كل جنين غرَّة . هذا قول الكافة ، ولا يعرف فيه خلاف . الثانية : لو ألقت بعضه فلا غرَّة فيه . وقال الشافعي : فيه الغرَّة . الثالثة : لو كان جنين أمة ففيه عشر قيمة أمَّه . هذا قول عامة أهل العلم . وذهب الثوري ، والنعمان ، وابن الحسن : إلى أن فيه عشر قيمته لو كان حيًّا ذكرًا كان أو أنثى . وذهب الحسن : إلى أن فيه نصف عشر ثمن أمَّه . وذهب سعيد بن المسيب : إلى أن فيه عشرة دنانير . وقال حمَّاد بن أبي سليمان : فيه حُكم . الرابعة : جنين الكتابية . وفيه عشر دية أمَّه ، ولا يحفظ فيه خلاف . الخامسة : من أعتق ما في بطن جاريته ، فضربها ضارب ، فطرحته ، فديته دية المملوك . وهو قول الزهري ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق . السادسة : إذا اختلف الجاني والمجني عليه ، فقال الجاني : طرحته ميتًا . وقال المجني عليه : بل حيًّا . فالقول قول الجاني . وبه قال الشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . السابعة : دية الجنين موروثة على كتاب الله تعالى . وقال الزهري والشافعي : إن كان الضارب هو الأب لم يرث من الغرَّة شيئًا . وقال الليث ، وربيعة : هي للأم خاصَّة . و( قول حمل بن النابغة : أنغرم من لا شربَ ، ولا أكلَ ، ولا نطقَ ، ولا استهلَ ) يدل : على أن عاقلة الجاني تحمل الغرَّة كما هو أحد القولين . و( قوله : فمثل ذلك يُطَلُّ ) رويناه بالياء باثنتين من تحتها ، بمعنى : يُهدر [ولا يطلب به] . ورويناه بالباء بواحدة من تحتها ، من البطلان ؛ أي : هو ممن ينبغي أن يبطل . والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد ؛ أي : هذا لا ينبغي فيه شيء . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إنَّما هذا من إخوان الكهَّان ) فسَّره الراوي : بقوله : من أجل سجعه ؛ يعني بذلك : أنه تشبَّه بالكهَّان ، فسجع كما يسجعون حين يخبرون عن المغيِّبات ، كما قد ذكر ابن إسحاق من سجع شقّ وسطيح وغيرهما . وهي عادةٌ مستمرَّة في الكهَّان . وقيل : إنما أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك السَّجع لأنه جاء به في مقابلة حكم الله مستبعدًا له ، ولا يذمُّ من حيث السَّجع ؛ [لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تكلم بكلام يشبه السجع] في غير ما موضع . وقيل : إنما أنكر عليه تكلّف الإسجاع على طرق الكهَّان وحوشية الأعراب . وليس بسجع فصحاء العرب ، ولا على مقاطعها . قلت : وهذا القول الأخير إنَّما يصحُّ أن يقال على قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أسجع كسجع الأعراب ) ، لا على قوله : ( إنَّما هذا من إخوان الكهَّان ) ، فتأمله . وحَمَل بن النابغة - بفتح الحاء المهملة والميم - . وقال فيه في الرواية الأخرى : حمل بن مالك . وهو هذلي من قبيل القاتلة . ولحيان : فخذ من هذيل ، [ولذلك صدق أن يقال على القاتلة : أنها هذلية لحيانية . ولحيان] يقال بفتح اللام وكسرها . قلت : وقد ذكر الحديث الحارث بن أبي أسامة عن أبي المليح مرسلًا قال : إن حمل بن مالك كانت له امرأتان : مليكة ، وأم عفيف ، فحذفت إحداهما الأخرى بحجر فأصابت قبلها ، فماتت ، وألقت جنينها ميِّتًا ، وذكر الحديث كنحو ما تقدم . وعلى هذا فكان حَمَلٌ زوجَ المقتولة والقاتلة ، وعاصبَ القاتلة ، ووالدَ الجنين . وحينئذ يكون قوله : أنغرم من لا شربَ ولا أكلَ ؛ دليل : على أنه غارم وليس بوارث . ولهذا قال الليث بن سعد ، وربيعة : إن الغرَّة للأمّ خاصة . ويحتمل : أن يكون معبِّرا عن العصبة دون نفسه ، مستبعدًا للحكم ، كما تقدم . والله تعالى أعلم . و( قوله : وقضى بدية المرأة على عاقلتها ) فيه تلفيف في الضمائر أزالته الرِّواية الأخرى ؛ التي قال فيها : ( فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة ) . وقد احتج بظاهر الحديث من رأى : أنه لا يستقاد ممن قتل بمثقل ، وإنَّما عليه الدِّية . وهم الحنفية . ولا حجَّة لهم في ذلك لما تقدم : من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أقاد ممن قتل بحجر ، كما تقدم في حديث اليهودي ، ولقوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ والمماثلة بالمثقَّل ممكنة ، ولإمكان كون هذا القتل خطأ أو شبه عمد [فاندفع القصاص بذلك] ، ولو سلّم : أنه كان عمدًا لكان ذلك برضا العصبة ، وأولياء الدَّم ، لا بالحكم ، وكل ذلك محتمل ، فلا حجَّة لهم فيه . وفيه ما يدل : على أن العاقلة تحمل الدِّية . وقد أجمع المسلمون : على أنَّها تحمل دية الخطأ ، وما زاد على الثلث . واختلفوا في الثلث . فقال الزهري : الثلث فدونه هو في مال الجاني ، [ولا تحمله العاقلة . وقال سعيد بن المسيب : الثلث فما زاد على العاقلة ، وما دون الثلث في مال الجاني] ، وبه قال مالك ، وعطاء ، وعبد العزيز بن أبي سلمة . وأمَّا ما دون الثلث فلا تحمله العاقلة عند من ذكر ، ولا عند أحمد . وقالت طائفة : عقل الخطأ على عاقلة الجاني ؛ قَلَّتْ الجنايةُ أو كثرت . وهو قول الشافعي . وقد تقدم في الدِّيات وانقسامها . فإن قيل : كيف ألزم العاقلة الدية ، والقتل عمدٌ ؟ والعاقلة لا تعقل عمدًا ، ولا صلحًا ، ولا اعترافًا . فالجواب : أن هذا الحديث خرَّجه النَّسائي من حديث حَمَل بن مالك . وقال فيه : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنينها بغرَّة ، وأن تقتل بها . وهو طريق صحيح . وهذا نصٌّ : في أنه قضى بالقصاص من القاتلة ؛ بخلاف الأحاديث المتقدمة ؛ فإن فيها : أنه قضى على العاقلة بالدِّية . ووجه التلفيق ؛ وبه يحصل [الجواب على] التحقيق : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بقتل القاتلة أولًا ، ثم إن العصبة ، والأولياء اصطلحوا : على أن التزم العصبة الدِّية ويعفو الأولياء . فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدِّية على العصبة لما التزموها . والله تعالى أعلم . و( قوله : وورثها عصبتها ومن معهم ) أعاد الضمير الأول على الدِّية ، والثاني على المقتولة . وعنى بالعصبة : بنيها ، وبمن معهم من الزوج . ولم يختلف : في أن الزوج يرث هنا من دية زوجته فرضه ، وإن كانوا قد اختلفوا فيه : هل يرث من دية الجنين ؟ على ما تقدم . والدِّية موروثة على الفرائض سواء كانت عن خطأ ، أو عن عمدٍ تعذَّر فيه القود . والذي يبين الحق في هذا الباب حديثان خرَّجهما الترمذي . أحدهما : عن سعيد بن المسيب . قال : قال عمر : الدِّية على العاقلة ، ولا ترث المرأة من زوجها شيئًا . فأخبره الضحَّاك بن سفيان الكلابي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إليه : أن ورث امرأة أشيم الضَّبابي من دية زوجها . وقال : هذا حديث حسن صحيح . وثانيهما : عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرَّة عبد أو أمة ، ثم إن المرأة التي قضى عليها بغرة توفيت ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بأن ميراثها لبنيها وزوجها ، وإن عقلها على عصبتها . ثمَّ حيث وجبت الدِّية على العاقلة ؛ فلا تؤخذ منهم حالَّة ، بل مُنجَّمة في ثلاث سنين . وهو قول عامَّة أهل العلم من السَّلف والخلف . وتوزع على الأحرار ، البالغين ، الأغنياء ، الذكور . فلا تؤخذ من عبدٍ ، ولا من صبي ، ولا من امرأة ، ولا من فقير بالإجماع على ما حكاه ابن المنذر . واختلفوا في قدْر ما يوزع على من يُطالَب بها . فقال الشافعي : من كثر ماله أخذ منه نصف دينار ، ومن كان دونه ربع دينار ، لا ينقص منه ، ولا يزاد عليه . وحكى أبو ثور عن مالك : أنه قال : على كل رجل ربع دينار . وبه قال أبو ثور . وقال أحمد : يحملون بقدر ما يطيقون . وقال أصحاب الرأي : ثلاثة دراهم ، [أو أربعة دراهم] . قلت : والقول ما قاله أحمد . فإن التحديد يحتاج إلى شرع جديد .