[ 137 ] 1812 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ ، أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ : أَمَّا بَعْدُ ، فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ ؟ وَعَنْ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَ ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ ؟ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ ، فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ ، فَلَا تَقْتُلْ الصِّبْيَانَ ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي : مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ، ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا ، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ ، فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْخُمْسِ : لِمَنْ هُوَ ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ : هُوَ لَنَا ، فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ . [ 138 ] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، كِلَاهُمَا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ ، أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خِلَالٍ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ حَاتِمٍ : وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ ، فَلَا تَقْتُلْ الصِّبْيَانَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنْ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ . وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَاتِمٍ : وَتُمَيِّزَ الْمُؤْمِنَ ، فَتَقْتُلَ الْكَافِرَ ، وَتَدَعَ الْمُؤْمِنَ . 48 - بَاب النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ وَلَا يُسْهَمُ وَالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ قَوْلُهُ : ( فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ ) يَعْنِي إِلَى نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ مِنَ الْخَوَارِجِ ، مَعْنَاهُ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَكْرَهُ نَجْدَةً لِبِدْعَتِهِ ، وَهِيَ كَوْنُهُ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، وَلَكِنْ لَمَّا سَأَلَهُ عَنِ الْعِلْمِ لَمْ يُمْكِنْهُ كَتْمُهُ فَاضْطُرَّ إِلَى جَوَابِهِ ، وَقَالَ : لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ ، أَيْ لَوْلَا أَنِّي إِذَا تَرَكْتُ الْكِتَابَةَ أَصِيرُ كَاتِمًا لِلْعِلْمِ ، مُسْتَحِقًّا لِوَعِيدِ كَاتِمِهِ لَمَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ ) فِيهِ حُضُورُ النِّسَاءِ الْغَزْوَ وَمُدَاوَاتُهُنَّ الْجَرْحَى ، كَمَا سَبَقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ، وَقَوْلُهُ : ( يُحْذَيْنَ ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ : يُعْطَيْنَ تِلْكَ الْعَطِيَّةَ ، وَتُسَمَّى الرَّضْخُ ، وَفِي هَذَا أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ وَلَا تَسْتَحِقُّ السَّهْمَ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : تَسْتَحِقُّ السَّهْمَ إِنْ كَانَتْ تُقَاتِلُ أَوْ تُدَاوِي الْجَرْحَى ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا رَضْخَ لَهَا ، وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مَرْدُودَانِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّرِيحِ . قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا : ( وَسَأَلْتَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ : هَلْ كَانَ لَهُمْ سَهْمٌ مَعْلُومٌ إِذَا حَضَرُوا الْبَأْسَ ؟ فإَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مَعْلُومٌ إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا مِنْ غَنَائِمِ الْقَوْمِ ) فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ يُرْضَخُ لَهُ وَلَا يُسْهَمُ لَهُ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا رَضْخَ لَهُ ، كَمَا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ : إِنْ قَاتَلَ أُسْهِمَ لَهُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ ، فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَهُوَ حَرَامٌ إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا ، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ ، فَإِنْ قَاتَلُوا جَازَ قَتْلُهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي : مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا ، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ ) مَعْنَى هَذَا : مَتَى يَنْقَضِي حُكْمُ الْيُتْمِ وَيَسْتَقِلُّ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ ؟ وَأَمَّا نَفْسُ الْيُتْمِ فَيَنْقَضِي بِالْبُلُوغِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا يُتْمَ بَعْدَ الْحُلُمِ " ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ حُكْمَ الْيُتْمِ لَا يَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ وَلَا بِعُلُوِّ السِّنِّ ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ الرُّشْدُ فِي دِينِهِ وَمَالِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً زَالَ عَنْهُ حُكْمُ الصِّبْيَانِ ، وَصَارَ رَشِيدًا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ ، وَيَجِبُ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ضَابِطٍ لَهُ ، وَأَمَّا الْكَبِيرُ إِذَا طَرَأَ تَبْذِيرُهُ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وُجُوبُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُحْجَر ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُ : الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَكَأَنَّهُ إِجْمَاعٌ . قَوْلُهُ : ( وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْخُمُسِ : لِمَنْ هُوَ ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ : هُوَ لَنَا ، فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ ) مَعْنَاهُ : خُمُسُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِذَوِي الْقُرْبَى ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ أَنَّ خُمُسَ الْخُمُسِ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ يَكُونُ لِذَوِي الْقُرْبَى ، وَهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ : بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ . وَقَوْلُهُ : ( أَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ ) أَيْ : رَأَوْا لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إِلَيْنَا ، بَلْ يَصْرِفُونَهُ فِي الْمَصَالِحِ ، وَأَرَادَ بِقَوْمِهِ وُلَاةَ الْأَمْرِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ بِأَنَّ سُؤَالَ نَجْدَةَ لِابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَانَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَتْ فِتْنَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : يَجُوزُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : ( أَبَى ذَاكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا ) مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِمَهُ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ ) مَعْنَاهُ : أَنَّ الصِّبْيَانَ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ ، وَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِقِصَّةِ الْخَضِرِ وَقَتْلِهِ صَبِيًّا ; فَإِنَّ الْخَضِرَ مَا قَتَلَهُ إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ عَلَى التَّعْيِينِ ، كَمَا قَالَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي فَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ تَعْلَمُ مِنْ صَبِيٍّ ذَلِكَ فَاقْتُلْهُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَتْلُ . قَوْلُهُ : ( وَتُمَيِّزُ الْمُؤْمِنَ فَتَقْتُلُ الْكَافِرَ وَتَدَعُ الْمُؤْمِنَ ) مَعْنَاهُ : مَنْ يَكُونُ إِذَا عَاشَ إِلَى الْبُلُوغِ مُؤْمِنًا ، وَمَنْ يَكُونُ إِذَا عَاشَ كَافِرًا ، فَمَنْ عَلِمْتَ أَنَّهُ يَبْلُغُ كَافِرًا فَاقْتُلْهُ ، كَمَا عَلِمَ الْخَضِرُ أَنَّ ذَلِكَ الصَّبِيَّ لَوْ بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا ، وَأَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّكَ أَنْتَ لَا تَعْلَمُ ذَلِكَ ، فَلَا تَقْتُلْ صَبِيًّا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ وَلَا يُسْهَمُ وَالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ · ص 511 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب لا يسهم للنساء من الغنيمة بل يحذين منه · ص 686 ( 32 ) باب لا يسهم للنساء في الغنيمة بل يحذين منه 1812 -137 [1325] عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ: أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ، فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وَعَنْ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ يُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ، فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلْ الصِّبْيَانَ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي: مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ فَلَعَمْرِي، إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ، ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ ، فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْخُمْسِ: لِمَنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا، فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ. ( 32 ) ومن باب: لا يسهم للنساء من الغنيمة ( نجدة ) هذا هو ابن عامر الحروري ، نسب إلى حروراء ، وهي موضع بقرب الكوفة ، خرج منه الخوارج على علي رضي الله عنه ، وفيه قُتلوا ، وكان نجدة هذا منهم وعلى رأيهم ؛ لذلك استثقل ابن عباس مجاوبته ، وكرهها ، لكن أجابه مخافة جهل يقع له ، فيفتي ، ويعمل به . وقول ابن عباس رضي الله عنه : ( أن النساء كن يُحْذَين من الغنيمة ، ولا يسهم لهن منها ) ؛ هذا مذهب جمهور العلماء : أن المرأة لا يضرب لها بسهم وإن قاتلت ، ما خلا الأوزاعي ؛ فإنه قال : إن قاتلت أسهم لها . وقد مال إليه ابن حبيب من أصحابنا . وهل يحذين ؛ أي : يعطين من الغنيمة بغير تقدير . فالجمهور على أنهن يرضخ لهن. وقال مالك : لا يرضخ لهن ، ولم يبلغني ذلك . وكذلك الخلاف في العبد سواء ؛ غير أن القائل : بأنه يسهم له إن قاتل ؛ هو الحكم ، وابن سيرين ، والحسن ، وإبراهيم . وقد تقدَّم : أن اليتيم في بني آدم من قبل فقد الأب ، وفي البهائم من قبل فقد الأم . وقوله : ( متى ينقضي يتم اليتيم ؟ ) أي : متى ينقضي حكم اليتم عنهم ، فيسلم لهم مالهم ؛ هذا مما اختلف فيه . فمقتضى كلام ابن عباس هذا ، ومذهب مالك ، وأصحابه ، وكافة العلماء : أن مجرد البلوغ لا يخرجه عن اليتم ، بل حتى يؤنس رشده ، وسداد تصرفه. وقال أبو حنيفة : إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة ، دفع إليه ماله وإن كان غير ضابط له . وهل من شرط رفع الحجر عنه العدالة ، أو يكفي ذلك حسن الحال ، وضبط المال ؟ الأول للشافعي ، والثاني للجمهور . وهو مشهور مذهب مالك . ثم إذا كان عليه مقدَّم ، فهل بنفس صلاح حاله يخرج من الولاية ، أو لا يخرج منها إلا بإطلاق حاكم أو وصي؟ في كل واحد منهما قولان عن مالك والشافعي ، غير أن المشهور من مذهب مالك : أنه لا يخرج منها إلا بإطلاق من حاكم أو وصي . وكافة السَّلف ، وأهل المدينة ، وأئمة الفتوى على أن الكبير السفيه يحجر عليه الحاكم ، وشذ أبو حنيفة فقال : لا يحجر عليه . وقد حكى ابن القصَّار في المسألة الإجماع ، ويعني به : إجماع أهل المدينة . والله تعالى أعلم . وقوله : كتبت تسألني عن الخمس ، لمن هو ؟ وإنا كنا نقول : هو لنا ، فأبى علينا قومنا ) ؛ هذا الخمس المسؤول عنه هو خمس الخمس ، لا خمس الغنيمة ، ولا يقول ابن عباس ، ولا غيره : إن خمس الغنيمة يصرف في القرابة ، وإنما يصرف إليهم خمس الخمس على قول من يقسم خمس الغنيمة على خمسة أخماس ؛ على ما تقدَّم من مذهب الشافعي ، وهو الذي أشار إليه ابن عباس ، وهو مذهب أحمد بن حنبل .