31 كِتَاب اللُّقَطَةِ [ 1 ] 1722 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ ، فَقَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا . قَالَ : فَضَالَّةُ الْغَنَمِ ؟ قَالَ : لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ . قَالَ : فَضَالَّةُ الْإِبِلِ ؟ قَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا . قَالَ يَحْيَى : أَحْسِبُ قَرَأْتُ : عِفَاصَهَا . كِتَابُ اللُّقَطَةِ هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي قَالَهَا الْجُمْهُورُ ، وَاللُّغَةُ الثَّانِيَةُ لُقْطَةٌ بِإِسْكَانِهَا ، وَالثَّالِثَةُ لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ ، وَالرَّابِعَةُ : لَقَطَةٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْقَافِ . قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ ، فَقَالَ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا . قَالَ : فَضَالَّةُ الْغَنَمِ ؟ قَالَ : لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ . قَالَ : فَضَالَّةُ الْإِبِلِ ؟ قَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( عَرِّفْهَا سَنَةً ، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ : لَا يَقَعُ اسْمُ الضَّالَّةِ إِلَّا عَلَى الْحَيَوَانِ ، يُقَالُ : ضَلَّ الْإِنْسَانُ وَالْبَعِيرُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَهِيَ الضَّوَالُّ ، وَأَمَّا الْأَمْتِعَةُ وَمَا سِوَى الْحَيَوَانِ فَيُقَالُ لَهَا : لُقَطَةٌ ، وَلَا يُقَالُ ضَالَّةٌ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ : يُقَالُ لِلضَّوَالِّ : الْهَوَامِي وَالْهَوَافِي ، وَاحِدَتُهَا : هَامِيَةٌ وَهَافِيَةٌ ، وَهَمَتْ وَهَفَتْ وَهَمَلَتْ : إِذَا ذَهَبَتْ عَلَى وَجْهِهَا بِلَا رَاعٍ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اعْرِفْ عِفَاصَهَا ) مَعْنَاهُ : تَعْرِفُ ؛ لِتَعْلَمَ صِدْقَ وَاصِفِهَا مِنْ كَذِبِهِ ، وَلِئَلَّا يَخْتَلِطُ بِمَالِهِ وَيَشْتَبِهُ ، وَأَمَّا ( الْعِفَاصُ ) فَبِكَسْرِ الْعَيْنِ وَبِالْفَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ : الْوِعَاءُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَيُطْلَقُ الْعِفَاصُ أَيْضًا عَلَى الْجِلْدِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى رَأْسِ الْقَارُورَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَالْوِعَاءِ لَهُ ، فَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ فِي فَمِ الْقَارُورَةِ مِنْ خَشَبٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٍ مَجْمُوعَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَهُوَ الصِّمَامُ بِكَسْرِ الصَّادِ ، يُقَالُ : عَفَصْتُهَا عَفْصًا إِذَا شَدَدْتُ الْعِفَاصَ عَلَيْهَا ، وَأَعْفَصْتُهَا إِعْفَاصًا إِذَا جَعَلْتُ لَهَا عِفَاصًا ، وَأَمَّا ( الْوِكَاءُ ) فَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْوِعَاءُ ، يُقَالُ : أَوَكَيْتُهُ إِيكَاءً فَهُوَ مُوكًى بِلَا هَمْزٍ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَشَأْنَكَ بِهَا ) هُوَ بِنَصْبِ النُّونِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَعَهَا سِقَاؤُهَا ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهَا تَقْوَى عَلَى وُرُودِ الْمِيَاهِ ، وَتَشْرَبُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ وَتَمْلَأُ كِرْشَهَا ، بِحَيْثُ يَكْفِيهَا الْأَيَّامَ . وَأَمَّا ( حِذَاؤُهَا ) فَبِالْمَدِّ ، وَهُوَ : أَخْفَافُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَقْوَى بِهَا عَلَى السَّيْرِ وَقَطْعِ الْمَفَاوِزِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : جَوَازُ قَوْلِ : رَبُّ الْمَالِ ، وَرَبُّ الْمَتَاعِ ، وَرَبُّ الْمَاشِيَةِ بِمَعْنَى صَاحِبُهَا الْآدَمِيُّ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ إِضَافَتَهُ إِلَى مَا لَهُ رُوحٌ دُونَ الْمَالِ وَالدَّارِ وَنَحْوِهِ ، وَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) و: ( حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ) . وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : ( وَإِدْخَالُ رَبِّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ ) وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ) فَمَعْنَاهُ : إِذَا أَخَذْتَهَا فَعَرِّفْهَا سَنَةً ، فَأَمَّا الْأَخْذُ فَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ ، وَمُخْتَصَرُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَصَحُّهَا عِنْدَهُمْ : يُسْتَحَبُّ وَلَا يَجِبُ ، وَالثَّانِي : يَجِبُ ، وَالثَّالِثُ : إِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ فِي مَوْضِعٍ يَأْمَنُ عَلَيْهَا إِذَا تَرَكَهَا اسْتُحِبَّ الْأَخْذُ ، وَإِلَّا وَجَبَ . وَأَمَّا ( تَعْرِيفُ سَنَةٍ ) فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِهِ إِذَا كَانَتِ اللُّقَطَةُ لَيْسَتْ تَافِهَةً ، وَلَا فِي مَعْنَى التَّافِهَةِ ، وَلَمْ يُرِدْ حِفْظَهَا عَلَى صَاحِبهَا ؛ بَلْ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا . وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهَا سَنَةً بِالْإِجْمَاعِ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُرِدْ تَمَلُّكَهَا ، بَلْ أَرَادَ حِفْظَهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّعْرِيفُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدُهُمَا : لَا يَلْزَمُهُ ؛ بَلْ إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَأَثْبَتَهَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ ، وَإِلَّا دَامَ حِفْظُهَا . وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَصَحُّ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّعْرِيفُ ؛ لِئَلَّا تَضِيعَ عَلَى صَاحِبِهَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَيْنَ هِيَ حَتَّى يَطْلُبَهَا ، فَوَجَبَ تَعْرِيفُهَا . وَأَمَّا الشَّيْءُ الْحَقِيرُ فَيَجِبُ تَعْرِيفُهُ زَمَنًا يُظَنُّ أَنَّ فَاقِدَهُ لَا يَطْلُبُهُ فِي الْعَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالتَّعْرِيفُ أَنْ يَنْشُدَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ ، وَفِي الْأَسْوَاقِ ، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ، وَمَوَاضِعِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ ، فَيَقُولُ : مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْءٌ ؟ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ حَيَوَانٌ ؟ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ دَرَاهِمُ ؟ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : فَيُعَرِّفُهَا أَوَّلًا فِي كُلِّ يَوْمٍ ، ثُمَّ فِي الْأُسْبُوعِ ، ثُمَّ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا ) مَعْنَاهُ : إِنْ جَاءَهَا صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ لَكَ أَنْ تَتَمَلَّكَهَا ، قَالَ أَصْحَابُنَا : إِذَا عَرَّفَهَا فَجَاءَ صَاحِبُهَا فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا الْمُلْتَقِطُ ، فَأَثْبَتَ أَنَّهُ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ ، فَالْمُتَّصِلَةُ كَالسِّمَنِ فِي الْحَيَوَانِ ، وَتَعْلِيمِ صَنْعَةٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالْمُنْفَصِلَةُ كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ وَاكْتِسَابِ الْعَبْدِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَأَمَّا إِنْ جَاءَ مَنْ يَدَّعِيهَا وَلَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُلْتَقِطُ لَمْ يَجُزْ لَهُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ ، وَإِنْ صَدَّقَهُ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا الْمُلْتَقِطُ ، فَأَمَّا إِذَا عَرَّفَهَا سَنَةً وَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا ، فَلَهُ أَنْ يُدِيمَ حِفْظَهَا لصَاحِبِهَا ، وَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا ، سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا . فَإِنْ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا ، فَمَتَى يَمْلِكُهَا ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ لِأَصْحَابِنَا : أَصَحُّهَا : لَا يَمْلِكُهَا حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِالتَّمَلُّكِ بِأَنْ يَقُولَ : تَمَلَّكْتُهَا ، أَوِ اخْتَرْتُ تَمَلُّكَهَا ، وَالثَّانِي : لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ . وَالثَّالِثُ : يَكْفِيهِ نِيَّةُ التَّمَلُّكِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى لَفْظٍ . وَالرَّابِعُ : يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ السَّنَةِ . فَإِذَا تَمَلَّكَهَا ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا صَاحِبٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، بَلْ هُوَ كَسْبٌ مِنْ أَكْسَابِهِ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا بَعْدَ تَمَلُّكِهَا أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ دُونَ الْمُنْفَصِلَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَلِفَتْ بَعْدَ التَّمَلُّكِ لَزِمَ الْمُلْتَقِطَ بَدَلُهَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ دَاوُدُ : لَا يَلْزَمُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَضَالَّةُ الْغَنَمِ ؟ قَالَ : لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ ) مَعْنَاهُ الْإِذْنُ فِي أَخْذِهَا ، بِخِلَافِ الْإِبِلِ . وَفَرَّقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَبَيَّنَ الْفَرْقَ بِأَنَّ الْإِبِلَ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ مَنْ يَحْفَظُهَا ؛ لِاسْتِقْلَالِهَا بِحِذَائِهَا وَسِقَائِهَا ، وَوُرُودِهَا الْمَاءَ وَالشَّجَرَ ، وَامْتِنَاعِهَا مِنَ الذِّئَابِ وَغَيْرِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ ، وَالْغَنَمُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَلَكَ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ أَوْ صَاحِبُهَا ، أَوْ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي يَمُرُّ بِهَا أَوِ الذِّئْبُ ، فَلِهَذَا جَازَ أَخْذُهَا دُونَ الْإِبِلِ . ثُمَّ إِذَا أَخَذَهَا وَعَرَّفَهَا سَنَةً ، وَأَكَلَهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا لَزِمَتْهُ غَرَامَتُهَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تَلْزَمُهُ غَرَامَتُهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ غَرَامَةً . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ ) وَأَجَابُوا عَنْ دَلِيلِ مَالِكٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْغَرَامَةَ وَلَا نَفَاهَا ، وَقَدْ عُرِفَ وُجُوبُهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجص 385 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الحكم في اللقطة والضوال · ص 180 ( 8 ) باب الحكم في اللقطة والضوال 1722 - ( 1 و 6 ) [1817] عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا. قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ. قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَما لَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا. وفي رواية : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ؛ فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا ، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ. وفيها أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَضِبَ عندما سئل عن ضالة الإبل حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ. ( 8 ) ومن باب : حكم اللقطة والضوال قد تقدم القول في اللقطة وإنشادها في كتاب الحجِّ . و( العِفَاص ) : الوعاء . وأصله : جلدٌ يلبسه رأس القارورة . يقال : عفصت القارورة : شددت عليها العِفاص . و( الوكاء ) : الخيط الذي يشدُّ به الوعاء . تقول : عفصتُ عفصًا : إذا شددت العِفاص ، فإن جعلت العِفاص ؛ قلت : أعفصته . وتقول : أوكيت إيكاءً ، والشيءَ مُوكى ، كما تقول : أعطيت إعطاء ، والشيء مُعطَى . والكلام في اللقطة في مسائل : الأولى : في حدِّها ، وهي عندنا : وجدان مالٍ معصوم لمعصوم معرَّض للضياع ، فيدخل في المال كلُّ ما يُتمَّول من جمادٍ وحيوانٍ . ونعني بالمعصوم : كل مال لمالكه حرمة شرعيَّة ، فيدخل فيه مال المسلم ، والذمِّي ، والمعاهد ، ويخرج عنه مال الحربي ؛ إذ لا حرمة له . وأموال الجاهلية ؛ إذ هي ركاز ، ويدخل فيه القليل من المال والكثير منه ، سواء كان في عامر من الأرض أو غامرها ، مدفونًا أو غير مدفون . وتحرزنا بقولنا : ( مُعرَّض للضياع ) عمَّا يكون في حرز مُحترم ، أو عليه حافظ . المسألة الثانية : في أقسام اللقطة ، وهي : جمادٌ ، وحيوان . والحيوان : إنسان وغير إنسان ، والإنسان إمَّا صغير أو كبير . فالصغير إن علم : أنه مملوك ؛ فهو لُقطة . وإلا فهو اللقيط ، ويجب حفظه ، والقيام به على المسلمين ؛ إذا كان ذلك في بلادهم وجوب كفاية ، وله أحكام مذكورة في الفروع . ولا يكون المملوك الكبير لُقطة إلا إن كان مِمَّن لا يفهم . وأمَّا غير الإنسان : فإبل ، وبقر ، وغنم ، وخيل ، وبغال ، وحمير . المسألة الثالثة : في بيان حكمها . فأمَّا الجماد : فاختلف في حكم التقاطه ؛ فذهب الشافعي إلى استحباب ذلك مطلقًا ، وعندنا فيه تفصيل . فقيل : لا يجب إلا أن يكون بين قوم غير مأمونين ، والإمام عدل ؛ فيجب أخذها بنيَّة الحفظ على من وثق بأمانة نفسه ، فإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ عليه ، وإن ظن ذلك كره له ، وإذا كانت بين مأمونين ، ووثق بأمانة نفسه ، فقيل : يستحب له أخذها بنيَّة الحفظ . وروي عن ابن القاسم كراهة التقاطها ؛ إلا أن يكون لها قدر وبال . وكذلك روى أشهب في الدنانير ، فأمَّا الدرهم وما لا بال فيه ؛ فلا أحِبُ له أن يأخذه . وقد رويت عن مالك الكراهة مطلقًا . وباقي ما يتعلّق بها من المسائل يأتي مع البحث في الحديث . و( قوله : اعرف عِفاصها ووكاءها ) ، وفي رواية : ( وعددها ) هذا الأمر للملتقط بتعرف هذه الأمور الثلاثة تفيد إباحة حل وكائها ، والوقوف على عينها ، وعددها للملتقط . وفائدة ذلك : أنَّه إذا جاء من عرف أولئك الأوصاف دفعت له ، كما قال : ( فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ، وعددها ، ووكاءها ، فادفعها إليه ) وظاهره : اشتراط معرفة مجموع تلك الأوصاف ، وأنها تدفع له بغير بيِّنة . وقد اختلف في المسألتين . فأمَّا المسألة الأولى : فقال ابن القاسم : لا بدَّ من ذكر جميعها ؛ يعني : الوكاء ، والعِفاص ، والعدد . ولم يعتبر أصبغ العدد . وظاهر الحديث حجَّة لابن القاسم ، ولأصبغ التمسك بالحديث الذي ليس فيه ذكر العدد . وحجَّة ابن القاسم أوضح ؛ لأن من ذكر شيئًا حجَّة على من سكت عنه ، ولأنَّه من باب حمل المطلق على المقيد ، فإذا أتى بجميع أوصافها ؛ فهل يُحَلَّف مع ذلك أو لا ؟ قولان . النَّفي لابن القاسم . وتحليفه لأشهب . ولا تلزمه بينة عند مالك وأصحابه ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهم . وقال أبو حنيفة ، والشافعي : لا تدفع له إلا إذا أقام بينة أنها له . والأول أولى ؛ لنصّ الحديث على ذلك ، ولأنَّه لو كان إقامة البيِّنة شرطًا في الدَّفع لما كان لذكر العِفاص ، والوكاء ، والعدد معنًى ؛ فإنَّه يستحقها بالبيِّنة على كل حال ، ولما جاز سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فإنه تأخير للبيان عن وقت الحاجة . وقال أصبغ : إن عرف العِفاص وحده استُبرئ له ، فإن جاء أحدٌ ، وإلا أُعطيها . وقال ابن عبد الحكم : لو أصاب تسعة أعشار الصفة ، وأخطأ العشر لم يعطها إلا أن يصف العدد ، فيصاب أقل . وقال أشهب : إن عرف منها وصفين ، ولم يعرف الثالث دفعت إليه . و( قوله : ثم عرِّفها سنة ) تعريفها هو : أن ينشدها في مجتمعات الناس ، وحيث يظن أن ربَّها هنالك ، أو قربه ، فيعرفها تعريفًا لا يضرُّ به ، ولا يُخُفِي أمرها . والتعريف واجبٌ ؛ لأنَّه مأمورٌ به . ثمَّ يختص الوجوب بسنة في المال الكثير ؛ الذي لا يفسد ، ولا ينقص منها . وهو قول فقهاء الأمصار . ولم يذهب أحدٌ منهم إلى زيادة على السنة إلا شيء روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، فإنَّه قال : يعرفها ثلاثة أعوام . وإلا : ما تقدَّم من الخلاف في لقطة الحاجِّ . فأما الشيء القليل التافه ؛ الذي لا يتعلَّق به نفس مالكه كالتمرة ، والكِسرة ، فلا تعريف فيه . وقد مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمرة في الطريق فقال : ( لولا أني أخاف أن تكون من الصَّدقة لأكلتها ) ، ولم يعرِّفها . ولو كانت من القليل الذي تتعلَّق به النفس غالبًا ، فهل يُعرَّف أو لا ؟ وإذا عُرِّف ؛ فهل يُعرَّف سنة ، أو يجزئ أقل من ذلك ؟ كل ذلك مختلف فيه . فظاهر رواية ابن القاسم : أنَّه يُعرَّف سنة كالكثير . وهو قول الشافعي . وقال ابن القاسم في الكتاب : يُعرِّفه أيَّامًا . وبه قال ابن وهب ، ولم يحدد الأيام ، بل بحسب ما يظن أن مثلها يطلب فيها . وهذا كالحبل ، والمخلاة ، والدَّلو ، والعصا ، والسَّوط ، والسِّقاء ، والنَّعال . وقال أشهب : إن لم يعرفها فأرجو أن يكون واسعًا . وقال بعض العلماء : لا يلزم تعريف شيء من ذلك ، وألحقوه بالقسم الأول . وفيه بُعْدٌ ؛ لأنَّ ما تتشُّوف النفسُ إليه فالغالب : أن صاحبه يطلبه ، فلا بدَّ من تعريفه ، ولكنه لا ينتهي التعريف فيه إلى السَّنة ؛ لأنَّ صاحبه لا يستديم طلبه فيها غالبًا ، فحينئذ تضيع استدامة التعريف . فإن قيل : فقد جاء في كتاب أبي داود من حديث جابر : رخَّص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السوط ، والعصا ، والحبل ، وأشباهه ، يلتقطه الرَّجل ينتفع به . وظاهره : أنه لا يحتاج مثل هذا إلى تعريف . فالجواب : أن هذا لا يصحُّ رفعه ؛ لأنَّه من رواية المغيرة بن زياد ، عن أبي الزبير ، عن جابر . وقد رواه المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : كانوا ، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - . والمغيرة بن مسلم أصلح حديثًا ، وأصح من حديث المغيرة بن زياد . هكذا قاله أبو محمد عبد الحق . قلت : مع أن حديث أبي الزبير عن جابر لا يؤخذ منه إلا ما ذكر فيه سماعه منه ؛ لأنَّه كان يُدلِّس في حديث جابر ، ولم يذكر سماعه في هذا الحديث ، سلمنا صحته ، لكنه يحتمل أن تكون هذه الإباحة بعد التعريف . ويعتضدُ هذا بما رواه أبو محمد بن أبي حاتم عن حكيمة بنت غيلان عن أبيها : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من التقط لقطة يسيرة ، درهمًا ، أو حبلا ، أو شبه ذلك ؛ فليعرفه ثلاثة أيام ، فإن كان فوق ذلك فليعرِّفه ستة أيام ) . وأصح من هذا وأحسن ما خرَّجه النسائي عن عياض بن حمار المجاشعي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أخذ لقطة فليشهد ذوي عدل ، وليحفظ عفاصها ، ووكاءها ، ولا يكتم ، ولا يُغيِّب ، فإن جاء صاحبها ، فهو أحق بها ، وإن لم يجئْ صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء ) ، وهذا عام في كل لُقطة . و( قوله : فليشهد ذوي عدلٍ ) أمرٌ للملتقط بأن يشهد على نفسه بأنه وجد كذا ، على جهة الاحتياط للُّقطة مخافة طارئ يطرأ على الملتقط من موت ، أو آفة ، أو طروء خاطر خيانةٍ . و( قوله : ولا يكتم ، ولا يُغيِّب ) يعني به : أنَّه يعرِّفها بأعمِّ أوصافها ، ويستدعي من الْمُدَّعي أخصَّ أوصافها المميَّزة لها ، كما تقدم . وأمَّا ما رواه أبو داود من حديث علي - رضي الله عنه - : أنَّه وجد دينارًا فرهنه في درهم لحمًا ، وأنه أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فأقرَّه ، ولم يُنكر عليه تصرَّفه في الدينار بالرَّهن . فلا حجَّة فيه لمن يستدلُّ به : على أن القليل من اللقطة لا يُعرَّف ؛ لأنَّ عليًّا - رضي الله عنه - إنما فعل ذلك في حال ضرورة ؛ لأنه دخل بيته والحسن والحسين يبكيان من الجوع ، فخرج فوجد الدينار ، ففعل ذلك حين لم يجد شيئًا آخر ، وفي مثل هذه الحال تحل الميتة ، فأحرى التصرف في الوديعة ، ثم إنَّه لم يُتلف عين الدينار ، وإنَّما رهنه ، فلمَّا جاء صاحبه ، افْتَكَّهُ ودفعه إليه . وذكر في هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استدعى مدَّعِي الدينار ، فسأله ، فقال : سقط مني في السُّوق . فأمر عليًّا بافتكاكه ، ثم دفعه إلى الرَّجل . من غير أن يسأله عن وصف من أوصاف الدينار ، فيحتمل أن يكون اكتفى منه بقوله : أنَّه ضاع مني في السُّوق ، وقد كان علي وحده في السُّوق ؛ لأنَّ الدينار الواحد ليس فيه عدد ، وقد لا يكون له وعاء ، ولا وكاء ، والدنانير متساوية الأشخاص غالبًا . ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنه صاحبه بوحي ، أو بقرائن ، فلا حجَّة فيه على سقوط السؤال عن الأوصاف . والله تعالى أعلم . وقد حصل من هذا : أن اللقطة لا بدَّ لها من تعريف ؛ فإن كانت مما لها بال ومقدار عُرِّفت سنة . وإن كانت مما ليس لها ذلك المقدار ؛ كان تعريفها بحسبها من غير حدٍّ بعدد مخصوص ، ولا زمان مخصوص ، بل على الاجتهاد . وأما التمرة ، والكِسرة : فلا تحتاج إلى تعريف ؛ لأنها مزهودٌ فيها ، ولا تتشوف نفس صاحبها إليها . وهذا مذهب مالك وغيره . والله أعلم . و( قوله : فإن جاء صاحبها ، وإلا فشأنُك بها - ) أو : ( فهي لك ) ، أو : ( فاستنفقها ) ، وفي حديث أبي : ( وإلا فاستمتع بها ) . وفي كتاب الترمذي : ( ثمَّ كُلها ) . وفي كتاب النسائي من حديث عياض بن حمار : ( وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء ) . أفادت هذه الروايات كلها : أن واجد اللقطة بعد التعريف أحق بالنظر فيها من غيره ، فلا ينتزعها منه السلطان ولا غيره . وهو قول أهل العلم . غير أن الأوزاعي قال : إن كان مالًا كثيرًا جعله في بيت المال . واختلفوا إن كان غير مأمون ؛ هل يتركها السلطان بيده ، أو يأخذها منه ؟ فعن الشافعي في ذلك قولان . قال القاضي عياض : ومقتضى مذهب مالك ، وأصحابه : أن يأخذها منه إن كان غير مأمون . وهو الصحيح إن شاء الله تعالى . فإذا أقرَّت بيده ؛ فما الذي يفعل فيها ؟ ! الجمهور : على أن له أن يمسكها عنده ، ولا ضمان عليه ؛ لأنَّها وديعة ، كما جاء في بعض طرقه : ( ولتكن وديعة عندك ) . وله أن يصرفها في مصالحه من أكل ، أو انتفاع . وله أن يتصدَّق بها ، ولا بدَّ في هذين من الضمان متى جاء صاحبها . وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب ، وابنه ، وابن مسعود ، وعائشة ، وعطاء ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو حنيفة . غير أنه - أعني : أبا حنيفة - لم يُبْح أكلها إلا للفقير . وشذَّ داود فأسقط عنه الضمان بعد السَّنة . وموجب الخلاف اختلاف تلك الروايات ، وذلك : أن ظاهر قوله : ( فهي لك ) ، و( قوله : ثم كُلها ) ، و( قوله : وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء ) : التمليك ، وسقوط الضمان ، وبه اغتَرَّ داود ، لكن قد أزال ذلك الظاهر ، ودَحَضَه رواية العدل والضابط الحافظ الإمام يحيى بن سعيد عن يزيد - مولى المنبعث - : أنَّه سمع زيد بن خالد الجهني يقول : سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة ؛ الذهب والورق فقال : ( اعرف وكاءها ، وعِفاصها ، ثمَّ عرِّفها سَنَة ، فإن لم تُعرف فاستنفقها ، ولتكن وديعة عندك ، فإن جاء طالبها يومًا من الدَّهر ، فأدِّها إليه ) . فهذه أحسن الروايات ، وأنصُّها على المطلوب ، وهي المبيِّنة لتلك الظواهر الحاكمة عليها . والعجب من داود كيف صُرف عنها وهي بين يديه ، وأنَّى تغافلَ عنها ؛ وهي حجَّة عليه ؟ لكن من حرم التوفيق استدبر الطريق .