[ 59 ] 1764 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ، يُقَالُ لَهُ : ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ - سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ - فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ : عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ . فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ قَالَ : مَا قُلْتُ لَكَ ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ . فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ مِنْ الْغَدِ ، فَقَالَ : مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، يَا مُحَمَّدُ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ ، فَمَاذَا تَرَى ؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ : أَصَبَوْتَ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا وَاللَّهِ ، لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . [ 60 ] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا لَهُ نَحْوَ أَرْضِ نَجْدٍ ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ : ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ . 19 بَاب رَبْطِ الْأَسِيرِ وَحَبْسِهِ وَجَوَازِ الْمَنِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ : ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ ) أَمَّا ( أُثَالٌ ) فَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ وَهُوَ مَصْرُوفٌ ، وَفِي هَذَا جَوَازُ رَبْطِ الْأَسِيرِ وَحَبْسِهِ ، وَجَوَازُ إِدْخَالِ الْمَسْجِد الكافر ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُهُ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ ، سَوَاءٌ كَانَ كَافِرًا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَهُ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ : لَا يَجُوزُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : يَجُوزُ لِكِتَابِيٍّ دُونَ غَيْرِهِ . وَدَلِيلُنَا عَلَى الْجَمِيعِ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ خَاصٌّ بِالْحَرَمِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : لَا يَجُوزُ إِدْخَالُهُ الْحَرَمَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ) اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : مَعْنَاهُ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ صَاحِبَ دَمٍ لِدَمِهِ مَوْقِعٌ يَشْتَفِي قَاتِلَهُ ، وَيُدْرِكُ قَاتِلُهُ بِهِ ثَأْرَهُ . أَيْ : لِرِيَاسَتِهِ وَفَضِيلَتِهِ ، وَحُذِفَ هَذَا لِأَنَّهُمْ يَفْهَمُونَهُ فِي عُرْفِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ تَقْتُلُ مَنْ عَلَيْهِ دَمٌ وَمَطْلُوبٌ بِهِ ، وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا عَتَبَ عَلَيْكَ فِي قَتْلِهِ . وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ ( ذَا ذَمٍّ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، أَيْ : ذَا ذِمَامٍ وَحُرْمَةٍ فِي قَوْمِهِ ، وَمَنْ إِذَا عَقَدَ ذِمَّةً وَفَّى بِهَا ، قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّهَا تَقْلِبُ الْمَعْنَى ؛ فَإِنَّ مَنْ لَهُ حُرْمَةٌ لَا يَسْتَوْجِبُ الْقَتْلَ ، قُلْتُ : وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا عَلَى مَعْنَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ ، أَيْ : تَقْتُلُ رَجُلًا جَلِيلًا يَحْتَفِلُ قَاتِلُهُ بِقَتْلِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَتَلَ ضَعِيفًا مَهِينًا ؛ فَإِنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِي قَتْلِهِ ، وَلَا يُدْرِكُ بِهِ قَاتِلُهُ ثَأْرَهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ ) فِيهِ جَوَازُ الْمَنِّ عَلَى الْأَسِيرِ ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : إِذَا أَرَادَ الْكَافِرُ الْإِسْلَامَ بَادَرَ بِهِ وَلَا يُؤَخِّرُهُ لِلِاغْتِسَالِ ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَأْخِيرِهِ ، بَلْ يُبَادِرُ بِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ ، وَمَذْهَبُنَا : أَنَّ اغْتِسَالَهُ وَاجِبٌ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ فِي الشِّرْكِ ، سَوَاءٌ كَانَ اغْتَسَلَ مِنْهَا أَمْ لَا ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنْ كَانَ اغْتَسَلَ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا وَجَبَ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ، ويَسْقُطُ حُكْمُ الْجَنَابَةِ بِالْإِسْلَامِ كَمَا تَسْقُطُ الذُّنُوبُ ، وَضَعَّفُوا هَذَا بِالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَا يُقَالُ : يَسْقُطُ أَثَرُ الْحَدَثِ بِالْإِسْلَامِ ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ أَجْنَبَ فِي الْكُفْرِ ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُجْنِبْ أَصْلًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَالْغُسْلُ مُسْتَحَبٌّ لَهُ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَآخَرِينَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَآخَرُونَ : يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ ) هَكَذَا " قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ " هَكَذَا هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا ( نَخْلٌ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَتَقْدِيرُهُ : انْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ فِيهِ مَاءٌ فَاغْتَسَلَ مِنْهُ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْضُهُمْ : صَوَابُهُ ( نَجْلٌ ) بِالْجِيمِ ، وَهُوَ : الْمَاءُ الْقَلِيلُ الْمُنْبَعِثُ ، وَقِيلَ : الْجَارِي ، قُلْتُ : بَلِ الصَّوَابُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ صَحَّتْ بِهِ ، وَلَمْ يُرْوَ إِلَّا هَكَذَا وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ) وَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . هَذَا مِنْ تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ ، وَمُلَاطَفَةٌ لِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الْأَشْرَافِ الَّذِينَ يَتْبَعُهُمْ عَلَى إِسْلَامِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى ؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ ) يَعْنِي : بَشَّرَهُ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ بِالْإِسْلَامِ ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَأَمَّا أَمْرُهُ بِالْعُمْرَةِ فَاسْتِحْبَابٌ ; لِأَنَّ الْعُمْرَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا سِيَّمَا مِنْ هَذَا الشَّرِيفِ الْمُطَاعِ إِذَا أَسْلَمَ ، وَجَاءَ مُرَاغِمًا لِأَهْلِ مَكَّةَ فَطَافَ وَسَعَى وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ وَأَغَاظَهُمْ بِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ لَهُ قَائِلٌ : أَصَبَوْتَ ؟ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ( أَصَبَوْتَ ) وَهِيَ لُغَةٌ ، وَالْمَشْهُورُ ( أَصَبَأْتَ ) بِالْهَمْزِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ جَاءَ قَوْلُهُمْ : الصُّبَاةُ ، كَقَاضٍ وَقُضَاةٍ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُثَنَّى : ( إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْمُحَقَّقَةِ ( إِنْ تَقْتُلْنِي ) بِالنُّونِ وَالْيَاءِ فِي آخِرِهَا ، وَفِي بَعْضِهَا بِحَذْفِهَا ، وَهُوَ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب رَبْطِ الْأَسِيرِ وَحَبْسِهِ وَجَوَازِ الْمَنِّ عَلَيْهِ · ص 435 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في المن على الأسارى · ص 583 ( 14 ) باب في المن على الأسارى 1764 - 59 [1281] عن أبي هُرَيْرَةَ قالُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ، يُقَالَ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟. فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى كَانَ الْغَدِ ثم َقَالَ له : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟. قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى كَانَ بعد الْغَدِ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟. فَقَالَ: ما قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ. فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، يَا مُحَمَّدُ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ قَالَ: لَا ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَلَا وَاللَّهِ لَا تَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . ( 14 ) ومن باب: المن على الأسارى ( النَّجد ) : المرتفع من الأرض ، والغور : ما انخفض منها . و( أثال ) : أبو ثمامة - بضم الهمزة فيما أعلم - . وقوله : ( فربطوه بسارية من سواري المسجد ) ؛ بهذا تمسَّك الشافعي على جواز الكفار المساجد ، واستثنى من ذلك مسجد مكة وحرمها . وخص أبو حنيفة هذا الحكم بأهل الكتاب لا غير . ومنع مالك رحمه الله دخول الكفار جميع المساجد والحرم . وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وقتادة ، والمزني . ويستدل لهم بقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ووجه التمسّك بها : أنه نبَّه على أن منعهم دخول المسجد الحرام إنما كان لنجاستهم ، وهذا يقتضي تنزيه المساجد عنهم ، كما تنزه عن سائر الأنجاس . والشافعي يحمل النجس هنا على عين المشرك . ومالك يحمله على أنه نجس بما يخالطه من النجاسة ؛ إذ كان لا ينفك عنها ، ولا يتحرز منها ، وبقوله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر ). والكافر لا يخلو عن ذلك . وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا أحل المسجد لحائض ، ولا جنب ). والكافر جنب. وإن كانت امرأة فعليها الغسل من الحيض ، لا سيما إذا قلنا : إنهم مخاطبون بالفروع . وقد اعتذر أصحابنا عن حديث ثمامة بأوجه : أحدها : أن ذلك كان متقدَّمًا على قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ وهذا يحتاج إلى تحقيق نقل التواريخ . وثانيها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد علم بإسلامه . وهذا فيه بُعد ؛ فإنه نص في الحديث على أنه إنما أسلم بعد أن منَّ عليه ، وأطلقه ، ثم إنه رجع فأسلم . وثالثها : أن هذه قضية في عين ، فلا ينبغي أن ترفع بها الأدلة التي ذكرناها آنفًا ؛ لكونها مفيدة حكم القاعدة الكلية . ويمكن أن يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ربط ثمامة في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين ، واجتماعهم عليها ، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد ، فيأنسَّ بذلك ويسلم ، وكذلك كان. ويمكن أن يقال : إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد. والله تعالى أعلم . وقوله : ( إن تقتل تقتل ذا دم ) ؛ هو بالدال المهملة ؛ ويعني به : إنه ممن يشتفى بدمه ؛ لأنه كبير في قومه ، وقد سمعت من بعض النقلة أنه يقوله بالذال المعجمة ، وفسَّره بالعيب ، وليس بشيء في المعنى ، ولا صحيح في الرواية ، وهو تصحيف . ولو أراد به العيب لقال : ذامٍ ، بألف ، كما في المثل : لا تعدم الحسناء ذامًا ؛ أي : عيبًا . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أطلقوا ثمامة ) ؛ دليل على جواز المنّ على الأسارى ، كما قدّمناه . وقوله : ( فانطلق إلى نخل قريب من المسجد ، فاغتسل ، ثم دخل المسجد ) ؛ هذا يدل : على أن غسل الكافر كان عندهم مشروعًا ، معمولاً به ، معروفًا . ألا ترى أنه لم يحتج في ذلك إلى من يأمره بالغسل ، ولا لمن ينبهه عليه ؟! وقد ورد الأمر به من النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عمر : أن قيس بن عاصم أسلم ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل . وبه تمسك من قال : بوجوب الغسل على الكافر إذا أسلم . وهو قول أحمد ، وأبي ثور . وأما مالك فقال في المشهور عنه : إنه إنما يغتسل لكونه جنبًا . ومن أصحابه من قال : يغتسل للنظافة . وقال بسقوط الوجوب الشافعي . وقال : أحبّ إلي أن يغتسل . ونحوه لابن القاسم . ولمالك أيضًا قول : إنه لا يعرف الغسل. رواه عنه ابن وهب ، وابن أبي أويس . والرواية الصحيحة في البخاري ومسلم : نخل - بالخاء المعجمة - ، وقال بعضهم : صوابه : بالجيم ، وهو الماء المنثعب ، وقيل : الجاري . وقال ابن دريد : النجل : هو أول ما ينبعث من البئر إذا جرت . واستنجل الوادي ؛ إذا ظهر ماؤه . وقوله : ( إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة ، فبشره ، وأمره أن يعتمر ) ؛ لا يفهم منه : أنه لما أراد أن يعتمر وهو في الجاهلية أن ذلك لزمه ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإتمامه ؛ لأنه لم يصر أحدٌ من المسلمين إلى أن إرادة فعل القربة يلزمها من غير التزام بالنذر ، ولا شروع في العمل ، بل ولو التزم ، وشرع لم يلزمه ذلك في حالة كفره ؛ لأنا وإن قلنا : إنه مخاطب بالفروع ، فلا يتأتى منه قصد الالتزام ، ولا يصح منه الشروع! إذ لم يفعل ذلك على وجه شرعي ، بل هو فاسد لعدم شروطه ، لا سيما إذا كان ممن يحتاج إلى نية القربة ، وإنما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينشئ عمرة مبتدأة ، ليحرز فيها له الأجر ، وليغيظ بإسلامه كفار قريش ، فإن الرجل كان عظيمًا في قومه وغيرهم ، ولذلك لما قدم مكة أظهر إسلامه ، ولم يبال بهم ، بل أخبرهم بما ناقضهم به ، وأغاظهم ؛ وهو قوله : ( والله! لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ). وأيضًا : فما كانت العمرة والحج في ذلك الوقت مشروعين ، بل شرعا بعد ذلك. والله تعالى أعلم .