[161] - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ قَالَتْ : أَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ، فَقَالَ عِنْدَنَا ، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ ، فَقُلْتُ : مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي . قَالَ : أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ . فَقُلْتُ : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . قَالَ : فَإِنَّكِ مِنْهُمْ . قَالَتْ : ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ أَيْضًا وَهُوَ يَضْحَكُ ، فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ ، فَقُلْتُ : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . قَالَ : أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ . قَالَ : فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بَعْدُ ، فَغَزَا فِي الْبَحْرِ فَحَمَلَهَا مَعَهُ ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ قُرِّبَتْ لَهَا بَغْلَةٌ ، فَرَكِبَتْهَا ، فَصَرَعَتْهَا ، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا . [162] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَا : أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ ابْنِ حَبَّانَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ ، قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَضْحَكَكَ ؟ قَالَ : نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ . وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَةَ مِلْحَانَ خَالَةَ أَنَسٍ ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عِنْدَهَا ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ ) قِيلَ : هُوَ صِفَةٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ صِفَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، أَيْ : يَرْكَبُونَ مَرَاكِبَ الْمُلُوكِ لِسَعَةِ حَالِهِمْ ، وَاسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ ، وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ . قَوْلُهَا : فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ : ( ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِيَ مِنْهُمْ وَكَانَ دَعَا لَهَا فِي الْأُولَى قَالَ : أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَاهُ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى ، وَأَنَّهُ عَرَضَ فِيهَا غَيْرَ الْأَوَّلِينَ . وَفِيهِ : مُعْجِزَاتٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا إِخْبَارُهُ بِبَقَاءِ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ ، وَأَنَّهُ تَكُونُ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَقُوَّةٌ وَعَدَدٌ ، وَأَنَّهُمْ يَغْزُونَ وَأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ ، وَأَنَّ أُمَّ حَرَامٍ تَعِيشُ إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَأَنَّهَا تَكُونُ مَعَهُمْ ، وَقَدْ وُجِدَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّ ذَلِكَ . وَفِيهِ : فَضِيلَةٌ لِتِلْكَ الْجُيُوشِ ، وَأَنَّهُمْ غُزَاةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مَتَى جَرَتِ الْغَزْوَةُ الَّتِي تُوُفِّيَتْ فِيهَا أُمُّ حَرَامٍ فِي الْبَحْرِ ؟ وَقَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي مُسْلِمٍ أَنَّهَا رَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا فَهَلَكَتْ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَنَّ فِيهَا رَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ وَزَوْجُهَا إِلَى قُبْرُسَ ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا هُنَاكَ ، فَتُوُفِّيَتْ وَدُفِنَتْ هُنَاكَ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ : ( فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ ) مَعْنَاهُ : فِي زَمَانِ غَزْوِهِ فِي الْبَحْرِ لَا فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ ، قَالَ : وَقِيلَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَتِهِ ، قَالَ : وَهُوَ أَظْهَرُ فِي دَلَالَةِ قَوْلِهِ فِي زَمَانِهِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : جَوَازُ رُكُوبِ الْبَحْرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ ، وَكَرِهَ مَالِكٌ رُكُوبَهَ لِلنِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُنَّ غَالِبًا التَّسَتُّرُ فِيهِ ، وَلَا غَضُّ الْبَصَرِ عَنِ الْمُتَصَرِّفِينَ فِيهِ ، وَلَا يُؤْمَنُ انْكِشَافُ عَوْرَاتِهِنَّ فِي تَصَرُّفِهِنَّ لَا سِيَّمَا فِيمَا صَغُرَ مِنَ السُّفْيَانِ ، مَعَ ضَرُورَتِهِنَّ إِلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ . قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَنْعُ رُكُوبِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا مَنَعَهُ الْعُمَرَانِ لِلتِّجَارَةِ ، وَطَلَبِ الدُّنْيَا ، لَا لِلطَّاعَاتِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيُ عَنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ إِلَّا لِحَاجٍّ أَوْ مُعْتَمِرٍ أَوْ غَازٍ ، وَضَعَّفَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ . وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَوْتَ فِيهِ سَوَاءٌ فِي الْأَجْرِ ؛ لِأَنَّ أُمَّ حَرَامٍ مَاتَتْ وَلَمْ تُقْتَلْ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ : إِنَّهُمْ شُهَدَاءُ ، إِنَّمَا يَغْزُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ قَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ حَدِيثَ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ : " مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ " . وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : ( وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطْعَمَتْهُ ) وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بَعْدُ ) فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً لِعُبَادَةَ حَالَ دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَتُحْمَلُ الْأُولَى عَلَى مُوَافَقَةِ الثَّانِيَةِ ، وَيَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ عَمَّا صَارَ حَالًا لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ نُسَخِهِمْ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، فَزَادَ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ · ص 51 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الغزو في البحر · ص 751 ( 51 ) باب الغزو في البحر 1912 [1379] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ. ( يَشُكُّ أَيَّهُمَا قَالَ ). قَالَتْ: فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا. ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ : مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. كَمَا قَالَ فِي الْأُولِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ. وَفِي رِوَايَةٍ : يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ. وَفِي أُخْرَى : قَالَ: فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بَعْدُ، فَغَزَا فِي الْبَحْرِ فَجَعَلَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ قُرِّبَتْ لَهَا بَغْلَةٌ ، فَرَكِبَتْهَا فَصَرَعَتْهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا . ( 51 ) ومن باب: الغزو في البحر قوله : ( إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدخلُ على أمِّ حرام بنت مِلْحان ) ؛ أمّ حرام هذه هي أخت أم سليم أم أنس بن مالك ، وكان اسم أم حرام : الرميصاء . وقيل : الغميصاء ، وإنما الرميصاء أمُّ سليم . وكذا ذكره البخاري . و( الرميصاء ) : من الرمص ، وهو القذى الذي يجتمع في مآقي العين وأهدابها . و( الغمص ) : استرخاءٌ فيها وانكسار ، وهما اسمان لهما ، ويجوزُ أن يكون ذلك صفتين ، ولعل الغمصَ هو الذي كان غالبًا على نساء الأنصار ، وهو الذي عنى به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- حيث قال لجابر : ( فإن في عيون الأنصار شيئا . ودخولُ النبي -صلى الله عليه وسلم- على أم حرام ؛ لأنها كانتْ إحدى خالاته من الرَّضاعة ، كما قال ابنُ وهب . وقال غيرُه : بل كانت خالة لأبيه ، أو لجدِّه ؛ لأن أم عبد المطلب من بني النجار . وقوله : ( وكانت تحت عُبادة بن الصامت ) ؛ ظاهرُه : أن أم حرام كانت زوجًا لِعُبادة في الوقت الذي دخل عليها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ، ورأى تلك الرؤيا ، وليس الأمرُ كذلك ، بل تزوَّجها عُبادةُ بعد ذلك بمدةٍ ، كما قاله في الرواية الأخرى : فتزوَّجها عبادةُ بَعْدُ ، فغزا في البحر . فهذا يدلُّ على تعقيب تزوجها بغزوهم ، وكان ذلك الغزو في زمان معاوية ، إمَّا وهو أميرُ الجيش ، أو أمير المؤمنين ، على ما في ذلك من الخلاف . وفي قوله : ( أطعمته ) ؛ دليل على جواز تصرُّف المرأة في إطعام الضيف من طعام زوجها ؛ لأن الأصل في أطعمة الدَّار إنما هي مال الزوج. وفيه دليل على خلوة الرَّجل بذات محرم ، والتبسُّط معها ، والقرب منها ، لا سيما على رواية من روى : أنَّه -صلى الله عليه وسلم- وضع رأسه على فخذها. ويمكن أن يقال : إنه - صلى الله عليه وسلم- كان لا يستتر منه النساء ؛ لأنه كان معصومًا بخلاف غيره . وضحكه -صلى الله عليه وسلم- حين استيقظ إنما كان فَرَحًا مما اطلع عليه من أحوال من يكون كذلك حالُه من أمته بعده . و( ثبج البحر ) : ظهره ، كما قال في الرواية الأخرى . وأصل الثَّبج : ما يلي الكتفين . وقوله : ( ملوكًا على الأسرة ، أو مثل الملوك على الأسرة ) ؛ هو شكّ من بعض الرواة ، وقد ورد في طريقٍ أخرى : ( كالملوك على الأسرَّة ) ، بغير شكِّ ، ويحتمل أن يكون خبرًا عن حالهم في غزوهم . ويحتملُ أن يكونَ خبرًا عن حالهم في الجنة ، كما قال تعالى في صفة أهل الجنَّة : عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ و عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ وفيه دليل على ركوب البحر في الغزو . ويلحقُ به ما في معناه من الحج وغيره ؛ وهو مذهبُ جمهور الصحابة والعلماء ، غير أنه قد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه منع ركوبه مطلقًا . وقيل : إنما منعاه للتجارة ، وطلب الدنيا ، لا للطاعات. وكره مالك ركوبه للنساء مطلقًا ، لما يخاف عليهن من أن يُطلع منهن على عورةٍ ، أو يطلعن على عورات المتصرِّفين . قال الأصحابُ : هذا فيما صَغُر من السُّفن ، فأمَّا ما كَبُر منهن ، بحيث يستترن بأماكن يختصصن بها ، فلا بأس . وقولها في الثانية : ( ادع الله أن يجعلني منهم ) ؛ كأنها ظنَّتْ أن المعروضين عليه ثانيا مساوون للأولين في الرتبة ، فسألت رتبتهم ليتضاعف لها الأجر ، ولم تشك في إجابة دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لها في المرة الأولى. وقوله : ( أنت من الأولين ) ؛ أي : من الزمرة التي رآها أولاً . وهذا يدل : على أن المرئيين ثانيًا ليسوا الأولين ، وكانت الطائفة الأولى غزاة أصحابه في البحر . والثانية : غزاة التابعين فيه . والله تعالى أعلم . وقوله : ( فركبت البحر في زمن معاوية ) ؛ ظاهره : في زمان خلافة معاوية . وقال به بعض أهل التاريخ . والأشهر من أقوالهم : إن ذلك إنما كان في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وفيها كان معاوية قد غزا قبرص سنة ثمان وعشرين ، ومعه زوجته فاختة بنت قرظة من بني عبد مناف ، قاله خليفة بن خياط وغيره . وفيها ركبت أم حرام البحر مع زوجها إلى قبرص ، وبها توفيت حين صرعتها دابتها ، ودفنت بها . وفيه دليل : على صحَّة نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وعلى صدقه ، فإنه قد وقع ما أخبر عنه من الغيب على نحو ما أخبر عنه . وفيه دليل : على أن من مات في طريق الجهاد من غير مشاهدته ومباشرته ؛ له من الأجر والرتبة مثل ما للمباشر. كما قدَّمناه.