[ 39 ] 1840 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا ، فَأَوْقَدَ نَارًا ، وَقَالَ : ادْخُلُوهَا ، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا ، وَقَالَ الْآخَرُونَ : إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا : لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا ، وَقَالَ : لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ؛ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ . [ 40 ] - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ - وَتَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ - قَالُوا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا ، فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ ، فَقَالَ : اجْمَعُوا لِي حَطَبًا ، فَجَمَعُوا لَهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَوْقِدُوا نَارًا ، فَأَوْقَدُوا ، ثُمَّ قَالَ : أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَادْخُلُوهَا ، قَالَ : فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَقَالُوا : إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ ، فَكَانُوا كَذَلِكَ ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ ، وَطُفِئَتِ النَّارُ ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا ؛ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ . وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ ، الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ . [ 41 ] 1709 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا ، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ إِدْرِيسَ - حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ - ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِيهِ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ . [ 42 ] - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنِي بُكَيْرٌ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَقُلْنَا : حَدِّثْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ ، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا ، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، قَالَ : إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا ، عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا فَأَوْقَدَ نَارًا ، وَقَالَ : ادْخُلُوهَا - إِلَى قَوْلِهِ - لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ) هَذَا مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَةِ أَنَّهُ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ ، إِنَّمَا هِيَ فِي الْمَعْرُوفِ ، وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ هَذَا الْأَمِيرُ قِيلَ : أَرَادَ امْتِحَانَهُمْ ، وَقِيلَ : كَانَ مَازِحًا ، قِيلَ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : إِنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) هَذَا مِمَّا عَلِمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ مُبَيِّنٌ لِلرِّوَايَةِ الْمُطْلَقَةِ بِأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا لَوْ دَخَلُوهَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ) هَكَذَا هُوَ لِمُعْظَمِ الرُّوَاةِ وَفِي مُعْظَمِ النُّسَخِ ( بَوَاحًا ) بِالْوَاوِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( بَرَاحًا ) وَالْبَاءُ مَفْتُوحَةٌ فِيهِمَا ، وَمَعْنَاهُمَا : كُفْرًا ظَاهِرًا ، وَالْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعَاصِي ، وَمَعْنَى " عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ " ، أَيْ : تَعْلَمُونَهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ : لَا تُنَازِعُوا وُلَاةَ الْأُمُورَ فِي وِلَايَتِهِمْ ، وَلَا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقَّقًا تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَنْكِرُوهُ عَلَيْهِمْ ، وَقُولُوا بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَقِتَالُهُمْ فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ . وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ السُّلْطَانُ بِالْفِسْقِ ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَنْعَزِلُ ، وَحُكِيَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا ، فَغَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ ، مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَسَبَبُ عَدَمِ انْعِزَالِهِ وَتَحْرِيمِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفِتَنِ ، وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ ، وَفَسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، فَتَكُونُ الْمَفْسَدَةُ فِي عَزْلِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي بَقَائِهِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَنْعَقِدُ لِكَافِرٍ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ انْعَزَلَ ، قَالَ : وَكَذَا لَوْ تَرَكَ إِقَامَةَ الصَّلَوَاتِ وَالدُّعَاءَ إِلَيْهَا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمُ الْبِدْعَةُ ، قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : تَنْعَقِدُ لَهُ ، وَتُسْتَدَامُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ ، قَالَ الْقَاضِي : فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَتَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ أَوْ بِدْعَةٌ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْوِلَايَةِ ، وَسَقَطَتْ طَاعَتُهُ ، وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ ، وَخَلْعُهُ وَنَصْبُ إِمَامٍ عَادِلٍ إِنْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِلَّا لِطَائِفَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِخَلْعِ الْكَافِرِ ، وَلَا يَجِبُ فِي الْمُبْتَدِعِ إِلَّا إِذَا ظَنُّوا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ تَحَقَّقُوا الْعَجْزَ لَمْ يَجِبِ الْقِيَامُ ، وَلْيُهَاجِرِ الْمُسْلِمُ عَنْ أَرْضِهِ إِلَى غَيْرِهَا ، وَيَفِرَّ بِدِينِهِ ، قَالَ : وَلَا تَنْعَقِدُ لِفَاسِقٍ ابْتِدَاءً ، فَلَوْ طَرَأَ عَلَى الْخَلِيفَةِ فِسْقٌ قَالَ بَعْضُهُمْ : يَجِبُ خَلْعُهُ إِلَّا أَنْ تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ وَحَرْبٌ ، وَقَالَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ : لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ وَتَعْطِيلِ الْحُقُوقِ ، وَلَا يُخْلَعُ وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، بَلْ يَجِبُ وَعْظُهُ وَتَخْوِيفُهُ ; لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدِ ادَّعَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ فِي هَذَا الْإِجْمَاعَ ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ هَذَا بِقِيَامِ الْحَسَنِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ ، وَبِقِيَامِ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى الْحَجَّاجِ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ ، وَتَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِلُ قَوْلَهُ : " أن لا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ " فِي أَئِمَّةِ الْعَدْلِ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ قِيَامَهُمْ عَلَى الْحَجَّاجِ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْفِسْقِ ، بَلْ لِمَا غَيَّرَ مِنَ الشَّرْعِ وَظَاهَرَ مِنَ الْكُفْرِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : إِنَّ هَذَا الْخِلَافَ كَانَ أَوَّلًا ، ثُمَّ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( بَايَعْنَا عَلَى السَّمْعِ ) الْمُرَادُ بِالْمُبَايَعَةِ : الْمُعَاهَدَةُ ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْبَيْعِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ كَانَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى صَاحِبِهِ ، وَكَذَا هَذِهِ الْبَيْعَةُ تَكُونُ بِأَخْذِ الْكَفِّ ، وَقِيلَ : سُمِّيَتْ مُبَايَعَةً ؛ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمُعَاوَضَةِ لِمَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَظِيمَ الْجَزَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ) مَعْنَاهُ : نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ، الْكِبَارُ وَالصِّغَارُ ، لَا نُدَاهِنُ فِيهِ أَحَدًا ، وَلَا نَخَافُهُ هُوَ ، وَلَا نَلْتَفِتُ إِلَى الْأَئِمَّةِ ، فَفِيهِ : الْقِيَامُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ ، سَقَطَ الْإِنْكَارُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ ، وَوَجَبَتْ كَرَاهَتُهُ بِقَلْبِهِ ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ ، وَحَكَى الْقَاضِي هُنَا عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الْإِنْكَارِ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَبَسَطْتُهُ بَسْطًا شَافِيًا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَتَحْرِيمِهَا فِي الْمَعْصِيَةِ · ص 539 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في البيعة على ماذا تكون · ص 43 ( 9 ) باب في البيعة على ماذا تكون ( 1709 ) [1420] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصامت قَالَ: بَايَعْنَا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . زاد في رواية بعد قوله وَأَلَا نُنَازِعَ الأمرَ أَهْلَهُ قَالَ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ . ( 9 ) ومن باب : البيعة وهي مأخوذة من البيع ، وذلك أن المبايع للإمام يلتزم أن يقيَهُ بنفسه وماله ، فكأنّه قد بذل نفسه وماله لله تعالى ، وقد وعده الله تعالى على ذلك بالجنة ، فكأنّه قد حصلت له المعاوضة ، فصدق على ذلك اسم البيع والمبايعة والشراء ؛ كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ إلى أن قال : فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ، وعلى نحوٍ من هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لصهيب : ربح البيع أبا يحيى ، وكانت قريشُ تبعته لتردّه عن هجرته ، فبذل لهم ماله في تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى ، فسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم بيعًا ، وهذا أحسن ما قيل في المبايعة . ثم هي واجبة على كل مسلم لقوله صلى الله عليه وسلم : من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ، غير أنّه مَنْ كان مِن أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضرًا ، أو بالقول والإشهاد عليه إن كان غائبًا ، ويكفي مَنْ لا يُؤْبَهُ لَهُ ولا يُعْرَف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام ويسمع ويطيع له في السرّ والجهر ولا يعتقد خلافًا لذلك ، فإن أضمره فمات مات ميتة جاهلية ؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة . وقوله بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ، هذه البيعة تسمَّى بيعة الأمراء ، وسُمّيت بذلك لأن المقصود بها تأكيد السمع والطاعة على الأمراء ، وقد كان عُبَادَةُ بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء ، وسُمّيت بذلك لأنه لم يكن فيها ذِكْرُ حربٍ ولا قتال . وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بيعة الرِّضوان ، وسُمّيت بذلك لقول الله تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وسيأتي ذِكْرُهَا . وقوله وعلى أَثَرةٍ علينا ، قد تقدّم القول في تقييد أثرة وفي معناه ، وكأنَّ هذا القول خاصٌّ بالأنصار ، وقد ظهر أثر ذلك يوم حنين حيث آثر النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا بالفيء ولم يُعْط الأنصار شيئًا ، فجرى من الحديث ما تقدّم في كتاب الزكاة ، وهناك قال النبي صلى الله عليه وسلم : اصبروا حتى تلقوني على الحوض ، فقالوا : سنصبر إن شاء الله . وفيه أيضًا تنبيه لهم على أن الخلافة في غيرهم ، وقد صرّح بذلك في قوله : وعلى ألا ننازع الأمر أهله ، وكذلك فعلوا لَمّا علموا أهلية أبي بكر للخلافة أذعنوا وسلّموا وسمعوا وأطاعوا . وقوله إلا أن تروا كفرًا بواحًا ، كذا روايةُ هذه اللفظة بالواو عند كافة الرّواة ، وهي من باح الرجل بالشيء يبوح به بوحًا وبواحًا إذا أظهره ، وقال ثابت : رواه النسائي بُؤَاحًا أو بَؤُوحًا - وهي بمعناه ، إلا ما زادت من معنى المبالغة ، وقد رواها أبو جعفر بَرَاحًا بالراء ، من قولهم : بَرِحَ الْخَفَاءُ ؛ أي : ظَهَرَ . وقوله عندكم من الله فيه برهان ؛ أي : حجة بيّنة وأمرٌ لا شك فيه يحصل به اليقين أنه كفر ، فحينئذ يجب أن يخلع من عُقِدَتْ له البيعة على ما قدّمناه .